تحقيقاتكوسموس بيانات

الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد: قنبلة موقوتة تهدّد البيئة

أميرة القيزاني – كوسموس ميديا

في السوق الشعبية بمنطقة “الدندان” بولاية منوبة التابعة لتونس الكبرى، يعبق الجو بحيوية التجارة وحركة البيع والشراء، حيث تتعالى أصوات الباعة في عرض بضاعتهم المتنوعة. يتجلى اهتمامهم بالمشترين من خلال وضع الخضر والغلال في أكياس بلاستيكية متنوعة الألوان، وهو ما يعكس تنوع الأضرار التي قد تتسبب فيها هذه الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد.

على الرغم من التحذيرات العديدة، خاصة من طرف المعنيين بالأمر على رأسهم وزارة البيئة، التي أصدرت الأمر الحكومي عدد 32 المؤرخ في 16 جانفي 2020، المتعلق بضبط أنواع الأكياس البلاستيكية التي يُمنع إنتاجها وتوريدها وتوزيعها ومسكها بالسوق الداخلية، والذي ينبغي تطبيقه بشكل صارم. هذه الخطوة لاقت ترحيبا وتأييدا من قبل العديد من المنظمات البيئية، بينما عارضها البعض الآخر.

يتجاذب النقاش بين الساعين إلى حماية مصالحهم المهنية وبين الذين يرحبون بالخطوة الحكومية بهدف الحفاظ على البيئة وصحة الإنسان. وبين هذا وذاك كان ينبغي تطبيق القانون بحزم وعدالة، مع مراعاة المصلحة العليا وهي الحفاظ على الحياة البشرية والكائنات الحية وبيئتهم.

لم تقتصر الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد على الأسواق، بل طالت الأراضي الفلاحية، فهي متناثرة هنا وهناك في كل شبر من هذه الأراضي، الأمر الذي اشتكى منه الفلاح محمد اصيل دوار هيشر-من ولاية منوبة قائلا: “مهمتي لا تقتصر على تسريح قطيع الأغنام أو اقتلاع الأعشاب الطفيلية.. بل تشتتت مجهوداتي لمراقبة القطيع كي لا يتناول الأكياس ويختنق بها، فهو مصدر رزقي”.

ضرر فادح لأجل غير مسمى

لا يختلف اثنان اليوم على أن الوضع البيئي في تونس تدهور بشكل خطير وأصبح هاجسا يوميا ودافعا للنضالات ضد كل الانتهاكات. فبين قلة الموارد ونضوبها، وبين غياب الوعي وقصور نظر صناع القرار. يظهر جليا الارتباط الوثيق بين ما هو اجتماعي وسياسي وبيئي. وهو ما أعلن عنه قسم العدالة البيئية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تقريره السنوي.

وبالعودة على خطر الاكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد على بيئتنا فإن الاكياس الملقاة على الأرض قد تشكل وعاء لتكاثر الجراثيم وتجمع المياه، وهو ما أشار إليه المهندس والخبير البيئي حمدي حشاد في حوار خاص مع كوسموس ميديا.

ويعتبر حشاد أن المسبب الوحيد أو الأكثر تأثيرا لانسداد مجاري الصرف الصحي خاصة في الفيضانات أو إثر هطول الأمطار بكميات كبيرة هي الأكياس البلاستيكية. مستأنسا في ذات السياق بمثال دولة “بنغلاداش” حيث شنت حربا على الأكياس لأن رقعتها الجغرافية صغيرة وذات كثافة سكانية عالية وكثيرة الفيضانات والحل الأنجع هو انهاء التعامل بهذه المادة.

وتمثل الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد عبئا كبيرا على البيئة لأنها غير قابلة للتحلل لذلك فإن الطريقة المثلى للتخلص منها هي عبر حرقها، وهذا الأمر ينتج عنه تصاعد مركبات كيميائية تتشكل على هيئة سحابة سوداء تؤدي إلى تلوث الهواء.

من الأضرار الأخرى لهذا المنتج نذكر تضرر التركيبة الايكولوجية، إذ أن هذه الأكياس تقتل نحو 100 ألف حيوان سنويا، فالكثير من الحيوانات كالحيتان والسلاحف تبتلع هذه الأكياس ظنا منها أنها طعام. سلحفاة البحر مثلا أصبحت مهددة بالانقراض في تونس والعالم بسبب تراكم الأكياس غير القابلة للهضم في معدتها، ما يؤدي إلى نفوقها.

وفق المكلف بالإعلام في وزارة البيئة والشؤون المحلية مهدي العبدلي، فإننا نعثر على 9.5 كيلوغراما يوميا من البلاستيك ملقاة على كل كيلومتر من السواحل وهو رقم مفزع ومخيف وقابل للتضاعف بحدود سنة 2050. هذا ولفت العبدلي في ذات السياق إلى أن التوازن البيئي في تدهور، و “قد حان الوقت لدق ناقوس الخطر”، وفق تعبيره.

https://public.flourish.studio/visualisation/17869559/?fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTAAAR1HFE9gyR9hZpaKnAYN2Xy8schTbYAfiIQYYE2avwGTf-z_khYxwacPQZo_aem_AXWGeuBfTuJjQhuWztF5TQcpqaxLdEr7_sAqs6mMqbj24jts8fVSq__P55J-fM8ZOPEPqYclBRAE4yffQbo1trt7 

النفايات البلاستيكية المنبعثة إلى المحيط في دول المغرب العربي لسنة 2019

يبرز الرسم البياني الكم الهائل والمفزع لكميات البلاستيك المتراكمة في المحيط لبلدان المغرب العربي لسنة 2019، وتحتل تونس المرتبة الرابعة بقيمة 688 كيلو طن، وفي الصدارة نجد الجزائر 5774 طن، تليها المغرب بـ1800 طن.

منع توزيع الاكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد في المخابز التونسية
عقوبات توزيع الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد في المخابز التونسية

نصيب الفرد من النفايات البلاستيكية التي تتم إدارتها بشكل سيئ سنة 2019

ويبين الرسم البياني أعلاه نصيب الفرد من النفايات البلاستيكية التي تتم ادارتها بشكل سيء لسنة 2019. وفي هذا إشارة إلى الكمية التي يسهم في إنتاجها أو توليدها شخص معين نتيجة لسلوكياته أو عاداته الاستهلاكية، والتي يتم التعامل معها بشكل غير فعّال أو غير مستدام، مما يؤدي إلى تراكمها وبالتالي تأثيرها السلبي على البيئة والصحة العامة.

أضرار صحية تطال الإنسان

لا يمكن حصر الأضرار الصحية للأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد التي تم منعها بمقتضى أمر حكومي، حيث تتسبب استعمالات هذه الأكياس في اضطرابات هرمونية في الجسم مثل اضطرابات الغدد الصماء نتيجة لوضع منتجات ذات حرارة عالية كالخبز الساخن أو أي طعام في كيس بلاستيكي. كذلك فإنها تزيد من فرص الإصابة بالتشوهات الخلقية بسبب وجود مواد كيميائية تتفاعل مع الغذاء. في المقابل يستهلك المواطن التونسي أسبوعيا 5 غرامات من البلاستيك عن طريق أكل السمك أو الخبز أو غيره من المنتجات التي توضع في الأكياس أو نتيجة لأكل لحوم حيوانات تقتات من هذه المادة السامة.

وبحسب ما صرح به رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك عمار ضية لكوسموس ميديا “فمهما كان الشكل ومهما كانت الاستعمالات فان البلاستيك مضر بالصحة”، وفق قناعته.

غياب الرقابة وخرق صريح للقانون

رغم المخاطر البيئية والصحية إلا أنه لا يتم التقيد بالقوانين. وهذا ما بينه لقاء لنا مع بائع للخضر والغلال في منطقة “الدندان” من ولاية منوبة يبلغ من العمر 18 سنة يعمل مع والده. يقتني شهاب (اسم مستعار) الاكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد سوداء اللون ليبيع فيها بضاعته، من “السوق السواء”. ويقول “شهاب” غير مهتم بخطورة الأمر: “4 من هنا (يشير بيده الى الاكياس المعلقة) في السوق أرخص من شرائها من الشركة”.

وعند سؤاله ما إن كان يعلم بالأمر الحكومي الذي يمنع تداول الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد، أجاب “شهاب” بـ “نعم”. وأضاف مصرا على رأيه بالقول إن السعر أفضل من شراء الأكياس الورقية أو غيرها.

بالعودة على الأمر الحكومي، ففي 2016 تم الاتفاق بين هيئة الصيادلة وبين المغازات الكبرى بمنع الاكياس البلاستيكية وتعويضها فيما بعد بالأكياس الورقية في الصيدليات. وفي سنة 2020 صدر الامر الحكومي الذي يضبط أنواع الأكياس. لكن بحسب تصريح المكلف بالإعلام في وزارة البيئة فإن سنة 2020، وما رافقها من أزمة “كوفيد” في تونس وجميع أنحاء العالم  تسببت في أزمة اقتصادية، فانتهجت الوزارة تطبيق الأمر الحكومي تدريجيا. والبداية كانت مع المخابز في شهر رمضان.

وتقودنا شهادة بائع الخضر والغلال “شهاب” إلى أن 4.2 مليار من الأكياس البلاستيكية يتم استعمالها يوميا؛ جزء كبير منها يأتي من السوق السوداء وجزء صغير من الصناعة المحلية ومطابق للمواصفات، وهو ما يوضحه الرسم التالي:

معدل استهلاك الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد في تونس قبل قرار المنع
معدل استهلاك الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد في تونس قبل قرار المنع

تتفاقم إشكالية تزايد أعداد الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد، جراء “السوق السوداء” التي ينجر عنها إدخال كميات كبيرة من الأكياس دون موجب قانوني على الحدود، الأمر الذي فسره الخبير حمدي حشاد، بالإضافة إلى غياب الرقابة بحسب المكلف بالإعلام في وزارة البيئة مهدي العبدلي.

لطالما كانت مسألة التخلص من الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد تحديا سلكته وزارة البيئة للحفاظ على البيئة والتنوع البيولوجي. إلا أن غياب الرقابة واكتساح السوق السوداء حالت دون تطبيق الأمر الحكومي لتبقى الأزمة متواصلة إلى أجل غير مسمى.

زر الذهاب إلى الأعلى