سليديرمقالات

الفايجة… جنة بيئية تعيش على صرخة سكانها

فتحية خذيركوسموس ميدياجندوبة

منذ ساعات الصباح الأولى، انطلق أكثر من 12 صحفياً من وسائل إعلام متنوعة نحو الحديقة الوطنية بالفايجة في ولاية جندوبة، يجمعهم شغف مشترك بقضايا البيئة والتنمية المستدامة.

وعلى امتداد الطريق الصاعد نحو جبال خمير، كانت الطبيعة تُقدّم نفسها في مشهد بانورامي مدهش: غابات سنديان كثيفة تُلقي بظلالها على المسالك الهادئة، ومرتفعات خضراء تتدرّج صعوداً في انسجام بصري نادر، ومنابع مياه تتسلل بين الصخور تاركة خلفها خيطاً فضياً يلمع تحت ضوء الصباح. كل تلك التفاصيل كانت تشي بثراء هذه المحمية الاستثنائية، الممتدة على 2632 هكتاراً، والتي تُعدّ أحد أبرز الملاذات الحيوية للتنوع البيولوجي في البلاد، وموطناً لعشرات الأنواع النباتية والحيوانية التي جعلت من الفايجة إرثاً بيئياً لا مثيل له.

زيارة ميدانية ل 12 صحفياً من وسائل إعلام متنوعة نحو الحديقة الوطنية بالفايجة في ولاية جندوبة

استقبال رسمي وتتويج تدريبي بيئي
عند وصول الوفد إلى مدخل المحمية، كان في استقبالهم والي الجهة والمدير العام لإدارة الغابات إلى جانب عدد من الإطارات الجهوية وأعوان المحمية والحرس الوطني، في مشهد يعكس حجم الرهانات البيئية الملقاة على عاتق هذه المنطقة الحدودية الحساسة. وقد بدا واضحاً أنّ مختلف الأطراف سخّرت مواردها البشرية واللوجستية لإنجاح هذه الزيارة، التي لا تمثّل مجرد محطة ميدانية، بل تشكّل تتويجاً لمسار تدريبي مكثّف في الصحافة البيئية لسنة 2025، انطلق منذ شهر ماي الفارط ويتواصل خلال 2026 ضمن برنامج “دعم الإعلام في تونس 2”. هذا البرنامج، المنجز بالشراكة مع وزارة البيئة ومشروع الاتحاد الأوروبي والوكالة الألمانية للتعاون الدولي، يحظى كذلك بدعم لوجستي من الشركة الناشئة “Tunisian Campers” التي وفّرت تجهيزات ميدانية مكيّفة مع طبيعة التضاريس والأنشطة التطبيقية.

ويعتمد البرنامج مقاربة تدريبية تفاعلية تجمع بين الجلسات النظرية، الزيارات الميدانية، وتعلم تقنيات السرد البيئي المعمّق. ومن خلال هذا النهج المتكامل، يسعى القيمون على البرنامج إلى تأهيل المشاركين ليصبحوا سفراء حقيقيين لقضايا البيئة، قادرين على تفكيك التحديات التي تواجه هذه المحميات الطبيعية—من مخاطر الحرائق وتراجع الموارد المائية إلى تداعيات التغير المناخي—ونقلها إلى الجمهور بلغة دقيقة وموثوقة. كما يؤكد المنظمون أن هذه الزيارة، التي تمتد على يومين داخل قلب محمية الفايجة، تُعدّ “محطة محورية لترسيخ المهارات الصحفية المتعلقة بالتنوع البيولوجي”، إذ تشمل ورشات تطبيقية، جولات مرافقة مع خبراء الغابات، وجلسات تحليل ميداني تسمح للصحفيين بفهم التداخل بين الاعتبارات البيئية، السوسيو-اقتصادية، والتشريعية في إدارة هذا الفضاء الطبيعي الاستثنائي.

والي جندوبة السيد الطيب الدريدي في استقبال الصحفيين

الإعلام البيئي… شريك أساسي في حماية الغابات واستعادة المنظومات الطبيعية

في حديث خصّ به منصة كوسموس ميديا، أكّد المدير العام لإدارة الغابات نوفل بن حاحة أن الزيارة الميدانية إلى الحديقة الوطنية بالفايجة تأتي في إطار “حلقة تكوينية موجّهة للصحفيين ووسائل الإعلام، بهدف تعزيز الوعي بالمنظومة البيئية التي تشهد تدهوراً مقلقاً على المستويين الوطني والعالمي”. وأضاف أن دور الإعلام لم يعد مقتصراً على نقل المعلومة، بل أصبح ركيزة أساسية في مراقبة التغيّرات البيئية، وكشف التجاوزات، ودفع الجهات المعنية نحو تبنّي سياسات أكثر استدامة.

وشدّد المتحدث على أنّ إصلاح المنظومة البيئية “لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مقاربة تشاركية تجمع الصحفيين، وإطارات وزارة الفلاحة، وسكان المناطق الغابية، ومنظمات المجتمع المدني”، حيث يتقاطع دور كل طرف في حماية الموارد الطبيعية، ومراقبة الاستغلال العشوائي، وتحسين إدارة الغابات. كما نوّه بأهمية بناء قدرات الإعلاميين في المواضيع البيئية حتى يتحولوا إلى قوة ضغط إيجابية تساهم في تغيير السلوكيات وترسيخ ثقافة الاستدامة.

والي جندوبة و المدير العام لادارة الغابات اثناء ندوة صحفية بالفايجة

شبكة الحدائق الوطنية التونسية

تعدّ الحديقة الوطنية بالفايجة جزءاً حيوياً من شبكة تضم أكثر من 17 حديقة وطنية رئيسية في تونس، تشكل جميعها درعاً أساسياً لحماية النظم البيئية الهشة، وتغطي نحو 1% من مساحة البلاد مع تركيزها على الحفاظ على الأنواع المهدّدة والغابات الغنية. تقع الحديقة الوطنية بالفايجة في الشمال الغربي التونسي، قرب الحدود التونسية الجزائرية، على بعد 195 كم من مدينة تونس، وهي لا تبعد إلا 17 كم عن مدينة غار الدماء و49 كم عن مدينة جندوبة، وتمسح 2632 هكتاراً، وتضم أجمل غابات الزان والفرنان بشمال أفريقيا.

تتميز الحديقة بتنوعها البيولوجي الفريد، إذ تحتضن أكثر من 350 نوعاً من النباتات البرية، بما في ذلك أنواع نادرة ومهددة بالانقراض مثل الزان الأطلسي وبعض النباتات الطبية التقليدية. كما تعد موطناً لعدة أنواع من الثدييات، بما في ذلك الغزلان والوشق، ولطيور مهاجرة مثل الصقور والبوم، مما يجعلها نقطة هامة للبحث العلمي والمراقبة البيئية.

بالإضافة إلى قيمتها البيئية، تعتبر الحديقة الوطنية بالفايجة وجهة سياحية جذابة، حيث توفر مسارات مشي طبيعية ومسالك تعليمية للزوار للتعرف على الغابات والنظم البيئية المحلية. كما تلعب دوراً اجتماعياً وثقافياً من خلال برامج التوعية البيئية التي تستهدف المدارس والمجتمعات المحلية لتعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية.

وتشكل الحديقة جزءاً من شبكة تعاون مع الحدائق الوطنية الجزائرية المجاورة، لتعزيز حماية الأنواع العابرة للحدود مثل الذئاب والوعول، مما يعكس أهمية التعاون الإقليمي في مجال الحفاظ على البيئة.

ندوة صحفية بحضور والي جندوبة، المدير العام لإدارة الغابات، وعدد من الإطارات الإدارية بدائرة الغابات

ندوة افتتاحية: ثراء الحديقة وتحدياتها..

افتتحت الزيارة بندوة صحفية حيوية بحضور والي جندوبة، المدير العام لإدارة الغابات، وعدد من الإطارات الإدارية البارزين، حيث قدّم عرضاً تعريفياً شاملاً لثراء الحديقة الوطنية بالفايجة ومختلف عناصرها الطبيعية. ركّز العرض على غابات البلوط الزان التي تهيمن على 51% من المساحة، وبلوط الفلين (8.9%)، إلى جانب 21 نوعاً من الثدييات مثل الأيل البربري – الذي ارتفع عدده من 10 في 1960 إلى نحو 1000 اليوم – و71 نوعاً من الطيور، و18 من البرمائيات والزواحف، مع منابع مياه طبيعية تضفي سحراً فريداً على هذه المحمية الشاسعة (2632 هكتاراً).

وأشار المتحدثون أيضاً إلى أهمية التنوع البيولوجي للنباتات الطبية والعطرية التي تحتضنها الحديقة، والتي تمثل مورداً اقتصادياً مستداماً محلياً، بما في ذلك نباتات مثل الزعتر البري، المرمية، والفطر البري، إلى جانب الفلين الذي يشكل مصدر رزق رئيسياً للسكان المحليين.

حملة تشجير شارك فيها والي جندوبة و المدير العام للغابات و الصحفيين و اعوان دائرة الغابات

تطرّقت الندوة إلى التحديات الملحّة التي يواجهها أعوان إدارة الغابات في الإشراف على حسن سير المحمية، من إجهاد مائي متزايد بسبب تغيّر المناخ، جفاف المنابع، وتغيّرات في الدورات البيولوجية، إلى جانب مخاطر الحرائق المتكررة – كالتي ألحقت في 2023 بـ 4800 هكتار، مع خسائر مالية تصل إلى 50 ألف دينار للهكتار. كما تم التطرق إلى تهديد الغزو النباتي من أنواع غير محلية قد تؤثر على التوازن البيئي.

وتم التأكيد على دور السكان المحليين (140 عائلة حول الحديقة)، الذين يعتمدون على الرعي، جمع الصنوبر والفطر، وجني الفلين، في حماية المحمية من خلال مبادرات التصرّف المشترك. وقد تم ذكر أمثلة على برامج تعليمية وتوعوية تركز على الحفاظ على التنوع البيولوجي، واستخدام تقنيات الزراعة المستدامة، وإدماج السياحة البيئية كوسيلة لتعزيز الاقتصاد المحلي مع حماية البيئة.

كما اقترح عدد من الخبراء اعتماد خطط لمراقبة الغابات عبر الأقمار الصناعية، وإنشاء فرق تدخل سريعة لمكافحة الحرائق، مع تشجيع البحث العلمي ودراسات تقييم التنوع البيولوجي لتعزيز السياسات البيئية المستدامة.

الأيل الاطلسي في المحمية الوطنية بالفايجة

ملك الفايجة: الأيل البربري بين الحماية والتزايد الطبيعي

بعد اختتام الندوة الصحفية، توجه الحاضرون لمشاهدة الأيل البربري في محمية الفايجة، حيث يأسر هذا الحيوان الأطلسي الأنظار بسحره وغموضه. وفي حديث حصري مع كوسموس ميديا، أكد المدير العام لإدارة الغابات، نوفل بن حاحا: “الأيل الأطلسي هو ملك محمية الفايجة، ولا يزال من الأنواع المهددة بالانقراض، لكن تونس نجحت في إعادة توطينه منذ عصر الاستعمار”. وأضاف: “أعداد الأيل البربري في ازدياد مستمر؛ فبعد أن كانت 30 رأسًا قبل سنوات قليلة، وصلت اليوم إلى 57 رأسًا، نتيجة العناية الحثيثة وجهود أعوان الغابات”.

وأشار محافظ المحمية إلى أن المساحة المخصصة للأيل لم تعد تكفي تزايد أعداد القطيع، ما دفع الإدارة إلى التفكير في إطلاق بعض الأزواج في البرية لتتكاثر وتستعيد موائلها الطبيعية، أو نقل بعضها إلى محميات أخرى مثل جبل شيطانة وجبل السرج.

حارس الأيل البربري في محمية الفايجة : محمد الوسلاتي

يوميات حارس الأيل: محمد الوسلاتي

محمد الوسلاتي، البالغ من العمر 30 عامًا، قضى أكثر من عشر سنوات في محمية الفايجة، مراقبًا وراعيًا للأيل الأطلسي. في حوار مع كوسموس ميديا، وصف محمد يومياته: “أبدأ صباحي بتفقد السياج الحديدي المحيط بالأيل للتأكد من عدم تسلل أي خنزير أو كلب، ثم أعدّ القطيع لأراقب أي غياب أو مرض”. وأضاف بحميمية: “علاقتي بالأيل قوية؛ أشعر أنهم جزء من عائلتي. عندما أحمل العلف، يأتون إلي دون خوف، لكنهم يخشون الغرباء”. ومع ضحكة صغيرة قال: “اليوم شعروا بالرهبة بسبب وفد الصحفيين، فابتعدوا عن العلف قليلاً”.

يتناوب محمد وزميله على هذه المهمة، بينما يعمل حوالي 15 عاملاً آخر ضمن “الحضيرة الظرفية”، كل منهم 15 يومًا في الشهر، بنصف أجر شهري.

عمال الحضائر الظرفية بمحمية الفايجة

قرون الأيل: كنز بيئي فريد

تضم إدارة الغابات في محمية الفايجة مركزًا صغيرًا لتجميع قرون الأيل الأطلسي، وهو الوحيد من نوعه في شمال إفريقيا. تنمو هذه القرون على ذكور الأيل، وتجدد سنويًا في الربيع، وتغطيها طبقة مخملية ناعمة أثناء النمو. تستخدم الأيائل قرونها للدفاع عن النفس أمام المفترسات وإظهار القوة خلال موسم التزاوج. كما يمكن الاستفادة من هذه القرون في برامج التثمين البيئي، خاصة مع تفرد قرون الأيل البربري الطويلة والمتشابكة، التي تتساقط مرة كل عام، ما يجعلها إرثًا بيئيًا فريدًا للمحمية.

معرض قرون الأيل الأطلسي بمحمية الفايجة

صرخة السكان المحليين: بين الحرائق والفقر

في قلب محمية الفايجة بولاية جندوبة التونسية، حيث تتدفق أودية الشتاء بقوة تغذي الغابات الكثيفة وتزهر الطبيعة في تناغم ساحر، يقاوم حوالي خمسين عائلة تحديات الفقر والعزلة اليومية، محافظين على دور حاسم كحراس أوليين للغابة الشاسعة التي تمتد على نحو ستة آلاف هكتار، خاصة خلال صيف الحرائق المتكرر الذي يهدد هذه البيئة الحساسة بفقدان مساحات خضراء هائلة، كما حدث في صيف 2023 حين أحرقت النيران آلاف الهكتارات في الشمال التونسي، مما يجعل هؤلاء السكان خط الدفاع الأول أمام التهديدات المناخية المتزايدة.

يصف سفيان المجاجري، أحد عمال الحضائر الغابية وأحد أبناء هذه الأرض الأصيلين، في حوار له مع منصة كوسموس ميديا ارتباطه العميق بالمحمية قائلاً: “الفايجة مسقط رأسي وأرض أجدادي، لا أرغب في مغادرتها أبداً، لكننا نعيش في ظروف معيشية قاسية جداً، نعمل نصف الشهر فقط مقابل نصف أجر لا يكفي لتوفير أبسط مقومات الحياة مثل الطعام والدواء والمأوى”. وهو واقع يتردد صداه في صوت حاتم الستيتي أيضاً، أحد سكان المحمية وعائل لستة أفراد في العائلة، يقول حاتم بحسرة: “هنا لا يمكننا غراسة الزيتون أو ممارسة أي أنشطة فلاحية تقليدية بسبب طبيعة الأرض الغابية، أجرتي الضئيلة لا تغطي حتى دواء أمي المريضة أو مستلزمات الدراسة لأطفالي، نحن نعيش خصاصة خانقة تجعل كل يوم نعيشه صراعاً على البقاء”. فيما يدفع غياب الفرص الاقتصادية الحقيقية – سوى القليل من المراعي المحدودة وبيع الحطب الممنوع جزئياً – الشباب إلى الهجرة القسرية نحو مدن مثل غار الدماء أو العاصمة بحثاً عن لقمة عيش، مما يهدد بتفريغ المنطقة من قوّتها الشبابية ويفاقم الشعور بالتهميش.

يكافح الكثير من الأهالي المحليين في محمية الفايجة للتكيف مع هذه الظروف بمبادرات فردية بسيطة، كالخالة نخلة التي تحول مطبخها المتواضع إلى مصدر رزق عبر بيع خبز الملاوي الشهير وزيت القضوم وبعض المنتجات الغابية المحلية الأخرى. تواجه المرأة الستينية عقبات جمة في تسويقها لمنتوجاتها، وفي حوار لها مع منصة كوسموس ميديا قالت الخالة نخلة: “حافلات الرحلات لا تصل إلا نهاية الأسبوع أو في العطل، وعدد كبير من الزوار يأتون محملين بأكلهم وشربهم فلا يشترون منا منتوجاتنا… مطلبي الوحيد ‘براكة’ صغيرة لا يخرجني منها أعوان الغابات لأخبز وأبيع بسلام وأساعد زوجي المتقاعد على مصاريف البيت”. شهادات الأهالي تعكس هشاشة الاقتصاد المحلي الذي يعتمد على تدفق سياحي غير منتظم.

وبالرغم من هذه الصعوبات، تزخر محمية الفايجة بثروة مائية هائلة تجعلها واحة بيئية فريدة، حيث تتحول تساقطات الأمطار وذوبان الثلوج إلى أودية وعيون نقية تغذي النظام البيئي المحلي، وتصب جزئياً في المناطق الرطبة المجاورة للقالة الجزائرية، مساهمة في حماية التنوع الحيوي الغني الذي يشمل مستنقع عين تاش والأيل الأطلسي النادر والطيور المهاجرة، إلا أن هذه المفارقة تصبح أكثر إيلاماً حين يضطر السكان إلى التنقل مسافات طويلة يومياً بحثاً عن مياه شرب صالحة، في غياب شبكات توزيع أو خزانات محلية، رغم وفرة الموارد الطبيعية التي تغذي الحيوانات والنباتات دون الإنسان.

سكان محمية الفايجة

تستقبل محمية الفايجة رحلات منظمة تساهم جزئياً في تدوير عجلة التنمية، لكنها مقيدة بإجراءات إدارية معقدة يشرحها محمد التميمي، مؤسس الشركة الناشئة “تونس كمبرس” في حوار مع منصة كوسموس ميديا قائلاً: “المحمية بمناظرها الطبيعية الخلابة وثرائها الإيكولوجي من أهم وجهات السياحة البيئية في تونس، لكن الزيارة تتطلب ترخيصاً مسبقاً من المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بجندوبة، عبر تقديم مطلب يحتوي قائمة المشاركين وهوياتهم قبل أسبوع على الأقل، وهذا القانون يحتاج مراجعة عاجلة لأننا نروج لهذه الرحلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتونسيون يسجلون في الساعات الأخيرة وليس قبل أسبوع كامل”. ويضيف محمد: “نحن نلتزم بحساسية المنطقة وإجراءات إدارة الغابات، لكن تبسيط الإجراءات سي شجع الشركات على رحلات إضافية، يزيد الزوار، ويخلق ديناميكية اقتصادية تعود بالنفع على السكان المحليين من خلال الإرشاد السياحي وبيع المنتجات التقليدية”.

يبرز هذا الواقع الحاجة الملحة إلى حلول تنموية مستدامة، مثل توسيع السياحة البيئية بمرونة أكبر لدعم بيع المنتجات المحلية وتأجير المساكن الريفية، إلى جانب برامج زراعة حراجية مستدامة تركز على أشجار مثمرة مقاومة للجفاف وأساليب تحمي التربة من الانجراف، مدعومة بتدريب مهني وتمويلات صغيرة من برامج التنمية الفلاحية الجبلية والتأقلم مع التغير المناخي، لتحقيق توازن حقيقي بين حماية الغابة وتحسين حياة سكانها الذين يظلون حجر الزاوية في هذه المعادلة البيئية والإنسانية.

زيت القضوم و العسل و زيوت النبتات العطرية أهم المنتوجات المحلية لمحمية الفايجة

الفايجة.. رحلة بين كنوز الطبيعة وتحديات الإنسان

في قلب الغابات الكثيفة بمحافظة جندوبة، تكمن محمية الفايجة، حاضنة لتنوع بيولوجي نادر وكنوز طبيعية استثنائية. وفق تقارير محلية، تضم هذه المحمية 25 نوعاً من الثدييات، أبرزها الأيل الأطلسي، و70 نوعاً من الطيور المقيمة والمهاجرة، بما فيها “الحريش” و”الكحيلة”، إلى جانب ثلاثة أنواع من طيور “النقار”، و21 نوعاً من الزواحف والبرمائيات.

في اليوم الثاني من الدورة التكوينية، انطلق الصحفيون في رحلة استكشافية بقيادة الباحث في التنوع البيولوجي و المدير للصندوق العالمي للطبيعة مكتب شمال إفريقيا بتونس ، فوزي المعموري. في حديثه مع منصة كوسموس ميديا، أوضح المعموري أن “الأيل الأطلسي، بجماله البني والأبيض المدهش، هو بلا شك أبرز معالم الفايجة، لكنه ليس وحده من يزين هذه الحديقة الوطنية. إذ تعيش فيها أيضاً الخنازير البرية المنتشرة حتى خارج المحمية، وثعلب الأطلس، وحيوان النمس، والزريدة المفترس الشبيه بالقط البري، والدلدل الذي يشبه القنفذ، إلى جانب الأرانب البرية والزواحف المتنوعة من أفاعٍ وثعابين وغيرها.”

ويضيف الباحث البيئي: “المحمية مأوى لأعداد كبيرة من الطيور القارة التي تقيم في الفايجة طوال العام، كما تستقبل نحو 100 نوع من الطيور المهاجرة، بينها نقار الخشب، والصقر، والساف، والنسر. حتى أن وجود النسور دفع سكان المنطقة إلى تسمية إحدى المناطق بـ’كاف النسور’. كما تضم الفايجة خفافيش وسحالي وسلاحف، وعدداً وفيراً من الفراشات الملونة، مع تنوع نباتي غني يشمل الفلين، والزان، والبلوط، والسدر، ما يعزز الفوائد البيئية والغذائية للمكان.”

برج المراقبة في “كاف النقشة” بمحمية الفايجة

لايمكن ان تكتمل زيارة الصحفيين لمحمية الفايجة دون دخول المتحف البيئي الذي يحاكي مجسمات الحيوانات المتواجدة بالمنطقة صوتا وصورة . كما لا يمكنهم تفويت فرصة طلوع «كاف النقشة» وهو عبارة عن سفح جبلي مدرج ينتهي ببرج للمراقبة و يمثل أعلي نقطة بالمنطقة ، يمكن عبره مشاهدة مدينة غار الدماء  واحوازها من فوق كما يمكن كذلك مراقبة الجزء الخلفي من التراب الجزائري الذي لا يبعد عن المنطقة سوي بعض الكيلومترات وهو برج مراقبة تقول الروايات أن الثوار الجزائريين استعملوه لمراقبة تحركات الجيش الفرنسي .

تكشف الفايجة ، في صمت غاباتها وحرارة شهادات أهلها، عن وجهين متناقضين: كنز طبيعي وبيئي من جهة، وهشاشة اجتماعية واقتصادية من جهة أخرى. بين خطوات الصحفيين في المسالك الغابية، وصدى الأيل الأطلسي في فضائه المسيّج، وصرخات السكان الذين يعيشون على هامش التنمية، تتضح حقيقة أساسية: حماية الحديقة الوطنية لا تقتصر على صيانة الأشجار والحيوانات، بل تمتد لتشمل ضمان كرامة البشر الذين يشكلون خط الدفاع الأول عنها.

إن الاستثمار في الفايجة – علماً وسياحةً وتنميةً محلية مستدامة – ليس مجرد رفاهية بيئية، بل رهانا استراتيجياً على مستقبل المنطقة. فهي تمثل رئة خضراء لتونس، وتقدم نموذجاً يمكن من خلاله الجمع بين استغلال خيرات الطبيعة وحماية التنوع البيولوجي في آن واحد.

صور : فتحية خذير

زر الذهاب إلى الأعلى