سليديرمقالات

تفاقم أزمة المياه في تونس بين قرارات الدولة “الهزيلة” وواقع التغيرات المناخية؟!

رجاء الدريدي – كوسموس ميديا

مازالت تونس تعيش بنظام الحصص في توزيع المياه الصالحة للشرب بعدما قررت وزارة الفلاحة التمديد في الفترة التي انطلقت منذ شهر مارس المنقضي وكان من المفترض أن تنتهي نهاية شهر سبتمبر الماضي، حيث أفاد كاتب الدولة المكلف بالمياه رضا قربوج بأن نظام الحصص سيتواصل حتى إشعار آخر في ظل تواصل أزمة الجفاف وتراجع إيرادات السدود.

أزمة الجفاف التي لم تصب تونس فقط بفعل انحباس الأمطار والتغيرات المناخية المسجلة في العالم أجمع، انعكست سلبا على المخزون المائي للبلاد وهو ما يعد تحدّي حقيقي يتطلب استراتيجيات فعالة للتصدي لأزمة الجفاف ونقص المياه.

أزمة مياه هيكلية

اعتبرت رئيسة قسم العدالة البيئية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إيناس لبيض، في تصريح لكوسموس ميديا، أن أزمة المياه في تونس هي أزمة هيكلية بدلا من كونها ظرفية وهذا ما يرجع إلى ارتباط وضع المياه في البلاد بشكل أساسي بالتغيرات المناخية والسياسات الحكومية.

كما اعتبرت محدثتنا أن السياسات المائية الحالية تعاني من قصور في الفعالية وتفتقر إلى التخطيط الاستراتيجي، على الرغم من وجود تنوع في الدراسات والمخططات التي تُنفذها وزارة الفلاحة بصفتها سلطة إشراف على قطاع المياه.

في المقابل كان كاتب الدولة المكلف بالمياه رضا قربوج، قد أفاد خلال ندوة وطنية نظمتها وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري بمناسبة الذكرى الـ75 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بالعمل حاليا على دراسة شاملة لاتخاذ مجموعة من الإجراءات لمواجهة استمرار أزمة الجفاف وتراجع الموارد المائية بالسدود، حيث بلغت نسبة المخزون المتاح في السدود  25 بالمائة في الوقت الحالي.

ورغم أنه لم يكشف التفاصيل المتعلقة بهذه الإجراءات التي يعتبرها ما زالت في مرحلة النقاش، أكد قربوج أن سلطة الإشراف تتابع الوضع يوميًا، خاصة فيما يتعلق بتلبية احتياجات مياه الشرب، مشددا على أهمية الاستعداد واستشراف الوضع، مع التركيز على رسم سيناريوهات مختلفة لضمان صمود القطاع وتكييفه مع التحولات الناتجة عن التغيرات المناخية.

قرارات هزيلة

في تعليقها على الإجراءات التي اتخذتها وزارة الفلاحة لحلحلة أزمة المياه في تونس، وضفت إيناس لبيض الاجراءات المتبعة بالهزيلة، باعتبارها تحمّل المسؤولية إلى حد كبير للمواطن متناسية الدور الكبير والتبذير الواضح للموارد المائية من قبل الشركات الصناعية.

وذكرت في هذا الغطار بالتبذير المفرط للمياه من قبل القطاعات المصنعة والقطاعات ذات النشاط الاستخراجي مثل شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي بقابس ومصانع النسيج بالساحل، إضافة إلى القطاع الفلاحي الذي يستهلك أكثر من 80٪ من الموارد المائية خاصة في الفلاحة التي ليس لها قيمة مضافة والموجهة للتصدير والتي لا تدخل في استهلاك المواطن التونسي أو تساهم في أمنه الغذائي على غرار الفراولة والبرتقال والبطيخ والطماطم…

وتابعت لبيض أن ضعف وزارة الفلاحة يتجلى كذلك في التشجيع على رخص تعليب المياه في أكثر الولايات التي تواجه العطش على غرار القيروان.

وضعية كارثية للسدود

لفت قربوج إلى أن هذه الفترات القاحلة التي تعيشها البلاد التونسية منذ سنة 2016 أثرت بشكل سلبي على مخزون السدود.

فيما اعتبرت إيناس الأبيض أن وضعية السدود كارثية بسبب عدم تجاوز نسبة امتلائها 25٪ هناك سد في ولاية القيروان لم يتجاوز نسبة امتلائه 0٪، وحالته الفنية أيضًا سيئة.

وتابعت أنّه كان من المفترض أن تستغل وزارة الفلاحة فترة الجفاف لتهيئة السدود وتحسين حالتها الفنية وتوسيع القنوات المائية.كما يجب جهر السدود والمصبات الساكبة لتجهيزها لاستقبال المياه بفعالية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن كاتب الدولة المكلف بالمياه رضا قربوج كان قد شدد على ضرورة الحفاظ على مائدة المياه الجوفية، التي تُعد مصدرًا أساسيًا يلبي 75٪ من احتياجاتنا المائية، وذلك من خلال إعادة النظر في التشريعات وتشديد العقوبات على المتجاوزين الذين يعتدون على الممتلكات العامة للمياه.

المشروع المنتظر؟!

تفيد المعطيات الرسمية بانتهاء وزارة الفلاحة من إعداد مشروع مجلة المياه الجديدة ومن المنتظر عرضه على رئاسة الحكومة، ثم على مجلس نواب الشعب للنقاش والتصويت.

ووفق تصريحات كاتب الدولة المكلف بالمياه، فإن لهذه المجلة أهمية كبرى فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بحوكمة القطاع وحماية الملك العام للمياه، بالإضافة إلى التركيز على الجوانب الردعية لمن يتجاوزون القوانين والتعامل مع الوضعيات الطارئة مثل الجفاف والفيضانات.

وفي هذا الإطار دعت إيناس لبيض إلى ضرورة التسريع بإصدار المجلة الجديدة نظرا لعدم تناسب المجلة الحالية مع الواقع التونسي من حيث التغيرات الديمغرافية والاجتماعية، وتطوُّر نمط استهلاك المواطن للمياه، مشيرة إلى ضرورة تكثيف مراقبة استهلاك المياه من حيث الكمية خاصة فيما يتعلق بالشركات الصناعية التي تستهلك المياه بكميات كبيرة. مشددة على ضرورة التوقف عن منح تراخيص جديدة لشركات تعبئة المياه.

وكخطوة اقترحتها لتجاوز الأزمة، شددت إيناس على ضرورة إخراج قطاع المياه من تحت إشراف وزارة الفلاحة، وبعث وزارة سيادية ذات سلطة مستقلة تشرف عليه.

خدمات في حاجة إلى التحسين…

بالعودة إلى الأرقام المتعلقة بمجال التزويد بالماء الصالح للشرب، نجد أن أكثر من 300 ألف مواطن تونسي يعانون من غياب الربط بشبكة المياه الصالحة للشرب، في حين أفاد قربوج خلال الندوة الوطنية المذكورة، بأن الربط بلغ نسبة 100٪ في المناطق الحضرية و95٪ في المناطق الريفية.

وفي هذا الصدد قالت إيناس لبيض إن المدارس الابتدائية في الولايات الأقل حظا من حيث التنمية الاقتصادية والاجتماعية مثل ولاية القصرين تواجه تحديات كبيرة، حيث أن نسبة الربط بشبكة الصوناد في هذه المناطق أقل بنسبة 25٪ مقارنة بنسبة 90٪ في ولايات تونس الكبرى.

واعتبرت محدثة كوسموس ميديا أن هذا الوضع يزيد من انتشار الأمراض والأوبئة مثل البوصفير، خاصة في ولاية القيروان.

فيما أفاد قربوج من جهته بأنه تم برمجة العديد من المشاريع لتوفير المياه في المناطق غير المزودة، وتحسين الخدمات في مناطق أخرى. وتصل قيمة هذه المشاريع إلى سبعة آلاف مليون دينار، وتشمل 4500 مليون دينار لمشاريع المياه الصالحة للشرب. وهو ما يؤكد الأولوية القصوى لتعزيز هذا القطاع والسعي المستمر لتأمين إمدادات المياه النقية للمواطنين، حسب تعبيره.

تبقى تونس عرضة لخطر الجفاف الذي يهدد الفلاحة وبقية القطاعات بما يهدد الأمن الغذائي وصحة التونسيين في ظل شح الأمطار ومن ورائها الموارد المائية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى