سليديرمقالات

ارتفاع أسعار أضاحي العيد يكشف أزمة صغار مربّي المواشي في تونس 

 “فتحية خذير – كوسموس ميديا

كان من المفروض أن ترعى خرفاني في الحصيدة خلال هذه الفترة لكن هذه السنة لا توجد آلة حصاد واحدة في المنطقة ولا يوجد مرعى لأنه لا يوجد محصول من القمح أو الشعير أو العلف أصلا في برج العامري ككل”… هكذا بدء نبيل الحكيري كلامه وهو يتحدث لكوسموس ميديا عن أسباب ارتفاع أسعار أضاحي العيد. 

أيام معدودات تفصلنا عن الاحتفال بعيد الأضحى في تونس وسائر الدول الاسلاميّة. زرنا نبيل الحكيري مربي أغنام في جهة برج العامري من ولاية منوبة. يملك نبيل 300 رأس غنم منها 90 خروفا معدّة  للبيع بمناسبة عيد الأضحى. بات الرجل يفكّر بشكل جدي في بيع كل أغنامه، فما عاد نبيل وغيره من الفلاحين ومربي الأغنام اليوم قادرين على تحمّل تكلفة الإنتاج خاصة مع غلاء أسعار الأعلاف التي تضاعفت حتى الثلاث مرّات مقارنة بالأسعار في السابق.

العلف.. أو الشجرة التي تخفي الغابة

يبلغ معدل مساحات الزراعات العلفية والرعوية في تونس قرابة 330 ألف هكتار وتساهم هذه المساحات بحوالي 30% من تغطية احتياجات مربي المواشي. 

وتعيش تونس خلال الفترة الأخيرة على وقع أزمة حادة في المياه نتيجة انحباس الأمطار للسنة الرابعة على التوالي، ورغم أهميّة ما شهدته البلاد التونسيّة خلال شهري ماي وجوان من تساقطات إلا أن الفلاحين يعتبرون أنّها جاءت متأخرة ولا يمكنها إنقاذ المحاصيل الزراعية من الحبوب والشعير. 

وجد نبيل مربي الأغنام نفسه مضطرا لشراء العلف لقطيع أغنامه حتى ينقذها من شبح الجوع، ويقول في هذا الصدد إنّه أصبح يشتري العلف من الفلاح مباشرة فقد قطعت وزارة الفلاحة عنهم الأعلاف المدعّمة لهذا العام، كما أن ما يقتنيه من شعير مدعّم “لا يكفي حتى دجاجاته” .

وهو لا ينكر أن الوضع بدأ يتعقّد منذ مدة، لكن الارتفاع الأخير لسعر الأعلاف أصبح كارثيا، وفق تعبيره، مضيفا: “أنا أشتري حزمة العلف بـ27 دينار وفي السنة الفارطة اشتريها بـ9 دينارات وأشتري أيضا الطن الواحد من الشعير بألفي دينار بينما في السنة الفارطة اقتنيها بـ800 دينار وحتى 900 دينار إضافة إلى انّ الأعلاف اليوم غير متوفرة بالكميّة الكافية “.

وأمام تفاقم أزمة الأعلاف، يضطر مربو الأغنام والمواشي عامة إلى التفريط في قطعانهم دون سعر الكلفة أو عرضها للبيع على المسالك الحدودية الغربية والجنوبية للتخلص من ثقل كلفتها.

ما وراء الأرقام…

تجابه تونس وضعا صعبا في جل القطاعات الفلاحية بسبب النقص الفادح في الأمطار وهو ما تسبب في تدهور وضعية فلاحي الحبوب ومربي الماشية، نتيجة لارتفاع كلفة الإنتاج والغلاء المشطّ في سعر الأعلاف والنقص الحاد في الأعلاف المدعمة والتي لم تعد تغطي سوى 30 بالمائة من حاجياتهم، علاوة على غياب استراتيجية حكوميّة واضحة وحلول بديلة لتعويض مربي المواشي الذين يواجهون نقصا في الأعلاف وضغوطا  من محتكريها.

وفي حوار له مع “كوسموس ميديا” أكّد عضو المجلس المركزي للاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري أنيس خرباش أن بلوغ أسعار الأعلاف مستويات قياسية أمر متوقع بسبب ندرة المرعى ونقص المساحات الخضراء، مشيرا إلى أن التغيرات المناخية ونقص المياه في السدود وقلة التساقطات ظهرت تأثيراتها السلبية على القطاع الفلاحي عامة وعلى مربي الأغنام والمواشي خاصة. 

ولفت انيس خرباش إلى أن تونس فقدت أكثر من 75% من مساحات الحبوب وما تنتجه من أعلاف من تبن و”قرط”، إضافة إلى أنّ هناك نقصا كبيرا أيضا في الأعلاف المدعّمة التي باتت تصل للفلاح بنسبة 40 بالمائة فقط وقد ارتفع سعرها بشكل كبير، وهذا ما ادّى حسب رأيه إلى ارتفاع أسعار الأضاحي هذه السنة بنسبة لا تقل عن 20 بالمائة، كما أدى إلى تراجع الطلب على شراء أضاحي عيد الإضحى في تونس رغم تراجع العرض أيضا نتيجة تخلي عدد كبير من الفلاحين عن قطعان أغنامهم عبر بيعها هرباً من جحيم أسعار العلف.

وتعاني تونس منذ سنوات من أزمة في الأعلاف ومشكلة توزيعها إضافة إلى ارتفاع كلفتها وتفشي الاحتكار وظهور سوق سوداء لتجارتها قبل أن تتصاعد الأزمة والغلاء هذا العام بسبب الجفاف. 

يخشى نبيل الحكيري مربي الأغنام ببرج العامري أن يجد نفسه مضطرّا إلى بيع كل أغنامه معتبرا أن ارتفاع أسعار بيع الأضاحي لا يمكنه تغطية كلفة انتاجهم ولن يحد من عجزهم المالي، مطالبا بالتدخل الرسمي لإعادة حوكمة السوق والحد من تأُثيرات الجفاف على صغار المربين الذين يشكلون أكثر من 80% من الفئة المشتغلة في قطاع تربية الماشية.

 ويقدّر قطيع الماشية في تونس بنحو 5.4 ملايين رأس من أنثى الأغنام والماعز والأبقار بحسب بيانات رسمية لوزارة الفلاحة والصيد البحري والموارد المائية، في حين تشير بيانات الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري إلى أن القطيع تراجع بنسبة تفوق 30% خلال العامين الماضيين.

زر الذهاب إلى الأعلى