سليديرمقالات

كيف تأدّبتُ بيئيًا: رحلة في دروب الوعي والمسؤولية…


مبروكة خذير: صحفية مختصة في شؤون البيئة و التنمية المستدامة

 

 

على امتداد سنوات طويلة، وجدتُ نفسي أغوص أكثر فأكثر في عالم البيئة عبر ما انتجه من محتوى؛ أتعلم، أراقب، أطرح الأسئلة، وأحاول أن أزرع بذور الوعي حيثما استطعت.

لم تكن الرحلة سهلة، ولا الطريق معبّدًا، فالبيئة من حولنا كانت – ولا تزال – تستغيث، تنادي بصوت خافت يضيع وسط ضجيج الاستهلاك وتسارع الحياة.

انا ابنة هذه الرأسمالية الجشعة، انا ابنة نظام استهلاكي تربيت عليه واكتسبت سلوكاته السيئة وعاداته التي فرضت علينا لعقود طويلة ولكن عندما بدأت مسيرة الصحافة البيئية بدأ الوعي يتبلور شيئا فشيء و في كل يوم يرفع فيه عني الجهل بمعلومة إضافية يولد لدي سلوك جديد يقربني من الأرض و من هذه الأمانة التي اوصانا بها الله.

الم يقل الحديث النبوي: “إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا”.

 اليس في ذلك حث على العمل الصالح حتى آخر لحظة في الحياة، ومعناه أن المرء يجب أن يستمر في فعل الخير وغرس الأشجار (أو أي عمل نافع) حتى لو كانت القيامة على وشك أن تقوم، فلا ينقطع عن العمل النافع حتى ولو كانت الساعة تقوم، ففيه حث على الإيجابية، وعدم اليأس، والاستمرار في العطاء

ومع الوقت عندما تشبعت بقيم الصحافة البيئية وتدرجت في اكتساب المهارات و تحصيل المعرفة بالطبيعة و دروبها من خلال بوابة منصة كوسموس ميديا، مع الوقت أدركتُ معنى حكمة قديمة طالما رددناها دون أن نتوقف عند عمقها: «إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم». عندها فقط فهمت أن التغيير البيئي لا يبدأ من السياسات الكبرى وحدها، بل من السلوك اليومي، من التفاصيل الصغيرة التي نصنع بها علاقتنا مع الطبيعة. من هنا بدأت رحلتي نحو تأدّبٍ بيئي، رحلة لاكتساب آداب جديدة في العيش، أمارسها وأشاركها، لعلّنا نرسم معًا خريطة أمل في واقع بيئي مثقل بالجراح.

دروس من الماضي: الصينية الفخارية وفضيلة الاقتصاد في الماء

في تلك السنوات، لم أكن أعي دلالة هذا المشهد ولا ألتفت إلى ما يحمله من معانٍ عميقة. كنت أراه أمرًا عاديًا، جزءًا طبيعيًا من حياتنا اليومية. لكن الزمن، وهو يراكم التجارب ويغيّر زاوية النظر، أعادني إلى تلك الصورة بعين مختلفة وأكثر وعيًا. أدركت لاحقًا أن تلك البساطة التي عشناها لم تكن وليدة الحاجة أو الفقر، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن حكمة عيش متجذّرة في علاقتنا بالموارد وبالطبيعة.

غسل صحن واحد كبير، بدل غسل أطباق متعددة، كان يعني توفير كميات هائلة من الماء دون أن نشعر. تقاسم الطعام في وعاء واحد كان يقلّل الهدر، ويعلّمنا الاكتفاء، ويزرع فينا احترام النعمة. كل تفصيلة صغيرة في ذلك المشهد كانت تحمل درسًا غير معلن في الاقتصاد في الاستهلاك، وفي العيش بتناغم مع ما يحيط بنا. كانت «الشقالة» في صمتها مدرسة بيئية حقيقية، وإن لم نسمّها يومًا كذلك.

اليوم، وأنا أستعيد تلك الذاكرة، أجدها تلهمني أسلوب حياة مختلفًا، أكثر وعيًا ومسؤولية. صرت أبحث عن البساطة لا كحنين إلى الماضي فحسب، بل كخيار واعٍ لمستقبل أكثر توازنًا. تعلّمت أن احترام الموارد يبدأ من التفاصيل الصغيرة، من عادات يومية قد تبدو عابرة لكنها تصنع فرقًا حقيقيًا. هكذا تحوّلت ذكرى طفولية إلى بوصلة توجهني نحو حياة أقل استنزافًا وأكثر انسجامًا مع البيئة، حياة تستعيد روح «الشقالة» بمعناها الإنساني والبيئي العميق.

نور الطبيعة: حين يصبح التوفير موقفًا أخلاقيًا

مع نضوج تجربتي واتساع دائرة وعيي، تغيّرت علاقتي بالتفاصيل الصغيرة التي كنت أعدّها يومًا عادية أو بلا أثر. صرت أطفئ الأضواء غير الضرورية بطمأنينة، وأترك للشمس أن تقوم بدورها الطبيعي في الإنارة. ذلك الضوء الذي يتسلل بهدوء عبر النوافذ لا يستهلك طاقة ولا يترك أثرًا كربونيًا، لكنه يملأ المكان دفئًا ويمنح الحياة معناها الأعمق. أصبح حضور الضوء الطبيعي في يومي أشبه بتذكير صامت بأن أبسط الحلول غالبًا هي الأكثر حكمة.

لم أعد أحرص على أن يكون مكتبي غارقًا في الإضاءة المصطنعة، ولا على أن تتوهج المصابيح في كل زاوية. يكفيني ضوء الطبيعة المتغيّر على مدار النهار، وقليل من الإضاءة الخافتة عند الحاجة، لأشعر بالتركيز والانسجام. في هذا التخفف، اكتشفت أن الراحة لا تأتي من الإفراط، بل من التوازن، وأن الاقتصاد في الاستهلاك لا يعني الفقر في الجودة، بل الثراء في المعنى.

لم تعد فاتورة الكهرباء هي الدافع الحقيقي لضبط الاستهلاك، بل الوعي العميق بتأثيرات الوقود الأحفوري على كوكبنا، وبالثمن البيئي الباهظ الذي ندفعه مقابل أنماط حياة غير مسؤولة. صار التوفير بالنسبة إليّ موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون سلوكًا عمليًا، واختيارًا واعيًا يعكس احترامًا لطبيعة أنهكها الاستنزاف ولم تعد تحتمل المزيد من الضغط. هكذا تحوّلت عادة بسيطة، كإطفاء مصباح، إلى تعبير يومي عن التزام أوسع: التزام بالمسؤولية، وبالعيش في انسجام أكبر مع الأرض التي تمنحنا كل شيء دون مقابل.

الملابس والماء: علاقة خفيّة لا يراها إلا الوعي

مع تراكم سنوات العمل والانخراط اليومي في قضايا البيئة، بدأتُ أكتشف ما كان خفيًّا خلف أبسط تفاصيل حياتنا الاستهلاكية. تعلّمتُ، بالأرقام والوقائع، أنّ صناعة قطعة جينز واحدة أو قميصا بسيطا قد تبتلع آلاف اللترات من الماء، من زراعة القطن إلى الصباغة والمعالجة والنقل. عند تلك اللحظة، لم تعد الملابس مجرّد أقمشة وألوان، بل صارت قصصًا من الموارد المستنزفة والأنهار المنهكة.

من هنا تغيّرت علاقتي بالملابس جذريًا. لم أعد ألهث وراء التكديس ولا أجد متعة في خزائن ممتلئة بما لا أحتاجه. تعلّمت أن الاكتفاء ليس حرمانًا، بل وعي، وأن ما أملكه يكفيني ويمنحني شعورًا أعمق بالمسؤولية والانسجام مع ذاتي ومع الطبيعة. صرت أختار أقل، لكن بوعي أكبر، وأرتدي ما أحبه فعلًا وما أحتاجه حقًا.

وتبدّلت نظرتي كذلك إلى ملابس «الفريب» – كما نسمّيها في تونس. لم تعد في نظري مجرّد حل اقتصادي أو بديل اضطراري، بل تحوّلت إلى خيار واعٍ وموقف أخلاقي. اختيار يقلّل من البصمة المائية، ويحدّ من سباق الاستهلاك المفرط، ويمنح الملابس حياة ثانية بدل أن تنتهي نفايات في مكبّات مكتظة. في كل قطعة مستعملة أجد معنى للاستمرارية، ودليلًا على أن التغيير ممكن من خلال قرارات بسيطة.

هكذا أصبحت أحتفي بإعادة الاستخدام وإعادة التدوير، لا كممارسات هامشية أو ثانوية، بل كأفعال بيئية نبيلة، تعبّر عن احترام الموارد، وتعيد التوازن بين الإنسان وما يحيط به. إنها رحلة وعي بدأت من قطعة قماش، لكنها امتدت لتشمل أسلوب حياة كامل، قوامه الاعتدال، والمسؤولية، والإيمان بأن الخيارات الصغيرة قادرة على إحداث أثر كبير.

في تفاصيل الحياة اليومية: من غسل السيارة إلى مائدة الطعام

حتى أبسط تفاصيل حياتي اليومية لم تعد عفوية أو عابرة، بل أصبحت محكومة بوعي بيئي راسخ يوجّه السلوك قبل القرار. ففي غسل السيارة (اذا اتيحت لي فرصة غسيل سيارتي بنفسي)، لم يعد الأمر مجرد عادة روتينية، بل ممارسة محسوبة؛ أحرص على استخدام أقل قدر ممكن من الماء، مدركًة أن كل قطرة لها قيمتها، وأن ترشيد الاستهلاك ليس ترفًا بل مسؤولية أخلاقية تجاه موارد محدودة.

وفي المطبخ، تغيّرت علاقتي بالطعام جذريًا. صرت أُعدّ كميات مدروسة بعناية، تراعي الحاجة الفعلية دون إفراط. لم يعد الفائض مقبولًا، لأن الهدر ليس خسارة مادية فحسب، بل إهدار لجهد الأرض والماء والإنسان. هكذا تحوّل الطهي من فعل يومي بسيط إلى تعبير واعٍ عن احترام النعمة وتقديرها.

أما حديقتي التي أُقصّر في حق العناية بها أحيانا، فقد غدت أكثر من مجرد مساحة خضراء؛ أصبحت نظامًا حيًا متكاملًا، ينبض بالتوازن والاستدامة. فضلات الخضروات والفواكه لا تُرمى بل أردمها وسط التربة، تُجمع أحيانا بعناية لتتحول إلى سماد طبيعي، يعيد للتربة خصوبتها ويغذيها بما سلبناه منها. إنها دورة متناغمة، يتجلى فيها احترام قوانين الطبيعة، حيث لا شيء يضيع، وكل عنصر يعود ليؤدي دورًا جديدًا في استمرار الحياة.

بهذه الممارسات البسيطة في ظاهرها، العميقة في أثرها، أدركت أن الوعي البيئي لا يُقاس بالشعارات الكبرى، بل بتغييرات يومية صغيرة تصنع فرقًا حقيقيًا ومستدامًا.

حكمة الأجداد: حين كانت مياه المطر كنزًا يُحتفى به

خلال رحلتي في الصحافة البيئية، ومع تعمّقي في فهم الحلول القائمة على الطبيعة، بدأت الذاكرة تستعيد صورًا قديمة بدت لي فجأة شديدة الحداثة في معناها. عادت إلى ذهني صورة «الماجل» في بيت والدي، هناك في جزيرة قرقنة، لا كعنصر معماري صامت، بل كرمز حيّ لعلاقة متوازنة بين الإنسان والماء.

في قرقنة، كما في كثير من البيوت التونسية القديمة، لم يكن «الماجل» مجرّد خزان، بل كان قلب البيت النابض. كان أجدادنا يجمعون فيه مياه الأمطار بعناية ووعي، ويكملونه بـ«الفستقية»، في نظام بسيط لكنه بالغ الذكاء، يختزن خيرات الشتاء استعدادًا لأيام الصيف القاحلة. كل قطرة كانت ثمينة، وكل استعمال محسوب، في انسجام تام مع إيقاع الطبيعة وتقلباتها.

لم تكن تلك الممارسات وليدة ترفٍ أو رفاهٍ تقني، بل ثمرة حكمة متراكمة، تشكّلت عبر التجربة والضرورة. في زمن لم يعرف الاستهلاك المفرط ولا هدر الموارد، كان الاقتصاد في الماء سلوكًا يوميًا، واحترام الطبيعة جزءًا من الثقافة والعيش المشترك. كان الإنسان آنذاك يدرك حدوده، ويعرف أن بقاءه مرهون بحسن تدبير ما تمنحه الأرض والسماء.

اليوم، ونحن نبحث عن حلول مبتكرة لأزمات المياه والتغيّر المناخي، نكتشف أن كثيرًا من الإجابات كانت حاضرة في ممارسات أجدادنا. ما أعمق بصيرتهم، وما أشدّ حاجتنا إلى استعادة هذا النوع من الحكمة؛ لا بوصفه حنينًا إلى الماضي، بل كدعوة لإعادة التفكير في علاقتنا بالموارد، والعودة إلى حلول متجذّرة في الطبيعة، قادرة على أن تلهم حاضرنا وتحمي مستقبلنا.

حبّ الحياة بكل أشكالها..

تغيّرت علاقتي بالكائنات من حولي على مهل، ولكن بعمق لا رجعة فيه. لم أعد أراها عابرة أو هامشية، بل الحيوانات شريكا خفيا في هذا الوجود. صرت أرحّب بالحشرات التي تحوم في الفضاء من حولي، لا بوصفها إزعاجًا، بل كدليل على حياةٍ نابضة لا تزال تجد طريقها وسط الضجيج والإسمنت. أصغي لصوت «الفرززو» في قيظ الظهيرة، فأسمعه رسالة صبرٍ وقدرةٍ على التكيّف، موسيقى بسيطة تنبع من قلب الطبيعة لتذكّرنا بأن لكل كائن إيقاعه ودوره.

أشعر بامتنان صادق لوجود القطة التي تتقاسم معي الصمت، والكلب الذي يعلّمني الوفاء، و للنحلة اذا لدغت جلدتي عندما صنعت لنفسها في ركن من باب البيت عشا للتكاثر…وللتنوّع الحيوي كلّه الذي لا يزال يقاوم معنا، رغم القسوة والإهمال. أدركت أن هذا التنوّع ليس ترفًا جماليًا، بل شبكة حياة متداخلة، إذا انقطع خيط منها اختلّ التوازن بأكمله.

هذا الحب للحياة، بكل أشكالها وتجلّياتها، جعلني أكثر حرصًا على حماية بيئتي في تفاصيلها الصغيرة قبل شعاراتها الكبيرة، وأكثر وعيًا بأثر أفعالي اليومية، مهما بدت بسيطة. كما جعلني أكثر تواضعًا أمام تعقيد هذا النظام الطبيعي الدقيق، الذي يعمل بانسجام مذهل دون ضجيج أو ادّعاء. فهمت أن الإنسان ليس سيّد الطبيعة، بل جزءٌ منها، وأن احترامها هو في جوهره احترامٌ لذواتنا ولمستقبلنا المشترك.

تقدير كل نعمة: الماء، الشمس، والتراب

اليوم، لم تعد النِّعم من حولي تفاصيل عابرة، بل صارت جوهر الوعي اليومي. أقدّر كل قطرة ماء كأنها وعد بالحياة، وأتأمل كل شعاع شمس بوصفه طاقة تمنح الدفء والاستمرارية، وألمس التراب بإحساس الامتنان لأنه أصل كل نمو وكل ثمر. أرى في كل سمكة تسبح في البحر توازنًا دقيقًا بين الإنسان والطبيعة، ومسؤولية مشتركة لحماية هذا العالم الصامت الذي يمنحنا الكثير ولا يطلب إلا الاحترام.

أفرح بثمار حديقتي التي تنمو بهدوء و كثيرا ما تصاب بالتلف ، بعيدًا عن المبيدات الكيميائية، كأنها تنضج على إيقاع الأرض نفسها. أقطف الفواكه علي قلتها و صغر حجمها، وأنا أعلم أنها تحمل بصمة نقاء حقيقي، نكهة لم تفسدها العجلة ولا لوّثتها المصالح، بل صاغتها شمس صبورة وتربة حيّة وماء موزون. في تلك اللحظات، أدرك أن الغذاء ليس مجرد استهلاك، بل علاقة أخلاقية مع الأرض.

العودة إلى البساطة: حين تصبح الأدوات موقفًا

أميل اليوم إلى تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تعبّر عن موقف كبير. أحمل حقيبة يد من سعف النخيل، وأستبدل ما تسمح به الضرورة  الأكياس البلاستيكية بـ«القفّة» التي رافقت أجيالًا قبلنا، لا بدافع الحنين فقط، بل إيمانًا بأن ما عاش طويلًا كان أكثر انسجامًا مع الطبيعة. أشرب من كؤوس الفخار والطين، فأشعر أن المادة نفسها تذكّرني بأصل الأشياء وببساطة الحياة قبل أن تُثقلها الوفرة الزائفة.

هذه العودة إلى البساطة ليست تراجعًا، بل تقدّم من نوع آخر؛ تقدّم نحو وعي أعمق واختيارات أهدأ وأكثر مسؤولية. حين تصبح الأدوات موقفًا، يتحوّل الاستهلاك إلى فعل أخلاقي، وتغدو الحياة اليومية مساحة صغيرة لممارسة احترام صريح لكوكبٍ يتّسع لنا جميعًا، شرط أن نحسن الإصغاء إليه.

دعوة إلى الرحمة والوعي

إنّ الدعوة إلى الوعي البيئي لا يمكن أن تقوم على اللوم أو الإدانة، بل على الرحمة والفهم العميق لمسارات تشكّلنا. فعلينا أن نكون رحماء مع من لم يبلغوا هذا الوعي بعد، لأنّ معظمنا نشأ داخل منظوماتٍ كرّست عاداتٍ وممارسات بعيدة عن احترام الطبيعة، ورسّخت فينا منطق الاستهلاك قبل أن تُنمّي فينا حسّ المواطنة والمسؤولية المشتركة. لقد صاغتنا الرأسمالية الحديثة كمستهلكين نُقاس بما نملك، لا كمواطنين نُقاس بمدى وعينا بأثر أفعالنا على محيطنا.

إنّ التغيير الحقيقي لا يحدث دفعة واحدة، ولا يولد من الخطاب وحده، بل يبدأ بشرارة الوعي: لحظة إدراك صادقة بأنّ سلوكياتنا اليومية، مهما بدت بسيطة، تترك أثرًا عميقًا في الأرض والإنسان معًا. ثم يترسّخ هذا الوعي بالممارسة المتواصلة، حين يتحوّل إلى خيارات واعية في الاستهلاك، وإلى احترام للموارد، وإلى سلوكيات تحترم التوازن الهشّ الذي تقوم عليه الحياة. وهو تغيير يحتاج إلى صبر طويل وتعاطف صادق، لأنّ التحوّل ليس سهلًا، ولأنّ التعلّم يستلزم وقتًا ومساحة للخطأ والتصحيح.

وفي كل خطوة أخطوها نحو هذا التأدّب البيئي، أشعر بأنّ علاقتي بالأرض تزداد عمقًا وصدقًا. لم تعد الطبيعة مجرّد خلفية لحياتنا، بل كائن حيّ نتقاسم معه المصير والمسؤولية. أتعلم أن أُصغي أكثر، وأن أستهلك أقل، وأن أقدّر ما كان يُؤخذ سابقًا كأمرٍ مسلّم به. هذا الشعور بالانتماء والاحترام المتبادل يغيّر نظرتي إلى العالم، ويجعلني أكثر تواضعًا أمام عظمة ما يحيط بنا.

لم تنتهِ الرحلة بعد، ولن تنتهي ما دامت الأرض تنبض بالحياة وما دام الإنسان مطالبًا بأن يتعلم كيف يصغي إليها. فأنا أتعلم كل يوم حكمة جديدة، وأكتشف مع كل مقال أكتبه أن المعرفة ليست تراكمًا للمعلومات فحسب، بل مسؤولية أخلاقية تفرض عليّ أن أراجع مواقفي وخياراتي. ومع كل خبير أتحاور معه تتسع زاوية الرؤية، ويتأكد لي أن حماية البيئة ليست شأنًا تقنيًا معزولًا، بل مسألة عدالة بين الإنسان والطبيعة، وبين الحاضر والمستقبل.

ومع كل فلاح ألتقيه، أكتشف أن الحكمة البيئية الحقيقية كثيرًا ما تسكن الممارسة اليومية البسيطة: في احترام إيقاع الأرض، في الاقتصاد في الماء، وفي فهم مواسم الزرع والحصاد بوصفها عقدًا غير مكتوب بين الإنسان وبيئته. هؤلاء الذين يلامسون التراب بأيديهم يدركون بالفطرة ما تؤكده اليوم الدراسات العلمية حول خطورة الاستنزاف، وتداعيات التغير المناخي، وتراجع التنوع البيولوجي.

ومع كل دراسة بيئية أطلع عليها، ومع كل رقم مفزع يكشف حجم الألم الذي تعانيه الطبيعة—من ندرة المياه، إلى تدهور التربة، إلى ارتفاع درجات الحرارة—يتشكل لدي وعي جديد، أكثر عمقًا وأشد إلحاحًا. وعي يذكرني بأنني، رغم ما تعلمته، ما زلت في بداية الطريق، وأن ممارساتي اليومية ما تزال بحاجة إلى تعديل وتصويب، لأن التغيير الحقيقي يبدأ من الذات قبل أن يُطالب به الآخرون.

هذه المراجعات المستمرة ليست جلدًا للذات، بل هي مراكمة واعية للمعرفة بحال الأرض وآلامها، ومحاولة صادقة لفهم موقع الإنسان داخل هذا الاختلال المتنامي. وهي، في جوهرها، امتداد لقيم أصيلة تعلمناها، قيم تحض على التوازن، والاعتدال، وعدم الإسراف، سواء كانت هذه القيم ثقافية متوارثة أو دينية متجذرة في وجدان مجتمعاتنا.

غير أن الإنسان، في اندفاعه نحو نموذج استهلاكي جائر، ابتعد عن هذه القيم، وتحول تدريجيًا إلى ضحية لآلة التحضر غير المنضبطة، تلك التي ضربت في الصميم مبدأ الاستدامة، وحولت التقدم إلى مرادف للاستنزاف. ومن هنا، تصبح إعادة بناء الوعي البيئي ليست خيارًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، تعيد للإنسان إنسانيته، وللأرض حقها في الحياة.

إنها رحلة وعي لا تنتهي، لأنها رحلة إنسانية بامتياز، تتجدّد مع كل جيل ومع كل تحدٍّ جديد. لكنها، رغم طولها، رحلة تستحق أن تُسلك بإصرار وأمل، من أجلنا نحن، ومن أجل أجيال قادمة تستحق أن ترث عالمًا أكثر عدلًا، وأكثر توازنًا، وأكثر رحمة بالإنسان والطبيعة معًا.

زر الذهاب إلى الأعلى