سليديرمقالات

الراعي والنار:”نحنا والحرائق جيران” (ريبورتاج)

ريم بن علي – كوسموس ميديا 

تعاني البلاد التونسية في السنوات الأخيرة من ارتفاع رهيب في عدد حرائق الغابات خاصّة في فصل الصيف، ماتسبّب في القضاء على مساحات شاسعة من الغلاف النّباتي. وقد أدى ذلك إلى حرمان فئة الرعاة والمزارعين المتاخمين للغابات من موارد رزقهم التقليدية.

الحرائق الموسميّة قدر غابات تونس “الخضراء”

بدأت تونس “الخضراء” تتنازل عن لقب لطالما سبقها صيتا في العالم وجعل شعراء يتغنّون به، وذلك بسبب خسارتها السنوية لآلاف الهكتارات من الغطاء النباتي نتيجة للتصحر والجفاف ولكن أيضا نتيجة حتمية للعشرات بل مئات من حرائق الغابات. فقد بلغ عدد الحرائق المسجّل منذ بداية السنة وإلى حدود شهر جويلية (يوليو) الماضي، 78 حريقا في 56 غابة و22 حرشا مشجّرا، أتت على ما يناهز الـ 3000 هكتار، مقابل 156 حريقا عام 2022 في 59 غابة و97 حرشا مشجّرا، حسبما نقلته وكالة الأنباء الرسمية التونسية (TAP).

وقد عانت الجبال التونسية في صائفة 2022 من أكثر من 15 حريقا هائلا، اندلع أبرزها بـ”جبل بوقرنين” المطل على العاصمة. ويعدّ هذا الجبل الرّئة الطبيعية التي يتنفّس منها سكان مدن إقليم تونس الكبرى ويفوق عددهم المليوني تونسي. وقد أتى حريق “بوقرنين” على أكثر من 500 هكتار من الغابات، ما تسبب في تلف كبير للغطاء النباتي وضياع للنّظام الإيكولوجي لمنطقة تونس الكبرى. وتحاول جمعيات بيئيّة في المجتمع المدني إعادة إحيائه عبر تنظيم حملات تشجير.

وبحسب المعطيات الرسمية، فإنّ سنة 2020 شهدت عددا قياسيّا للحرائق في الغابات التونسيّة، بمتوسط ​​يفوق عدد الحرائق المسجلة في الفترة الممتدة بين سنتي 2011 و2019. فخلال الفترة الممتدة من 22 جويلية (يويليو) إلى الأسبوع الأول من شهر أوت (أغسطس) 2020 وحدها، سجّلت السلطات التونسية 55 حريقا، منها 18 حريقا في ولايات (محافظات) باجة وجندوبة والكاف وسليانة وبنزرت ونابل.

الملفت للانتباه أن هذه المناطق تتمتع بغطاء نباتي ثري ما جعلها عرضة أكثر من غيرها لحرائق تنوعت أسبابها، لكن في أغلبها تّتجه أصابع الاتهام إلى أياد خفية، أمّا التهمة فعادة ما تحوم حول مجهول لعدم توفّر الأدلة. من هذه الجبال ما تعمل الطبيعة على إعادة إحيائه ومنها ما لا يقوى على استرداد عافيته على غرار جبل “سيدي بوكحيل” بولاية (محافظة) سليانة في الشمال الغربي.

غابات الشمال الغربي شهيدة الحرائق

أتت حرائق الغابات التي اندلعت في شهر جويلية (يوليو) الماضي بالشمال الغربي التونسي على 450 هكتارا من الغطاء الحرجي لغابات الصنوبر من جملة 5000 هكتارا تمتد مساحتها إلى الحدود الفاصلة بين تونس والجزائر، حسبما نقلته الوكالة الرسمية التونسية “تونس أفريقيا للأنباء” (TAP) عن وزارة الفلاحة.

وقد اشتعلت سلسلة من الحرائق لعدة أيام متتالية في ثلاث ولايات (محافظات) متجاورة وهي باجة وجندوبة وسليانة، ما أدّى إلى تفاقم الأزمة. وكانت غابات “ملولة” من معتمدية طبرقة الواقعة بولاية (محافظة) جندوبة، أبرز متضرر. إذ تزامنت الحرائق مع هبوب موجة من الرياح الجنوبية، ما ساهم في انتشار واسع لألسنة اللّهب. وأجبر رجال الحماية المدنية على إجلاء السكان المحاصرين برّا وبحرا.

من جهته، صرّح المتحدث باسم الحماية المدنية التونسية للإعلام أنّ الخسائر الناجمة عن حريق “ملّولة” كانت كبيرة، وقد تطلّبت جهوداً مضاعفة من أجل السيطرة على النيران، واصفا حريق “ملولة” بالأعنف منذ سنوات.

هذا وتمتاز معتمدتي طبرقة وعين دراهم من ولاية (محافظة) جندوبة، بجمال غاباتها الكثيفة وامتدادها على مرتفعات الشمال الغربي وصولا إلى الحدود الجزائرية، وهو ما يجعلها الأكثر معاناة من الحرائق الصيفية. ففي شهر أوت (أغسطس) 2021 مثلا احترقت غابات “الفوازعية” و”عين الدبة” من معتمدية فرنانة بولاية (محافظة) جندوبة.

المتضرّر الأكبر: قوت الرّعاة والمزارعين

تحتل المساحات الغابيّة في تونس 34% من إجمالي التراب الوطني وهو ما يعادل 4,6 مليون هكتار. وتتمركز أغلبها في منطقتي الشمال الغربي والوسط الغربي حيث يقطنها ما يقرب عن المليون نسمة. وتقدّر قيمتها الاقتصادية بـ 932 مليون دينار تونسي، بحسب بيانات “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”.

لم يسلم لا الإنسان ولا حتى الحيوان

يساهم قطاع الغابات بنسبة 1,3% من الناتج المحلّي الإجمالي و14% من الناتج الفلاحي المحلّي. كما يوفّر ما بين 15 إلى 25% من احتياجات الماشية للعلف.

تعكس هذه الأرقام حجم الضّرر المادي الذي اُبتلي به السكّان المحاذون للغابات. فبعد أن اتخذوا الغابة وماتحتويه من ثروات طبيعية، موردا متجدّدا للرزق، معتقدين أنّ معينه لا ينضب مثلما عهدوه مع أجدادهم، باتوا يعانون الخصاصة جرّاء احتراق الغطاء النباتي. إذ لم يعد في متناولهم استغلال المنتجات الزّراعية الغابيّة للعيش. فكسب قوتهم اليومي كان يتأتّى من بيع ثمار الغابة وتحويل نباتاتها إلى زيوت ومصبّرات وغيرها من المقتنيات التقليدية التي يتهافت أهل الحضر على شرائها. وأصبحت ماشيتهم لا تنعم بمراعيها الاعتيادية بل يضطروا إلى اقتيادها إلى أماكن بعيدة بحثا عن المرعى.

 

زر الذهاب إلى الأعلى