تحقيقاتسليدير

الطاقات المتجددة في تونس تحت المجهر: الوجه الخفي غير المستدام!؟

تحقيق ميساء زعيره -كوسموس ميديا

تبدو النواعير الهوائية في منطقة برج الصالحي كرسائل أمل ترسلها الرياح نحو غد مستدام، في أفق عالمي يحمل رايات “الطاقات النظيفة والمتجددة”، إلا أن تلك الرسائل تنقلب إلى صرخات مكتومة حين تصطدم بواقع من الإقصاء والتهميش.  

في هذه القرية الساحلية التي تزخر بتاريخ عريق، لم تنتزع الأرض فحسب، بل سلبت معها قيم العدالة البيئية وكرامة الإنسان، سيما منهم المواطنين من ذوي وذوات الإعاقة السمعية.  

خلف هياكلها المعدنية العملاقة، تواري النواعير الهوائية أضرارا جسيمة تطال الإنسان، الحيوان، والنظم البيئية على حد السواء، وفق تعبير النشطاء في المجتمع المدني. 

يرصد هذا التحقيق متعدد الوسائط، التناقض الحاد بين الشعارات الخضراء البراقة والواقع القاتم لمحطة توليد الكهرباء من طاقة الرياح بمنطقة برج الصالحي، التابعة لمعتمدية الهوارية من ولاية نابل.  

من إنتزاع قسري للملكيات، إلى تجاهل للآثار الصحية والبيئية، مرورا بإنعدام الشفافية، حسب تصريحات المتضررين التي التقطهم عدسة كوسموس ميديا، تتكشف “ممارسات تفضح الوجه الآخر لمشاريع الطاقات المتجددة حين تدار في غياب الرقابة، وخارج إطار التشريعات الوطنية والدولية، ودون إعتبار لحقوق الإنسان أو حاجاته المعيشية، ولا لحق بقية الكائنات الحية في محيط آمن ومتوازن “، هذا ما صرح به الناشط في المجتمع المدني، نعيم الصالحي، في حوار مع منصة كوسموس ميديا

ملف الأراضي: مسار تنفيذ المشروع وإشكاليات التصرف العقاري
ملف الأراضي: مسار تنفيذ المشروع وإشكاليات التصرف العقاري

” منذ سنوات، ونحن نمر بمأساة لا توصف في ظل الإهمال المستمر. بينما تستمر الحكومة في التقاعس عن الإستجابة لمطالبنا المشروعة. لقد فقدنا مؤخرا أحد أحبتنا في المستشفى بعد خضوعها لعملية جراحية في الرأس بسبب تأثيرات التروبينات (النواعير الهوائية)، لكن الأسى لم يكن وحده ما أثقل كاهلنا، بل الإحساس بالخذلان أيضا، فقد قطعوا عنا الكهرباء لمدة 18 يوما متواصلة، متجاهلين المرضى الذين يتنفسون بجهاز الكهرباء “. 

محسن الصالحي

هذه المقولة تلخص ما يحياه محسن الصالحي، رجل في السبعينات من عمره أصيل منطقة برج الصالحي. محسن أمضى سنواته وسط جنته الخضراء التي تحولت إلى مصدر من البأس البادي على ملامح وجهه، كأن الزمن حفر خطوطه على جبينه بوهن السنين. عيناه الزائغتان تسبحان في بحيرة من الألم، وصوته المتكسّر ينضح حرقة، كما لو أن الكلمات تتدفق من جرح لا يندمل.

ملف الأراضي: مسار تنفيذ المشروع واشكاليات التصرف العقاري

منذ أواخر التّسعينات، تعرض القاطنون بمنطقة برج الصالحي لواحدة من أكثر عمليات إنتزاع الأراضي إثارة للجدل، حيث سلبت أراضيهم مقابل مبالغ زهيدة، في إستغلال لواقع الفقر والتّهميش الذي يرزحون تحته، هذا ما يعتقده جلّ المتساكنين ممن إلتقيناهم هناك.  

وتحت ذريعة حماية المنطقة من الإنجراف والفيضانات، تسلّلت إدارة الغابات إلى أراضيهم البعيدة عن المناطق السكنية لتغيير صبغتها القانونية إلى أراض غابية، ما حرم الأهالي من حق التصرف فيها دون ترخيص مسبق من الدولة. وعند إقترابها من المنازل إستطاعت إدارة الغابات تمهيد الطريق للشركة التونسية للكهرباء والغاز لتنفيذ بقية مشروعها على أراضي قرية برج الصالحي، حسبما ورد في تقرير للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.  

هذا الإجراء أشعل نيران غضب المتساكنين، الذين رأوا فيه تعديا صارخا على حقوقهم، فطالبوا باستعادة أراضيهم، والتصدي لما اعتبروه ” ظلما ممنهجا “. 

وحسب تصريحات الأهالي لمنصة كوسموس ميديا، تفاقم الوضع سوءا حين أجبر العديد منهم على توقيع ” عقود إنتفاع مجحفة ” لمدة ثلاثين سنة متواصلة بقيمة مالية زهيدة تناهز أدناها 225 دينارا، وأقصاها 2940 دينار، دون شرح واف لبنودها، ودون إتاحة فرصة فعلية للاعتراض أو حتى الفهم.  

و إعتبر المنتدى في بلاغ صادر عنه أن هذه العقود هي ” عقود إذعان لا تستجيب للحد الأدنى من إحترام حقوق الإنسان ولا تتكافىء فيها حظوظ طرفي العقد. كما أنها أبرمت في سياق سياسي مورست فيه كل أشكال الضغط والترهيب على أصحاب الأراضي واستغلت السلط المحلية والجهوية والمركزية حالة الهشاشة التي يعاني منها أغلب أهالي القرية الذين لم يكن بوسعهم آنذاك الا التسليم والقبول “.

في مقابلة صحفية لمنصة كوسموس ميديا مع ايناس الأبيض، المسؤولة عن قسم العدالة البيئية والمناخية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كشفت أن سوء الأوضاع بمنطقة برج الصالحي تتضاعف عندما لا يمنح الأميّون والأشخاص ذوي/ات الإعاقة السمعية، الحد الأدنى من الشرح أو التوضيح، ليتفاجؤوا لاحقا بواقع مفروض عليهم دون وعي مسبق بالأضرار المترتبة عن تلك العقود. 

نشرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز توضيحا على موقعها الرسمي بالفيسبوك في الثالث من شهر فيفري 2021، ردت فيه على تشكيات أهالي منطقة برج الصالحي بخصوص تأثيرات محطة إنتاج الكهرباء في ” سيدي داود ” إلى جانب الإتهامات الموجهة إليها بممارسة ضغوط على السكان والتلاعب بعقود كراء الأراضي. موضحة أن جميع العقود أبرمت وفق الاجراءات القانونية وبتواجد ممثلين عن السلط المحلية. مؤكدة عدم تقديمها لأي وعود تتعلق بمجانية إستهلاك الكهرباء أو أولوية التشغيل لأبناء الجهة، باعتبارها ” مؤسسة عمومية تخضع لمبدأ المساواة في التعامل مع الحرفاء واحترام القوانين المنظمة للانتدابات “. 

فردّ في خانة التعليقات، الناشط البيئي وأصيل منطقة برج الصالحي، عمر الصالحي، مبينا أن المحطة ليست مركزة في ” سيدي داود ” كما تدعي الشركة بل في عمق أراضي برج الصالحي، وهو ما تؤكده خرائط الملكية العقارية التي كشفها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأوضح أن المنازل المبنية في المنطقة متواجدة منذ مئات السنين. مؤكدا أن ” المتضررين سيجتهدون في إطار القانون للنفاذ إلى المعلومة وفتح ملف المشروع، للكشف عن أوجه التلاعب بقيمة الكراء. إذ تبين أن المساحات المتماثلة قيّمت بأسعار مختلفة وفقا للنفوذ، لاسيما في الجزء الأول من تركيز النواعير والذي شمل 32 مروحة “.  

مشيرا بالقول إلى أنهم يودّون أن ” يعلم الرأي العام، خصوصا أهالي منطقة برج الصالحي، من هم المستفيدون من التعويضات. علما بأن لديهم ” معطيات تفيد بتمتع أحد رجال الأعمال بمبلغ مالي ضخم رغم عدم امتلاكه لأي شبر من أراضي القرية “.  

التصادم بين الالتزامات المعلنة والتطبيق الفعلي لها ..

تفيد تحريات المجتمع المدني والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن أهالي قرية برج الصالحي يعانون من تهميش تنموي حاد، وأن الشركة التونسية للكهرباء والغاز وعدتهم بتوفير فرص شغل، إلى جانب توفير الكهرباء مجانا. غير أنها تنصلت من التزاماتها، وفق تقديراتهم، متجاهلة ما يفرضه عليها قانون المسؤولية الاجتماعية عدد 35 لسنة 2018، فلم تنفذ مشاريع تنموية، وحتى التيار الكهربائي المتاح نسبيا، بالكاد يكفي لسد الحاجيات اليومية، مما يجعل من إقامة الأهالي لمشاريع صغيرة، حلما بعيد المنال. 

تنص الأسس الرئيسية لمعيار “الآيزو 26000” للمسؤولية الاجتماعية على ضرورة إحترام المؤسسات لحقوق الإنسان، التحلي بالمسؤولية والتّصرف الأخلاقي والشفافية. إضافة إلى الالتزام بقواعد السلوك الدولية واللوائح القانونية، و إحترام توقّعات أصحاب المصلحة. 

وفي هذا السياق، يؤكد مايك لو، مدير المعهد البريطاني للمواصفات والمعايير، أن ” هذا المعيار سيعمل على تمكين الشركات من الجمع بين الممارسات المثلى الخاصة بإنجاز الأعمال والتعاطي مع العملاء والجيران بعدل وبطريقة أخلاقية، بالإضافة إلى أفضل الممارسات المتعلقة بالموارد الطبيعية والمناخية “. 

أكد قسم العدالة البيئية والمناخية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن مشروع الانتقال الطاقي وتوليد الكهرباء من طاقة الرياح بمنطقة برج الصالحي، أطلق دون الالتزام بإعداد دراسة المؤثرات على المحيط، رغم أن ذلك يعد شرطا قانونيا أساسيا وفقا للأمر عدد 362 لسنة 1991 المؤرخ في 13 مارس 1991. ولم تنجز هذه الدراسة إلا سنة 2020. 

أشارت هذه الدراسة صراحة إلى وجوب ترك مسافة 400 متر على الأقل بين النواعير الهوائية والمساكن. غير أن الواقع الميداني في منطقة برج الصالحي يشير بانتهاك لهذه القاعدة: ففي بعض المواقع لا تتجاوز المسافة 200 متر، وتصل في بعضها الآخر إلى 40 مترا فقط، رغم توصيات المعايير الدولية بإنشاء حزام أمان بحد أدنى لا يقل عن 500 متر.  

وأوضح المختص في الصحة السمعية، علي لطفي الزكري، في مقابلة مع منصة كوسموس ميديا، أن مستويات الصوت الناتجة عن المروحيات تختلف وفقا للمسافة وسرعة الرياح وبنية النواعير الهوائية والبيئة المحيطة. فيتراوح مستوى الصوت بين 45 إلى 55 ديسيبل (وحدة قيس الضجيج) عند مسافة 100 متر، وهو ما يعادل الأصوات الناجمة عن محادثة طبيعية أو ضوضاء خفيفة في مكتب يتسم بالهدوء. ويصل المستوى إلى 45 ديسيبل عند مسافة 500 متر، الذي يشابه الصوت في منطقة سكنية هادئة.  

إذ ينجم عن قرب المسافات، تعرض الأهالي لمستويات ضوضاء تتخطى 55 ديسيبل، مقدّما بذلك على التوصيات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية في المبادئ التوجيهية عند انشاء النواعير الهوائية بأن لا يتجاوز 45 ديسيبل. 

و يُعتبر التّلوث الضوضائي وفقا لما صدر في تقرير “آفاق 2022″ عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أنه ” عندما تكون الأصوات غير مرغوبا فيها تتحول إلى ضوضاء. وعندما تكون الضوضاء صاخبة ومستمرة لفترة طويلة تصبح تلوثا ضوضائيا “. 

أعلنت وزارة التشغيل والتكوين المهني في 19 سبتمبر 2024 عن إلغاء شرط دراسة المؤثرات على المحيط وكراس الشروط للحصول على شهادة التصريح بالاستثمار. 

وردّا على هذا البلاغ، اعتبر قسم العدالة البيئية والمناخية للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية،ان هناك تناقض واضح مع الجهود المبذولة لتقليل التلوث وحماية البيئة، في وقت تسعى فيه العديد من الدول إلى تقليص الانبعاثات الكربونية. مبينا أن هذا الاجراء يعكس سياسة غير منسقة مع الهياكل البيئية والمهنية ويضر بالحقوق البيئية للمواطنين. داعيا إلى التراجع عن هذا القرار لتكريس الحق في بيئة سليمة من خلال إطار قانوني موحّد يضمن المسؤولية الإجتماعية للمؤسسات عدد 35 لسنة 2018. كما أبرز في ذات الرد، أن الإخلال بإجراء الدراسات البيئيّة اللازمة يتعارض مع الإلتزامات الدولية الرامية إلى الحفاظ على البيئة والتنوع البيولوجي.  

تعثّر تقني يعمق فجوة الثقة بين المتساكنين والشركة التونسية للكهرباء والغاز..

في الجانب التقني من المشروع، أنجزت محطة توليد الكهرباء من الطاقة الهوائية في إطار شراكة بين الشركة التونسية للكهرباء والغاز، والشركة الاسبانية “Made/Games” التي تولت في البداية تركيب وتشغيل النواعير وتكوين الإطارات الفنية التونسية. لكن بعد مغادرة الشركة الاسبانية سنة 2008، انتقلت إدارة المشروع إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز، التي واجهت تحديات جمة في الصيانة والتشغيل.  

هذه التحديات تجلت في مظاهر تقصير، شملت الإخلال ببروتوكول التشغيل الأساسية، وبطء الاستجابة في إصلاح الأعطال، مما تسبب في حوادث تقنية متكررة، ما فاقم من تعقيد العلاقة بين الشركة وسكان برج الصالحي. وتتزامن هذه الاخلالات مع تواتر حدوث سقوط للمروحيات، وهو ما عمق مخاوف أهالي المنطقة من مخاطر إنسانية وبيئية. فرغم المحاولات المتكررة التي بذلها السكان لإيصال أصواتهم، لم تقابل مطالبهم سوى بالصمت أو بعبارات مطمئنة سرعان ما تبين أنها وعود زائفة بلا تنفيذ فعلي، وفق تعبير النشطاء في المجتمع المدني لمنصة كوسموس ميديا

صراع على العدّادات والتعويضات وسط مخاوف من التأثيرات الصحية والبيئية للمشروع

في منطقة برج الصالحي من ولاية نابل، يعيش السكان تحت وطأة انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، باتت تشلّ حياتهم اليومية وتعرقل أبسط احتياجاتهم.  

كشف الأهالي لمنصة كوسموس ميديا، أنهم يعيشون في عزلة قسرية، محرومين من أبسط مقومات الحياة نظرا لانقطاع التيار الكهربائي لمدة ثمانية عشر يوما متواصلة. علما وأنه لازال ينقطع إلى الآن، بما أنهم رافضين تسديد مستحقات شركة الكهرباء إلى حين مراجعة عقود استغلال أراضيهم والتحقق من المخاطر الصحية والبيئية المرتبطة بحقل إنتاج الطاقة الكهربائية. 

تفاقم الأزمة لا يقتصر على الانقطاعات فحسب، بل يمتد ليشمل المنازل الجديدة التي تبنى حديثا، إذ يمنع أصحابها من إدخال عدادات كهرباء منزلية، ما يجبرهم على اللجوء إلى حلول بديلة وغير مستقرة، وفق تصريح نعيم الصالحي لمنصة كوسموس ميديا

سمير الصالحي، واحد من بين النشطاء في هذا الملف، يناضل منذ سنوات من أجل واقع أفضل، ولم تثنه قسوة الظروف عن الطموح بالتغيير، رغم أنه في البداية بدا كمن فقد الأمل تماما، عندما التقت به منصة كوسموس ميديا.  

يملك سمير قطيعا صغيرا من الأبقار، يطمح بأن يوسع نشاطه في هذا المجال، غير أن نسبة الكهرباء التي تتيحها الشركة التونسية للكهرباء والغاز لا تفي بالغرض، حسبما أفاد به.  

تعتبر المسؤولة عن قسم العدالة البيئية والمناخية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ايناس الأبيض، في تصريح لمنصة كوسموس ميديا، أن مشروع محطة الرياح بقرية برج الصالحي، مخالفا للقانون من جميع نواحيه الفنية، خاصة من حيث موقعه وتأثيراته المباشرة على البيئة والسكان. مبينة أن الضجيج المتولّد عن المروحيات يسبب مخاطر عدة ويؤثر على الصحة النفسية، إلى جانب تضرر النشاط الفلاحي، لا سيما زراعة الزيتون، نظرا لغرس النواعير الهوائية في مجاري الأودية. 

واحتجاجا على هذه الانتهاكات، أوضحت محدثتنا، أن الأهالي امتنعوا عن تسديد فواتير الكهرباء منذ سنوات، ما أدى إلى فرض “عقاب جماعي” من طرف الشركة التونسية للكهرباء والغاز، التي تقطع من حين إلى اخر التيار الكهربائي، وترفض ربط عدادات في المنازل المبنية حديثا، رغم توفر التراخيص البلدية. مشيرة إلى أنه على الرغم من توصل المنتدى إلى محضر اتفاق مع الإدارة العامة للشركة في مارس 2021، والتي تنص على التزامها بتطوير البنية التحتية، وتشييد دار ثقافة، ورفع المروحيات القريبة من المناطق العمرانية، إلا أن الاتفاق لم يُفعّل بعد. كما كشفت أن المنتدى عمل على إيجاد آلية توجب بمقتضاه اسقاط المديونية الكبيرة المتراكمة على أهالي برج الصالحي. 

واقع الأشخاص ذوي/ات الإعاقة في محيط المشروع: مدى التمكين والإدماج

وفقا لشهادات الأهالي، استغلت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إعاقة بعضهم بدعوى أنهم صم لا يمكنهم سماع الضجيج الناتج عن النواعير الهوائية وهو ما يتنافى مع النصوص القانونية المحلية والدولية التي صادقت عليها الدولة التونسية لحماية حقوق الأشخاص ذوي/ات الإعاقة، بما في ذلك حقوق الصم. 

ينص الفصل الأول من القانون التوجيهي عدد 83 لسنة 2005 مؤرخ في 15 أوت 2005 يتعلق بالنهوض بالأشخاص ذوي/ات الإعاقة وحمايتهم على مبدأ عدم التمييز، ويؤكد على ضرورة ضمان تكافؤ الفرص بين الأشخاص ذوي الإعاقة وغيرهم، مما يعني أن أي مشروع تنموي يجب أن يراعي حقوق هذه الفئة وألا يؤدي إلى إقصائهم أو تعريضهم لمخاطر تؤثر على نسق حياتهم اليومية. 

وفي هذا السياق، صادقت تونس على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بمقتضى القانون عدد 4 لسنة 2008 المؤرخ في 11 فيفري 2008، وتم نشرها في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية بمقتضى الأمر عدد 1754 لسنة 2008 المؤرخ في 22 أفريل 2008. ويعكس هذا الإجراء التزام الدولة التونسية بحماية حقوق وكرامة الأشخاص ذوي/ات الإعاقة وتعزيز اندماجهم في المجتمع. 

إضافة إلى ذلك، تنص المادة 16 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على التزام الدول الأطراف بحماية هذه الفئة من جميع أشكال الاستغلال والعنف والاعتداء، سواء داخل منازلهم أو في الأماكن العامة، مع مراعاة الفروق الجنسية والعمرية. وتلزم الدول باتخاذ تدابير وقائية، تشمل تقديم الدعم للأشخاص ذوي/ات الإعاقة وأسرهم، إضافة إلى نشر التوعية والتثقيف حول كيفية التعرف على حالات الإستغلال والإبلاغ عنها. كما تضمن المادة وجود جهات مستقلة لمراقبة المرافق والبرامج المخصصة لهم لمنع أي انتهاكات. وعند تعرض الأشخاص ذوي/ات الإعاقة للعنف، يجب توفير إعادة تأهيل وإدماج شامل في بيئة تحترم كرامتهم و إستقلالهم.  

وتحث على تطوير سياسات وتشريعات فعالة، خاصة لحماية النساء والأطفال ذوي وذوات الإعاقة، لضمان التحقق من حالات الانتهاك والمساءلة القانونية.  

وتُؤكد المادة 17 من ذات الاتفاقية على ضرورة احترام السلامة الشخصية والعقلية على قدم المساواة مع الآخرين للأشخاص ذوي/ات الإعاقة، مما يستوجب توفير ضمانات قانونية وإدارية تكفل هذا الحق دون تمييز. 

وفي هذا الصدد، تنص المادة 21 من اتفاقية الأشخاص ذوي الإعاقة على ضرورة اتخاذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لضمان تمتعهم بحقهم في حرية التعبير والرأي، والتي تشمل ” الحق في طلب معلومات وأفكار، وتلقيها، والإفصاح عنها، على قدم المساواة مع الآخرين، وعن طريق جميع وسائل الاتصال التي يختارونها بأنفسهم “. فتضم هذه التدابير توفير المعلومات العامة بتقنيات تتوافق مع مختلف الإعاقات دون تكلفة إضافية، تسهيل إستخدام لغة الإشارة والطرق البديلة للتواصل في التعاملات الرسمية، إلى جانب ” حث الكيانات التي تقدم خدمات إلى عامة الناس، بما في ذلك عن طريق شبكة الإنترنت، على تقديم معلومات وخدمات للأشخاص ذوي الإعاقة بأشكال سهلة المنال والاستعمال “، والاعتراف الرسمي بلغات الإشارة وتشجيع تبنيها في العملية التواصلية.  

كما صادقت الحكومة التونسية على القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016 المؤرخ في 24 مارس 2016، الذي يحدد صيغ ممارسة هذا الحق من خلال تمكين المواطنين من الحصول على الوثائق العمومية، سواء عبر المواقع الرسمية أو بطلب مباشر وبالمجان أو بمقابل رمزي عند الضرورة. وقد استثنى القانون بعض أنواع المعلومات التي قد تمسّ بالحياة الخاصة، أو الأمن العام، أو العلاقات الدولية. 

إنّ ضمان الوصول إلى المعلومة والحق في التعبير عن الرأي من خلال وسائل اتصال تراعي مختلف الإعاقات ليست فقط التزاما قانونيا، ولكنه منطلقا أساسيا نحو تمكين الأشخاص ذوي/ات الإعاقة من ممارسة مواطنتهم كاملة، وتأكيدا على أنّ التنوع في القدرات هو عنصر لا غنى عنه في النسيج الإنساني للمجتمع. 

و هذا ما أكده عنه الناشط في المجتمع المدني نعيم الصالحي، لمنصة كوسموس ميديا،في سياق حديثه عن مشروع محطة توليد الكهرباء من الرياح بمنطقة برج الصالحي، معبّرا عن رفضه الشديد لما اعتبره ” تهديدا لخصوصية المكان وسلامة سكانه “.

في إطار الإعداد لهذا التحقيق، تواصلنا مع مدير الرقابة البيئية للمنتجات بالوكالة الوطنية لتقييم المخاطر، محمد وسيم الهاني، للإستفسار عن مستجدات موقف وزارة الصحة بخصوص ملف برج الصالحي والضجيج الناجم عن النواعير الهوائية، فأفاد أن المعطيات التي قدمها خلال حضوره ضيفا في الحلقة الحادية عشر، من برنامج “كوسموس البيئي” في فقرة “Cosmos le débat” بتاريخ 14 جوان 2023، وبعنوان “التلوّث السمعي في تونس.. أسبابه وآثاره”، ما تزال سارية ولم يطرأ عليها تحيينات جديدة.  وخلال الحلقة، كشف أن وزارة الصحة تولت متابعة الملف، فقامت بعدة زيارات ميدانية لقياس مستويات الضجيج. كما اعتبر أن قرب الهوائيات من المنازل يمثل وضعا” غير عادي” يستوجب المراجعة وإيجاد حلول توازن بين مصلحة المشروع وضمان سلامة السكان.

علاوة على ذلك، أوضح الآثار الخطيرة الناجمة عن التلوث الضوضائي، مشيرا إلى تداعياته الصحية المباشرة على السمع والقلب والشرايين، فضلا عن تأثيراته النفسية، الاجتماعية، والاقتصادية. مؤكدا أن التصدي للتلوث الضوضائي يتطلب تدعيم الإطار القانوني والترتيبي، من خلال إصدار مجلة البيئة وتحديث الأوامر الترتيبية التي تضبط الحدود القصوى لمستويات التعرض للضجيج.  

وأوصى الهاني بضرورة إعداد خرائط للتلوث الصوتي، على غرار ما هو معمول به في الدول المتقدمة، إلى جانب تعزيز أنشطة الرقابة المحلية على المستويين البلدي والجهوي، ودعم المساحات الخضراء كحلول إضافية للحد من الضوضاء. 

نظمت الوكالة الوطنية لتقييم المخاطر، يومي 6 و7 ماي 2025، ملتقى وطنيا تحت شعار ” رد بالك على سمعك باش تتمتع بيه طول عمرك “، تناول التأثيرات الصحية المتزايدة للتعرض للضجيج. 

وقد أبرزت وزارة الصحة، في بلاغ تحسيسي بعنوان ” احمي سمعك قبل ما تندم… الصوت العالي ما يرحمش ” أن 45% من التونسيين غير واعون بمخاطر الضجيج على الصحة، رغم ما يسببه من إرهاق للقلب، ارتفاع ضغط الدم، اضطرابات نفسية، وضعف في السمع. وتتفاقم خطورته على الأطفال، نظرا لتأثيراته على قدرات النطق، والتحصيل الدراسي.  

وشهد الملتقى تنظيم ورشات عمل وحلقات نقاش تطرقت إلى ضرورة تطوير إطار قانوني وهيكلة نص ترتيبي لمقاومة الضجيج في المحيط الخارجي. إلى جانب اقتراح إجراءات عملية للنهوض بصحة الأذن والتقصي المبكر لنقص السمع. 

التأثيرات الصحية للنواعير الهوائية على الإنسان..

عند بحثنا في الآثار السلبية المحتملة للمروحيات الهوائية والضجيج الناجم عنها، وجدنا أنها تطلق ذبذبات تحت صوتية قد تؤثر في الأشخاص الصم، وفي غيرهم على حد السواء. كما يمكن أن يصل هذا التأثير إلى الحيوان، النبات، والنظم البيئية.

الجديد في هذا الملف ليس فقط التأثيرات المرئية والسمعية، بل ما كشفه علي لطفي الزكري، المختص في الصحة السمعية، في تصريحاته لمنصة كوسموس ميديا.  

يؤكد الزكري أن المراوح الهوائية تُنصب على أبعاد متفاوتة ومنها ما ينصب على بعد 20 مترا، في بيئة عمرانية قريبة من السكان. هذا القرب لا يعني فقط ضجيجا قابلا للسمع، بل انبعاث لموجات تحت صوتية غير قابلة للإدراك السمعي، ومع ذلك تخلق اهتزازات جسدية تستشعرها الأعضاء الداخلية عن طريق ما يسمى ” الرنين الجسدي “. مبرزا أن ظاهرة ” التفجير الفقاعي ” (La Cavitation) وهي عملية تولّد حرارة شديدة في السوائل الجسدية والتي تؤثر بطريقة مماثلة لتسخين الميكروويف، تؤدي إلى تلف الخلايا ونخر الأنسجة على المدى الطويل، وهو ما يتسبب تدريجيا في فقدان السمع.  

ولا تنحصر الأضرار عند الأذنين فحسب، بل تتعداه إلى حصول اختلال في الإيقاع البيولوجي لكافة الجسم، مما يتسبب في الأرق واضطرابات النوم، ومنها انقطاع النفس الليلي. مشيرا إلى أن هذه الظاهرة تنعكس سلبا على بقية الكائنات الحية مثلما تضر الإنسان تماما، مما يهدد التنوع البيولوجي لكوكبنا. 

وبيّن محدثنا أن هذه التغيرات تولّد مضاعفات صحية خطيرة مثل ارتفاع ضغط الدم، واضطراب نبضات القلب. كما تزيد من افراز هرمون “الكورتيزون” المعروف بهرمون التوتر. 

وأشار الزكري، إلى أن غياب وسائل وأساليب التواصل المناسبة للأشخاص الصم كمترجمين لغة الإشارة في قرية برج الصالحي لشرح المخاطر أو تقديم سبل الوقاية، يجعلهم أكثر عرضة للخطر من غيرهم، خاصة في ظل تهميش لغة الإشارة التونسية وعدم الاعتراف بها رسميا في شتى المجالات كالصحة الجسدية، النفسية والبيئة.  

" رغم أن آذاننا لا تسمعها، إلا أن أجسادنا لا تسلم من أثرها، إنها الموجات تحت الصوتية (Les Infrasons) ". - علي لطفي الزكري، المختص في الصحة السمعية

روى سمير الصالحي، أحد المتضررين من النواعير الهوائية ببرج الصالحي لمنصة كوسموس ميديا، كيف تحولت لياليه الى كوابيس من الأرق بفعل الضجيج المزعج التي تحدثه.
مبينا أن هذه الأعراض ليست حالات فردية، بل تتضاعف في ظل انبعاثات سامة من المروحيات الهوائية، ما يفاقم من احتمالية الإصابة بأمراض قاتلة كالسرطان المنتشر بين أهالي هذه القرية.
وأوضح محدثنا أن التدهور الصحي لا يقف عند هذا الحد، بل يمتد ليزرع المشاحنات داخل البيوت، وكأن المشاكل الزوجية والعائلية باتت أمرا عاديا، لا مفر منه.

عبّرا المناضلان نعيم الصالحي وسمير الصالحي لمنصة كوسموس ميديا، عن مخاوفهما من تصاعد انعكاسات مزرعة الرياح بهذه المنطقة على الأجيال القادمة.

التأثيرات المحتملة للمروحيات الهوائية على الحيوانات..

أشار نعيم الصالحي في تصريحه لمنصة كوسموس ميديا، إلى أن الانعكاسات الخطيرة لمشروع توليد الطاقة الكهربائية من الرياح بقرية برج الصالحي، أدت إلى وفاة عديد الحيوانات في المنطقة، كما لاحظوا اضطرابات في سلوكهم.  

وأوضح أن المروحيات الهوائية ساهمت في تفاقم سقوط الصواعق في القرية، بعدما كانت نادرة الحدوث، قبل انشاء مزرعة الرياح. مشددا على رفضه لمشاريع الطاقات المتجددة طالما أنها تنفذ في إطار يتجاهل المعايير الدولية للسلامة. 

في إطار حديثه عن تأثيرات مزارع طاقة الرياح، يعتبر الناشط البيئي، عمر الصالحي، في مقابلة مع منصة كوسموس ميديا، أن ما يحدث في قرية برج الصالحي هو ” جريمة بيئية ” نظرا لما تخلفه الذبذبات الناتجة عن المروحيات الهوائية من أضرار على الطيور والأسماك والحياة البرية.

الأضرار البيئية للمشروع..

كشف المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية أن تركيز المروحيات الهوائية في بعض مناطق قرية برج الصالحي، أدى إلى تغييرات بيئية وفلاحية تتجلى في انجرافات حادة للتربة وتدهور خصوبتها، نظرا لتركيب النواعير تم دون مراعاة مسار الأودية والتضاريس.  

وفي الحقول، تعاني أشجار الزيتون من تشبع مستمر بالمياه، فتظهر على جذوعها وأغصانها علامات الفطريات والتعفن بفعل الركود الطويل. 

أما بقايا زيوت التشحيم الناتجة عن أعطال المعدات ظلت دون جمع أو إعادة تدوير، ما دفع أحد الفلاحين الى رفع دعوى قضائية ضد الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وتحصل خلالها على تعويضات عن الأضرار التي لحقت أرضه.

تأثيرات الضجيج على النبات ..

تبين الدراسات الحديثة أن التلوث الضوضائي يمتد تأثيره إلى النباتات على الرغم من أنها تفتقر إلى جهاز سمعي، إلا أن الضوضاء العالية وخاصة المستمرة منها، يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات في بيئتها الحيوية، مثل نفور الملقحات الطبيعية كالنحل والطيور، مما يقلل من فعالية التلقيح ويؤثر على معدلات الإنبات.  

كما أظهرت بعض الدراسات التجريبية أن التعرض لترددات صوتية مرتفعة يضر بالنمو الفسيولوجي للنباتات عبر التأثير على نشاط الجذور والانزيمات، أو من خلال اهتزازات ناتجة عن الموجات تحت الصوتية التي تؤثر في التربة والبنية الخلوية للنبات.  

وقد كشفت بعض الأبحاث المنشورة في دوريات علمية أن العلاقة بين الضوضاء والنمو النباتي تستوجب اهتماما علميا أوسع، لما لها من تبعات على التنوع البيولوجي والايكولوجي. 

المفارقة العجيبة بين الطاقة النظيفة للرياح وما ينجر عنها من تلوث..

تعتبر الطاقات المتجددة أو ما يطلق عليه أيضا اسم “الطاقات النظيفة”، طاقات مستمدة من مصادر طبيعية مثل الرياح والشمس، تتجدد بسرعة تفوق استهلاكها، ما يخول لها أن تكون خيارا مستداما يحافظ على البيئة من الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية، مقارنة بالوقود الأحفوري الذي يتسبب في انبعاثات قاتلة ويحتاج لملايين السنين ليتكوّن، وفقا لمنظمة الأمم المتحدة، قسم العمل المناخي.

وفي هذا السياق، تراهن البلاد التونسية على الطاقات المتجددة كأبرز محاور استراتيجياتها الوطنية في إطار سعيها للانتقال الطاقي. وسنّت الدولة قانون عدد 12 لسنة 2015 لتنظيم استهلاك الكهرباء من مصادر طبيعية متجددة، تلاه في 13 جويلية 2016 اعتماد المخطط الشمسي التونسي والذي سعى إلى رفع حصة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء من 3 عام 2016 إلى 12 في 2020، ثم إلى 30 بحلول سنة 2030. إضافة الى إقرار الحكومة استراتيجيات وطنية شاملة لتوسيع توظيف الطاقات المتجددة في مختلف المجالات الاقتصادية، وترشيد استهلاك الطاقة. 

وفي المقابل، تكشف جمعية بوصلة أن اعتماد تونس على الطاقات المتجددة لمعالجة الأزمة الاقتصادية عبر جذب الاستثمار، يكرس لاستمرار استغلال الأراضي وخاصة في المناطق الداخلية، مما يعمق الفجوة بين السلطة والجهات التي يمارس عليها القهر دون فوائد تنموية أو بيئية حقيقية. 

داعين في هذا الإطار، إلى ضرورة مراجعة المشاريع والاتفاقيات الغير شفافة التي تغطى بشعارات التعاون الاقتصادي والانتقال الطاقي، ولكنها تجسد على أرض الواقع، الرغبة الأوروبية في تنويع مصادر الطاقة على حساب المصالح التونسية، والتي تضمن انتقالا طاقيا غير عادلا. 

بينت ايناس الأبيض، المسؤولة عن قسم العدالة البيئية والمناخية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لمنصة كوسموس ميديا، أنه من الضروري أن تكون مشاريع الطاقات المتجددة مستدامة في كل أبعادها، ولا تنتج على حساب الأضرار بالمواطنين وغيرها من الكائنات الحية.  

وأبرزت الأبيض، أن منطقة برج الصالحي تعد من أكثر المناطق الغنية بالرياح في البلاد التونسية، ما يجعلها موقعا استراتيجيا لإقامة مشاريع من هذا النمط. 

وتساءلت مستنكرة :” هل تنفذ هذه المشاريع في إطار مستدام فعلا؟ إن لم تكن كذلك، فلن تحقق أهدافها الحقيقية. فهذه الطاقة رغم كونها نظيفة، لا يمكن أن تعتبر مفيدة للمنظومة البيولوجية إذا أخلّت بعنصر من عناصرها، فالطيور المهاجرة، الفلاحة، وسائر عناصر البيئية المحلّية كلها تتأثر من هذه النواعير الهوائية، مما يجعل من الصعب الحديث عن طاقة نظيفة بالمعنى الحقيقي للكلمة”.   

يعبّر الناشط في المجتمع المدني، نعيم الصالحي، في حوار له مع منصة كوسموس ميديا، بنبرة يملأها التوتر والاستياء، عن معضلة تبدو في ظاهرها بسيطة: إنها الموازنة الصعبة بين الطاقات النظيفة وبين انعكاساتها على منطقة برج الصالحي. معتبرا أن الطاقات المتجددة مثل الرياح والمياه، من الحلول النظيفة والمحبذة، غير قبولها يظل مشروطا باحترامها لحقوق الانسان والبيئة المحيطة به. كما بيّن أن المناطق المحاذية للمروحيات، تشكو من تدهور في التربة التي فقدت قدرتها على الإنتاج الزراعي، وذلك يعود إلى تسرّب زيوت من محركات المروحيات نظرا لنقص الصيانة، مما يزيد من خطورة الأثر البيئي لهذه المشاريع. 

في مشهد متناقض، يمزج بين سحر طبيعة هذه القرية المحيطة بزرقة السماء والبحر، وبين ما رصدناه من إخلالات على جميع الأصعدة، ينهض الناشط البيئي عمر الصالحي ليعلن عن استنكاره لتغاضي صانعي القرار عن حقوق الإنسان وكرامة الريفيين، وحرمانهم من أبسط مقوّمات العدالة والتنمية. مبينا أنه يشعر بالظّلم والقهر أمام واقع مرير تهيمن عليه “سياسة الموالاة”. معتبرا أن ” في هذا البلد، يبدو أن من يملك المال تفتح له الأبواب وتلبى له الحاجيات، بينما يترك المواطن البسيط، ابن الأرض الطيبة، يصارع الحرمان والتهميش وسط جمال طبيعي وهبه الله له “. 

وأضاف بحسرة:” الموت البطيء يخيّم على هذه القرية، لا تتوفر لهم دور ثقافة، لا مكتبات، ولا أي فضاءات تساعد الأطفال على النمو والتطور، ويتفاقم الوضع سوءا بتأثيرات هذه النواعير “. 

شارفت مدة كراء الأراضي التي نفذ فيها مشروع توليد الكهرباء من الرياح بمنطقة برج الصالحي على إتمام الثلاثون سنة. ولكن، الخطر الأكبر، وفق ما كشفته المسؤولة عن قسم العدالة البيئية والتغيرات المناخية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ايناس الأبيض، في مداخلتها مع منصة كوسموس ميديا، يتمحور حول إمكانية إعادة تجديد العقود بنفس الطريقة السابقة، دون مراجعة الأسس التي بني عليها، وهو ما يرفضه الأهالي بشكل قطعي. موضحة أن التحدي القائم اليوم يتجسد في غياب رؤية حقيقية لتجديد المشروع بطريقة مستدامة تنفذ فيها الصيانة اللازمة، بما أن أغلب النواعير الهوائية لم تعد صالحة للاستعمال، وهو ما يتبين من الصوت المزعج والاهتزازات القوية التي تصدر عنها، وفق ما لاحظه كل من زار الموقع.

رغم توجيه منصة كوسموس ميديا مراسلة رسمية إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز في إطار التحقيق الاستقصائي البيئي بخصوص مشروع توليد الكهرباء من طاقة الرياح بمنطقة برج الصالحي وما ينتج عنه من تلوث ضوضائي، لم تتلق أي رد من قبل المؤسسة لإجراء مقابلة مع ممثل عن الشركة، ما حال دون الاستماع إلى وجهة نظرهم في هذا الملف الشائك. 

يصرّح الناشط في المجتمع المدني، نعيم الصالحي، لمنصة كوسموس ميديا، أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز تخضع لإشراف الدولة باعتبارها مؤسسة عمومية ربحية. غير أنه يعتبر أن هذا الانتماء المؤسساتي يطرح إشكالية جوهرية في سياق النزاعات البيئية والاجتماعية المتصلة بمشاريع الطاقة. وتساءل مستنكرا:” من سيحاسب هذه الشركة على ما ارتكبته من مظلمة في منطقة برج الصالحي؟ “. مطالبا بتوفير الاستقرار لأهالي المنطقة التي ترفض الهجرة نظرا لانتمائهم المتجذر بهذه “الأرض الطيبة”. 

التوصيات والحلول..

أوضحت ايناس الأبيض، المسؤولة عن قسم العدالة البيئية والمناخية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في تصريح لمنصة كوسموس ميديا، أن الدستور التونسي لا يتضمن فصلا صريحا يعالج مسألة التلوث الضوضائي، كما أن القوانين الحالية لا تعترف رسميا بهذا النوع من التلوث، ما يحدث فراغا تشريعيا في هذا المجال.  

وأشارت إلى أن غياب قوانين تحدد مستويات الضجيج في مختلف القطاعات، كالصناعة، أو تنظم توقيتات الأنشطة المسببة للضوضاء مثل البناء، مما يؤدي إلى ضعف في آليات التنفيذ والرقابة، حيث تترك البلديات أحيانا لتنظيم هذه المسألة دون إطار قانوني صارم، ما يحد من فاعلية التصدي لها.

ودعت في هذا السياق وزارة البيئة والجهات المعنية إلى القيام بإصلاح تشريعي شامل، يتضمن تعريفا واضحا للتلوث السمعي، ووضع معايير قانونية دقيقة تحدد الحدود المسموح بها للضوضاء، مع فرض عقوبات على المخالفين، على غرار التشريعات الأوروبية التي تعتمد على قياسات دقيقة ونظم صارمة لحماية المواطنين من الآثار المتعددة والمتنوعة للتلوث السمعي. 

كما يوصي الباحثون، بضرورة اتخاذ إجراءات وقائية، تبدأ من تحسين تصميم المروحيات الهوائية ورفع كفاءتها للحد من انبعاث الموجات، إلى إعادة تخطيط المناطق العمرانية بحيث تبعد عن مصادر التلوث السمعي. لكن الأهم، كما يوضح علي لطفي الزكري، المختص في السلامة السمعية، هو تمكين الأشخاص الصم من وسائل تواصل علمية فعالة بلغة الإشارة التونسية، وإدماجهم في منظومات الوقاية من المخاطر الصحية والبيئية.  

ويؤكد محدثنا أن لغة الإشارة في تونس تواجه تحديات كبيرة، من أبرزها عجزها الحالي عن ترجمة المصطلحات المتعلقة بالصحة والبيئة، ما يحدّ من قدرة الأشخاص الصم على التفاعل الكامل مع هذه المجالات الحيوية.  

ويعود ذلك، جزئيا، إلى غياب التوحيد والهيكلة في لغة الإشارة المحلية، ما دفع المختصين إلى الدعوة إلى مشروع وطني يتطلب نحو سنتين من العمل المتواصل لتوحيد اللهجات، وتنظيم المفردات، وتدوينها ضمن قاموس إشاري موحّد. 

كما يعتبر الزكري أن حاسة السمع هي المعلم الأول للطفل الذي يجعله يتلقى معلومات من محيطه الخارجي للتفاعل معه منذ أن يكون جنينا في بطن أمه. ورغم ذلك، يظل عالم الصم مهمشا، يعيش أفراده في عالم مواز يفتقر فيه الأشخاص الصم الى الاحترام والإدراك العميق لخصوصياتهم. 

مشيرا إلى أهمية التدخل العلاجي لفاقد السمع منذ الولادة، قبل سن السنتين، إذ يمكن أن يساعده على استعادة السمع وتمكين الطفل من التواصل بشكل طبيعي، غير أن الواقع في تونس يكشف عكس ما تم التوقيع عليه في الاتفاقيات الدولية التي تحفظ حقوق الصم، وتبين تأخرا في التشخيص والرعاية، ما يحوّل الحلول الوقائية إلى علاجات مكلفة تأتي بعد فوات الأوان.  

وما يزيد خطورة الوضع، حسبما كشفه محدثنا أن نسبة انتحار الأشخاص الصم تفوق 50% نتيجة لعدم فهم وضعياتهم وغياب التقدير المجتمعي لاحتياجاتهم، وعدم الاعتراف بحقوقهم. 

وبالنسبة إلى حماية الحيوانات من تأثيرات التلوث الضوضائي، توصي الخبيرة البيئية، اميلي جرينفيلد، باستخدام التقنيات الحديثة مثل المراقبة الصوتية لرصد أصوات الطيور، ما يكشف عن مدى تغلغل الضوضاء في مواطنها الطبيعية. وفي محاولة لتقليص آثار الضجيج، تبين الخبيرة البيئية جرينفيلد أن الطبيعة تلعب دورها أيضا، عبر زراعة أشجار قرب مصادر الإزعاج لتكبح تسرب الضجيج وتحمي الأنظمة البيئية الهشة. كما تطرح تقنيات عزل صوتي مبتكرة، وإعادة تصميم البنية التحتية بطريقة تقلص من أثر الضوضاء كحلول لوقف هذا “القاتل غير الصامت”.  

ويرى علماء البيئية أن الأمل لا يزال موجود عبر تبني مفهوم ” الصمت البيولوجي” كحق بيئي يجب حمايته، ووضع ضوابط صارمة على مستويات الضوضاء في المناطق الحساسة.

توصي الخبيرة الدولية والاستشارية البيئية، المهندسة هبة محمد إمام، بضرورة توعية الجمهور بالتلوث الضوضائي لتقليص آثاره السلبية على البيئة والصحة العامة، وذلك عبر مجموعة من الوسائل الفعالة. من أبرزها تنظيم حملات توعوية من خلال وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لتسليط الضوء على مخاطر الضجيج وطرق الحد منه، إضافة الى عقد ورشات عمل وندوات يشارك فيها خبراء لطرح إرشادات عملية للجمهور.  

كما تعتبر إدماج مسألة التلوث الضوضائي في المناهج الدراسية آلية ناجعة لبناء وعي بيئي مستدام منذ سن مبكرة، من خلال أنشطة تعليمية ومشاريع تطبيقية. ويمكن أيضا تعزيز الوعي عبر تشجيع المشاركة المجتمعية في فعاليات بيئية، مثل حملات التشجير.  

إلى جانب ذلك، تعتبر الخبيرة هبة محمد إمام، أن التعاون بين الجهات الحكومية والمنظمات من العوامل المهمة لتنسيق الجهود ونشر المعرفة البيئية. 

هكذا تتضافر التكنولوجيا والطبيعة والسلوك البشري لتحد من مخاطر هذا النوع من التلوث الذي لم يدرج بعد ضمن أولويات السياسات البيئية.  

من الصوت إلى الإشارة: بودكاست يدمج الصم والمكفوفين!

في إطار سعي منصة كوسموس ميديا إلى دمقرطة المعلومة البيئية وإيصالها إلى فئات متعددة من الجمهور، واحتراما لحق الجميع في النفاذ إلى المعلومة، أعدت مدونة صوتية مترجمة إلى لغة الإشارة التونسية، والذي يهدف أولا، إلى إدماج الأشخاص ذوي/ات الإعاقة السمعية عبر توفير ترجمة للبودكاست بلغة الإشارة نظرا لأن غالبيتهم لا يمكنهم القراءة أو الكتابة، وذلك يعود إلى نقص إدماجهم في المنظومة التربوية، حسبما أفاد به علي لطفي الزكري، المختص في الصحة السمعية لمنصة كوسموس ميديا.  وأما ثانيا، إدماج الأشخاص ذوي/ات الإعاقة البصرية عبر وصف دقيق للمشاهد المرئية والمعطيات.  

وجدير بالذكر، إلى أن منصة كوسموس ميديا عملت تحت إشراف المعهد الدولي للبحوث في لغات الإشارات بتونس، مع فريق مختص في ترجمة لغة الإشارة، للبحث عن إشارات موحدة تخوّل للأشخاص الصم من مختلف الجهات، إدراك المعلومة البيئية والصحية، نظرا لتنوع الإشارات بين عدة مناطق في الجمهورية التونسية. 

عرض البودكاست بصيغة سمعية للأشخاص المكفوفين أو ضعاف البصر، وصيغة بلغة الإشارة للأشخاص الصم

أنجز هذا التحقيق الصحفي من قبل الصحفية ميساء زعيره، في إطار رسالة الماجستير المهنية في الصحافة متعددة المنصات بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، عقب فترة تدريبية في منصة كوسموس ميديا المتخصصة في الصحافة البيئية. أشرفت على العمل المؤطرة المهنية ورئيسة التحرير وباعثة منصة كوسموس ميديا مبروكة خذير.
أعدّ التحقيق بدعم تقني وتحريري من فريق العمل الذي ضم المنتجة فتحية خذير، والمصور الصحفي عماد السائحي بمشاركة محمد عزيز بن فرحات، وفي تصميم الجرافيك صابرين النخيلي.
هذا وسعيا منا لإيصال المعلومة للأشخاص ذوي وذوات الإعاقة فقد اعتمدنا لغة الإشارة بالتعاون مع مترجمة لغة الإشارة نورهان العرفاوي، وبالتنسيق مع المعهد الدولي للبحوث في لغات الإشارات بتونس.

المصادر: 
https://ftdes.net/rapports/borjsalhi.ar.pdf
https://ftdes.net/ar/borjsalhi-vers-une-voie-judiciaire/
https://ftdes.net/ar/borj-salhi/
https://urls.fr/tv1RZS
https://www.bsigroup.com/ar-AE/-ISO-26000–/
https://www.aletihad.ae/article/68198/2018/
https://eu.docworkspace.com/d/sIIC9rJO_AZSCn8UG?sa=601.1074
https://wrcati.cawtar.org/preview.php?type=law&ID=286
https://shorturl.at/OEBDp
https://shorturl.at/LSyJr
https://urls.fr/qrhoIE
https://www.un.org/ar/climatechange/what-is-renewable-energy
https://shorturl.at/mDXWr
https://www.albawsala.com/ar/publications/articles/20246579
https://urls.fr/KIjnyi
https://sigmaearth.com/ar/the-pros-cons-of-different-types-of-renewable-energy-sources
https://sigmaearth.com/ar/changes-in-animal-behavior-due-to-noise-pollution/
https://urls.fr/pL4_xl
https://urls.fr/WDQD-b

زر الذهاب إلى الأعلى