إسلام المقري – كوسموس ميديا-تونس
في إطار إحياء اليوم العالمي للتربية البيئية، وتحت عنوان” Éco-Éducation : Vers une Société Résiliente” احتضنت مدينة العلوم لقاءً فكريًا تم خلاله تسليط الضوء على دور المدرسة في بناء علاقة سليمة بين الإنسان والطبيعة.
وانتظم هذا اللقاء في إطار مقاربة تشاركية جمعت بين خبراء في المجال البيئي، وممثلي مؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب مبادرات إعلامية، من بينها منصة كوسموس ميديا.
المدرسة البيئية: من التحسيس إلى بناء الثقافة
قدّم الخبير البيئي منير محجوب مداخلة انطلاقًا من خبرته المهنية والميدانية في مجال البيئة والتنمية المستدامة، مؤكدًا أن التحديات التي تواجه تونس والعالم اليوم، من تدهور الموارد الطبيعية، وتهديد صحة الإنسان، وتفكك العلاقات الاجتماعية، تفرض إعادة التفكير جذريًا في دور المدرسة.
واعتبر محجوب أن الحديث عن التربية البيئية والتحسيس يبقى مهمًا، لكنه غير كافٍ، مشددًا على أن الأساس يكمن في بناء ثقافة فردية وجماعية تحدد سلوك المواطن وعلاقته بالمحيط والموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، قدّم مفهوم المدرسة البيئية باعتبارها فضاءً للتعلّم وبناء الثقافة منذ الطفولة المبكرة، حيث لا يقتصر التعليم على الأقسام المغلقة، بل يمتد إلى الفضاء الطبيعي من خلال الممارسة والاحتكاك المباشر بالطبيعة.
واستحضر محجوب تجربته التعليمية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، مشيرًا إلى أن أكثر ما بقي راسخًا في ذاكرته هو الجولات المدرسية في الطبيعة مع المعلّمين، سواء في دروس العلوم الطبيعية أو غيرها من المواد.
وأوضح أن التلاميذ في هذا النموذج يتعلّمون مختلف المواد خارج القسم، بما فيها الرياضيات والفيزياء والكيمياء والتربية المدنية، إلى جانب اللعب والعمل الجماعي، وهو ما يعزّز إدراكهم بأنهم جزء من الطبيعة وأن حياتهم مرتبطة بديمومتها.
وشدّد على أن المدرسة البيئية تتطلب مراجعة جذرية للبيداغوجيا ونظام التعليم، داعيًا إلى “تعليم الأطفال وهم يلعبون”، لأن “ما يُتعلَّم بفرح لا يُنسى”.
وفي ختام مداخلته، وجّه رسالة إلى التلاميذ والشباب دعاهم فيها إلى التمسك بالأمل، والإيمان بالمستقبل، وعدم الخوف من الاستبداد والاضطهاد والحروب.

بين الخطاب والممارسة: إشكاليات ميدانية
من جهتها، أوضحت السيدة آمال بوعصيدة، المكلفة بالاتصال والتربية البيئية، أن مداخلتها لا تتناول المؤسسات التربوية ككل، بل تنبع أساسًا من العمل الميداني وما يكشفه من إشكاليات واقعية.
وبيّنت أن الحديث عن التربية البيئية يصبح في عديد الحالات صعبًا، عندما تكون المؤسسات التربوية محاطة بحاويات فضلات أو مظاهر تلوث، في حين يُطلب من الأطفال تعلّم الفرز الانتقائي داخل الأقسام، وهو ما يخلق تناقضًا واضحًا بين الخطاب والممارسة.
وأضافت أن التربية من أجل الاستدامة تفرض بالضرورة الاهتمام بالبنية التحتية للمؤسسات التربوية، معتبرة أن المدرسة يجب أن تكون منسجمة مع محيطها الطبيعي. وقدّمت مثال مدارس في الجنوب تعتمد الطاقة الشمسية، مؤكدة أنه لا يعقل الحديث عن أهمية الغابة في مدرسة محاطة بالإسمنت، أو التحذير من الشح المائي في ظل حنفيات مكسّرة، لما لذلك من أثر سلبي على الرسالة الموجهة للتلميذ.
كما أكدت بوعصيدة أن الدروس المقدّمة للتلاميذ غير كافية، سواء من حيث الكم أو الاستمرارية، داعية إلى اعتماد طرق تعليم تقوم على التجربة المباشرة، مثل الخرجات الميدانية، وغراسة الأشجار، والأنشطة التعبيرية، بدل الاكتفاء بالدروس النظرية التي تُنسى بعد الامتحان.
وختمت بالتأكيد على أن الهدف ليس تكديس المعلومات، بل إحداث تغيير حقيقي في السلوك.

«كوسموس كيدز»: التربية البيئية عبر الإعلام
في إطار المقاربة التشاركية التي ميّزت هذا اللقاء، كان مشروع «كوسموس كيدز» حاضرًا، وهو مشروع تعمل على إنجازه منصة كوسموس ميديا.
وقدّمت باعثة المنصة السيدة مبروكة خذير مداخلة أكدت من خلالها على أهمية دمج التربية البيئية بالتربية على الإعلام، ومرافقة الأطفال داخل المدارس، إلى جانب إبراز دور الشباب والثقافة في إنتاج مضامين صحفية تعنى بالقضايا البيئية.
وبيّنت أن المشروع يتمثل في تنظيم عروض لأفلام وثائقية ذات أبعاد بيئية، تتولى منصة كوسموس ميديا عرضها داخل دور الشباب والثقافة وكذلك داخل المدارس، بهدف فتح النقاش حول قضايا بيئية من بينها الفلاحة المستدامة، والتلوث البلاستيكي في المحيط البحري، والتنوع البيولوجي في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
كما تعمل المنصة على مرافقة الأطفال داخل المدارس والمعاهد، وتقديم معطيات ومعلومات حول عديد المواضيع البيئية بأساليب إبداعية وفنية تجمع بين الوثائقي والصحافة، من خلال التقارير المصوّرة والأعمال المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويتم من خلال ذلك تسليح التلاميذ بالمعرفة الإعلامية، ليصبحوا هم أنفسهم صحفيين صغارًا يقدّمون أخبارًا بيئية ويساهمون في نقل المعلومة.
وأفادت باعثة منصة كوسموس ميديا أنها تشتغل على هذا المشروع بالشراكة مع عدد من المنظمات، والأكاديميات التدريبية، ومؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى المدارس والمعاهد العمومية والخاصة، بهدف تمكين الطفل واليافع من الإلمام بالتحديات البيئية المطروحة اليوم، وتحويله إلى سفير للقضية البيئية والاستدامة.
التربية البيئية: استثمار في المستقبل
ويجمع المتدخلون على أن المدرسة البيئية تمثل ركيزة أساسية لبناء جيل واعٍ، قادر على حماية الموارد الطبيعية وصناعة مستقبل أكثر صمودًا، وأن الاستثمار في التربية البيئية هو استثمار في الإنسان وفي استدامة الحياة.




