سليديرمقالات

أعالي البحار ليست بعيدة عن تونس… بل تكشف حدود سياساتنا البحرية

مبروكة خذيركوسموس ميديا- تونس 

قد يبدو الحديث عن اتفاقية أعالي البحار شأنًا دوليًا بعيدًا، يخص الأمم المتحدة والدول الكبرى أكثر مما يخص بلدانًا مثل تونس. لكن هذا الانطباع مضلل. فالبحر الذي يواجه شواطئنا يوميًا لا ينفصل عن تلك المساحات البعيدة التي تُدار خارج السيادة الوطنية، والتي تؤثر مباشرة في توازن المتوسط، وفي خيارات الدولة، وفي حياة آلاف التونسيين.

في الموانئ التونسية، من بنزرت إلى جرجيس، تتكرر الرواية نفسها: مجهود أكبر، صيد أقل، وكلفة أعلى. وغالبًا ما يُختزل النقاش في أسباب محلية: تغيّر المناخ، التلوث الساحلي، ضعف الرقابة. لكن ما يُغفل في كثير من الأحيان هو أن جزءًا من الأزمة يُصنع خارج المياه الإقليمية، في أعالي البحار، حيث ظل الاستغلال لسنوات شبه حر، والمسؤولية شبه غائبة.

اتفاقية أعالي البحار: اختبار للسيادة البيئية

جاءت اتفاقية أعالي البحار لتسد فراغًا قانونيًا عالميًا، لكنها تطرح في السياق التونسي سؤالًا أكثر عمقًا:
هل تمتلك الدولة التونسية رؤية متكاملة لسيادتها البيئية والبحرية؟

تونس، مثل بقية دول المتوسط، تعتمد على البحر كرافد اقتصادي وغذائي، لكنها تتعامل معه في سياساتها غالبًا كقطاع تقني مجزأ: صيد، نقل، سياحة، بيئة. في حين أن اتفاقية أعالي البحار تفرض منطقًا مختلفًا: منطق الترابط بين البيئي والاجتماعي والاقتصادي، وبين المحلي والعالمي.

فحين تلتزم الدولة بتطبيق مبادئ الاتفاقية، أو بالمشاركة الفاعلة فيها، فهي لا تدافع فقط عن التنوع البيولوجي، بل عن:

  • الأمن الغذائي
  • استدامة الصيد التقليدي
  • قدرة البحر المتوسط على التعافي

وهي رهانات استراتيجية، لا بيئية فقط.

اتفاقية أعالي البحار… فرصة ضائعة أم بداية صحوة بحرية؟

تفتح اتفاقية أعالي البحار، المعروفة باتفاقية التنوع البيولوجي في المناطق الواقعة خارج الولاية الوطنية، نقاشًا يتجاوز حماية الأنظمة البحرية ليصل إلى جوهر الخيارات السياسية والاقتصادية للدول الساحلية، ومنها تونس. فالاتفاقية لا تُخاطب فقط الفاعلين التقليديين في البحر من صيادين حرفيين وصناعيين، بل تُحمّل الدولة مسؤولية تنظيم العلاقة بين البحر والمجتمع، بما في ذلك المواطن العادي الذي يمارس الصيد على الشواطئ أو في الفضاءات الساحلية غير المصنّفة. من طبرقة وملّولة، الميناءين اللذين غالبًا ما يغيبان عن الخرائط التنموية، إلى بقية الساحل التونسي، تكشف هذه الاتفاقية هشاشة الرؤية الوطنية للاقتصاد الأزرق وغياب مقاربة استراتيجية تُوازن بين الاستغلال والحماية.

قانونيًا، تفرض اتفاقية أعالي البحار على الدول الموقّعة جملة من الالتزامات، أبرزها حماية التنوع البيولوجي في المناطق البحرية، والمساهمة في إنشاء مناطق بحرية محمية، وضمان إجراء تقييمات الأثر البيئي للأنشطة التي قد تُلحق ضررًا بالنظم البحرية، إضافة إلى تعزيز تقاسم المنافع الناتجة عن الموارد الجينية البحرية. هذه الالتزامات لا تبقى حبرًا على ورق، بل تستوجب ملاءمة التشريعات الوطنية، وتطوير آليات رقابة فعّالة، وإعادة تعريف أدوار المتدخلين العموميين والخواص.

سياسيًا، تضع الاتفاقية الدولة أمام اختبار الإرادة: هل تُدرج البحر ضمن أولويات السياسات العمومية، أم يظلّ ملفًا قطاعيًا معزولًا؟ فغياب رؤية شاملة للاقتصاد الأزرق، قائمة على الابتكار والتكنولوجيا والاقتصاد الدائري والصناعات النظيفة، يعكس تأخرًا في التعامل مع البحر كرافعة تنموية. في المقابل، تتيح الاتفاقية فرصة لإعادة توجيه الاستثمارات العمومية والخاصة نحو إزالة التلوث، واستعادة الدورة البيولوجية، وخلق مواطن شغل خضراء، خاصة في المناطق الساحلية المهمّشة.

في المحصلة، لا تمثّل اتفاقية أعالي البحار عبئًا قانونيًا إضافيًا على تونس، بل مرآة تكشف ما فاتها من فرص نموّ ورفاه اجتماعي. فبين الالتزام الدولي والواقع المحلي، تتحدد قدرة الدولة على تحويل البحر من فضاء مستنزَف إلى أفق للتنمية المستدامة والسعادة الجماعية.

من السياسات البيئية… إلى العدالة الاجتماعية

السياسات البحرية في تونس لطالما ركزت على إدارة الساحل، بينما بقيت أعالي البحار خارج النقاش العمومي. لكن اتفاقية أعالي البحار تُعيد إدخال هذا البعد إلى صلب السياسات الوطنية، لأنها تكشف أن حماية البحر ليست قضية “نخب بيئية”، بل مسألة عدالة اجتماعية.

الصيد الصناعي المكثف في المياه الدولية، حين لا يُنظم، ينعكس مباشرة على الصيد الصغير. والنتيجة:

  • تهميش الصيادين التقليديين
  • تراجع الدخل
  • زيادة الهشاشة الاجتماعية في المناطق الساحلية

من هذا المنطلق، يصبح انخراط تونس في تنفيذ روح الاتفاقية دفاعًا عن فئات اجتماعية محددة، لا مجرد التزام دبلوماسي.

البحث العلمي… الحلقة الأضعف

تُظهر اتفاقية أعالي البحار أهمية البحث العلمي والموارد الجينية البحرية، وتدعو إلى تقاسم المنافع ونقل التكنولوجيا. وهنا يظهر تحدٍ واضح للسياسات التونسية:ضعف الاستثمار في البحث العلمي البحري.

في ظل محدودية الإمكانيات، تجد تونس نفسها غالبًا في موقع المتلقي، لا الشريك، في استغلال الموارد البحرية المتقدمة. الاتفاقية تفتح نافذة لإعادة التفكير في:

  • دعم مراكز البحث
  • ربط الجامعات بالسياسات العمومية
  • إدماج الباحثين في القرار البيئي

وإلا ستظل العدالة في تقاسم المنافع شعارًا نظريًا، لا مكسبًا فعليًا.

المتوسط… بحر صغير بأزمات كبيرة

في البحر المتوسط، لا مجال للأخطاء. فهو بحر شبه مغلق، يتأثر بسرعة، ويتعافى ببطء. أي خلل في أعاليه ينعكس على سواحله، وأي تقصير في الحوكمة الإقليمية تتحمله الدول الأضعف أولًا.

من هنا، لا يمكن لتونس أن تتعامل مع اتفاقية أعالي البحار بمنطق المتفرج. فالدفاع عن تطبيقها هو دفاع عن مصلحة وطنية مباشرة، وعن استقرار اجتماعي طويل المدى.

رأي في الخلاصة

اتفاقية أعالي البحار ليست وثيقة بيئية بعيدة عن الواقع التونسي، بل مرآة تكشف حدود سياساتنا البحرية، وفرصة لإعادة صياغتها على أساس المسؤولية البيئية والاجتماعية معًا.

السؤال الحقيقي ليس: هل سنوقّع أو نلتزم؟
بل: هل سنحوّل البحر من مورد يُستنزف، إلى أفق تُبنى حوله سياسات عادلة ومستدامة؟

الإجابة لن تأتي من أعالي البحار فقط، بل من قدرتنا في تونس على الربط بين ما يحدث هناك… وما نريده هنا.

ملاحظة لمن لا يملك معلومات حول الاتفاقية: اتفاقية أعالي البحار، المعروفة باتفاقية التنوع البيولوجي خارج نطاق الولاية الوطنية (BBNJ)، هي اتفاقية أممية تاريخية تم اعتمادها سنة 2023 وتهدف إلى حماية المحيطات في المناطق الواقعة خارج حدود الدول، أي أكثر من 60٪ من مساحة البحار في العالم.

من أبرز مستجداتها وضع آليات لإنشاء مناطق بحرية محمية في أعالي البحار، وتنظيم استغلال الموارد الجينية البحرية، وضمان تقاسم منافعها بشكل عادل، إضافة إلى تعزيز نقل التكنولوجيا وبناء القدرات لفائدة الدول النامية.

بالنسبة إلى تونس، فإنها معنية بشكل مباشر بهذه الاتفاقية باعتبارها دولة متوسطية تواجه تحديات بيئية وبحرية متزايدة مثل تدهور النظم البحرية وتغير المناخ، وقد شاركت في المسار التفاوضي للاتفاقية، وتندرج في التوجه الدولي الداعم لحوكمة عادلة ومستدامة للبحار، مع اهتمام خاص بتعزيز التعاون العلمي وحماية التنوع البيولوجي البحري على المستويين الإقليمي والدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى