سليديرمقالات

المبيدات الكيميائيّة الفلاحيّة والأمن الغذائي.. المعادلة الصعبة؟!

فتحية خذير – كوسموس ميديا

تعد السيادة الغذائيّة هدف كل الشعوب،  خاصة مع ما يعيشه العالم من متغيرات سياسيّة أدّت الى تغيير ملامح خارطة الغذاء الدوليّة. ويرتبط الأمن الغذائيّ بإستراتيجيات الدول التنمويّة وهو مؤشّر أساسي في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسيّ المرتبط دائما بالنموّ الاقتصاديّ. 

ولا يمكن الحديث عن خطّة جديّة للتنمية الاقتصاديّة دون الأخذ بعين الاعتبار دفع القطاع الفلاحي وتطويره وفق مخطّطات علمية تضمن الاستغلال الفعّال للإمكانيات الوطنيّة وتحقّق استقلاليّة الشعوب والاكتفاء الذاتّي.

أزمة التزوّد بين الجودة والوفرة..

تعيش تونس على وقع أزمة تزوّد بالمواد الغذائيّة الاساسيّة وخاصة منها مادة القمح والحبوب.  وتعمّقت الأزمة خلال الفترة الأخيرة وباتت ملموسة على أرض الواقع لتنعكس سلبا على حياة المواطنين اليوميّة والذين أصبحوا يعانون يوميا من أجل التزوّد بالخبز أو بمادتي “السميد” و”الدقيق”.

وبالرغم من أن القطاع الفلاحي في تونس قطاع حيوي واستراتيجيّ، حيث يساهم بنسبة 12% من الناتج المحلي و10% من الصادرات التونسية، ويستقطب 8% من جملة الاستثمارات في الاقتصاد الوطني، و14% من اليد العاملة النشيطة، يقف هذا القطاع اليوم أمام أسئلة ورهانات كبرى لعلّ من أهمّها جودة الإنتاج وتراجع القيمة الغذائيّة للمنتوجات الفلاحيّة خاصة بسبب الاستعمال العشوائي للمبيدات الكيميائيّة. 

وأمام انتشار بعض الأمراض الخطيرة التي باتت تهدد جدّيا صحة التونسيين أصبح الجدل قائما حول المخاطر الصحية المتعلقة بمختلف المنتوجات الفلاحيّة التي تروج في البلاد وعلاقة الاستعمال المفرط للمبيدات الحشريّة بذلك.

الممنوع في أوروبا.. مباح في تونس؟!

أطلقت جمعيّة أصدقاء الطيور في تونس في مناسبات عديدة صيحة فزع محذرة من التداعيات الكارثيّة لاستعمال الأدوية والمبيدات الحشريّة والكيميائيّة على الحيوانات والطيور وهو ما جعل البعض منها مهددة بالانقراض. وأكّدت الجمعيّة في بيانات سابقة استعمال تونس لمبيدات حشرية محظورة في أوروبا أصبحت تمثّل خطرا  كبيرا  يهدد صحة المواطنين والتنوع البيولوجي.

وأكّدت جمعيّة أصدقاء الطيور في تونس أن 33 مؤسسة تونسية تنشط في قطاع المبيدات الحشرية وتروج 215 نوعا من الأدوية الكيميائيّة في أسواقنا تحت 493 علامة تجارية لكن لا توجد معطيات دقيقة حول الكميات الموردة.

من جهتها نقلت الوكالة الرسمية عن جمعية التربية البيئية للأجيال المستقبلية والشبكة الدولية للقضاء على المواد الملوثة أن “تونس تستورد 33 نوعًا من المبيدات رغم منع استخدامها بأوروبا منذ 2020″، مشيرة إلى أنّ بلادنا استوردت زهاء 240.5 طنًا من المبيدات الزراعية الممنوعة أو التي فرضت عليها قيود صارمة داخل الاتحاد الأوروبي منذ سنة 2018، وهي ومتوفرة لدى ما يقارب 500 موزّع للمواد الفلاحية بمختلف أنحاء البلاد. 

واعتبرت جمعية التربية البيئية للأجيال المستقبلية أن هذه المبيدات عالية السميّة ممنوعة دوليا ومن شأنها التسبّب في أمراض خطيرة والقضاء على التنوع البيولوجي والإسهام في التغييرات المناخية. 

وقد كشف التحقيق الذي أجرته كل من المنظمة السويسرية غير الحكومية “بابليك آي” ومشروع  “Unearthed” للصحافة الاستقصائية التابع “للمنظمة البيئية العالمية السلام الأخضر” أن تونس استوردت سنة 2022، كميّة كبيرة  من مادة “الكلوربيريفوس” المحظورة دوليا منذ سنة 2020،  حيث  قامت الشركات الأوروبية خلال النصف الثاني من سنة 2022، بتصدير أكثر من 380 طنا من المبيدات الحشرية المصنوعة بمادة “الكلوربيريفوس”، المحظور استعمالها في أوروبا، نحو عدد من البلدان من ضمنها تونس التي تعتبر في سنة 2022 ثاني أكبر سوق من حيث الحجم قد ضُخّ فيها كميات من “الكلوربيريفوس” المصدرة من أوروبا والقادمة أساسا من  بلجيكا.

رقابة السلطة.. الموجود والمنشود

خلال لقاء سابق لها مع “كوسموس ميديا”، اكتفت المختصة في الصيدلة النباتيّة حنان شعبان بالقول إن قائمة المبيدات الكيميائيّة ذات الاستعمال الفلاحي والمصادق عليها من طرف  اللجنة الفنية، متاحة للجميع وموجودة بالمواقع الرسمية لوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري. 

واعتبرت شعبان أن كيفيّة استعمال هذه المبيدات الحشريّة واحترام الكميّة القانونيّة المسموح بها هي عوامل أساسيّة للحدّ من خطورة هذه المبيدات ومن آثارها الجانبيّة. ونبّهت اخصائيّة الصيدلة النباتيّة من خطورة المبيدات الحشريّة التي يتم إدخالها إلى تونس بطرق غير قانونيّة ويتم توزيعها واقتنائها من قبل الفلاحين دون أن يكون هناك معلومات مؤكدة عن مصدرها أو مكوّناتها ودون أن تقع دراستها من طرف  اللجنة الفنية للمصادقة على المبيدات ذات الاستعمال الفلاحي.

وفي هذا الاطار أفادت الإدارة العامة للصحة النباتية ومراقبة المدخلات الفلاحية التابعة لوزارة الفلاحة في شهر جويلية الفارط، بأنّ تونس سحبت 31 منتجًا من المبيدات والأدوية الكيميائيّة المقاومة للفطريات الزراعية من السوق، وذلك إثر التأكّد من شدة خطورة هذه المبيدات ومنعها من قبل عدة دول أوروبية.

من جانبه، اعتبر الخبير في مجال الممارسات الفلاحيّة الجيّدة محمّد خالد العيادي أن المبيدات الحشريّة ذات الاستعمال الفلاحي شرّ لا بد منه، وأنّ أغلب الفلّاحين اليوم لا يمكنهم الاستغناء عن هذه المواد الكيميائية الفلاحية لإنتاج الفواكه والخضر وتحقيق المردوديّة المطلوبة. ولكن ومع نقص المراقبة والتحكّم، يمكن أن تسبب هذه المبيدات العديد من المخاطر على المستهلكين، وفق تعبيره.

 وأكّد العيادي، في تصريح سابق لـ “كوسموس ميديا”، أن غياب الإرشاد الفلاحي في تونس والرقابة المستمرّة يجعل الفلاّح يتصرّف لوحده دون وعي بمدى خطورة الاستعمال الخاطئ والعشوائي لهذه المبيدات الكيميائيّة وهو ما يفسّر، حسب اعتقاده، تضاعف وازدهار الكميات المستوردة من المبيدات الكيميائيّة إلى تونس في وقت تراجعت فيه مساحاتها الفلاحيّة.

 مسؤولية الفلاّح والمزوّد

واعتبر محمّد خالد العيادي أن الفلاّحين غالبًا ما يضاعفون المعدّل الموصى به من الأدوية الكيميائيّة ظنًّا منهم أنّ ذلك قد يزيد من فعالية المبيد وأنّه وفي كثير من الحالات، ينصح مندوبو المبيعات المزارعين برشّ أكثر من مبيد واحد من الفئة ذاتها أو التأثير المماثل، وهو ما يؤدي إلى الاستخدام المفرط وغير الفعال، وهو ما قد يتسبب في زيادة تركيز المبيدات في التربة والماء والهواء، وارتفاع مستويات متبقيات المبيدات في الفواكه والخضر.

ومن ناحية أخرى، يؤدي تكدّس مبيدات الآفات المنتهية الصلاحية المستوردة قانونًا أو المهربة والمحظورة إلى زيادة المخاطر على الصحة العامة والبيئة. ويمكن أن يؤدي تخزين هذه المبيدات في ظروف غير مناسبة إلى تسرّبها في التربة أو تبخّرها في البيئة المحيطة.

 ويتطلب حفظ تلك المبيدات المتكدّسة موارد مالية كبيرة، وفرقًا مدرّبة متخصصة، وإجراءات محددة لجمعها وإعادة تعبئتها وشحنها والتخلص منها بأمان في منشآت مخصصة لذلك، وهو ما لا يتوفّر في تونس عامّة حيث تظل مخلفات هذه الأدوية الكيميائيّة ملقاة في المساحات الفلاحيّة أو يتم في أحسن الحالات التخلّص منها مع بقيّة النفايات المنزليّة.

تعدّ المبيدات الكيميائية الفلاحية إذا أحد أهم ملوّثات البيئة المهددة لصحة الإنسان والحيوان  عند استعمالها أو عند التخلّص من عبواتها الفارغة، وبالرغم من فعالية هذه المبيدات الكيميائية وميزاتها الاقتصادية، إلا أنها تظل معضلة بيئيّة وصحيّة حقيقة تحتاج مزيدا من الرقابة الحكوميّة والبحث العلمي والصحي والتحسيس والوعي الجماعي كونها موت بطيء يهدد الكائنات الحيّة والوسط البيئي.

زر الذهاب إلى الأعلى