سليديرمقالات

البصمة الكربونيّة: توجّه عالمي قد يغيّر ميزان القوى في العالم.. وتونس تتحسس الطريق إليه ببطء شديد

فتحيّة خذير – كوسموس ميديا: يعتزم الاتحاد الأوروبي أن يصبح أول كتلة اقتصادية في العالم تخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 55% في عام 2030، تمهيداً للوصول بها إلى 0% في عام 2050، وذلك في إطار محاولة جادة لمواجهة ظاهرة تغير المناخ.

وتعتمد خطة الاتحاد لتحقيق هذا الهدف، على إنهاء اعتماد الاقتصاد على الوقود الأحفوري من خلال ثلاث أدوات سياسية وتنظيمية كبيرة وأكثر صرامة، تتضمن وضع معايير للانبعاثات الصناعية، وتعديل النظام الضريبي، وإيجاد قواعد لتعزيز الاستثمار في تكنولوجيا خفض الانبعاثات.

 في ظلّ هذا التوجه العالمي نحو تخفيف البصمة الكربونيّة بهدف تخفيف تأثيرات التقلبات المناخية، انطلقت تونس في سياسة استباقية لتخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة في الأنشطة الصناعية من أجل خفض كثافة الكربون بنسبة 41% عام 2030 مقارنة بعام 2010.

في هذا الإطار ناقش برنامج “كوسموس” المختص في شؤون البيئة والتنمية المستدامة يوم الاربعاء 03 ماي 2023، موضوع توجّه تونس نحو اعتماد البصمة الكربونيّة واستعداد المؤسسات الصناعية التونسية للاستجابة لمقاييس “البصمة الكربونية” المحددة من قبل دول الاتحاد الأوروبي حتى تتمكن من اقتحام السوق الاروبيّة وتفادي الأداءات التي سيتم تحديدها في صورة عدم الانخراط في هذا المسار.

وعرّفت المستشارة في مجال البيئة والتغيرات المناخية أمال جراد البصمة الكربونية على أنها آليّة لاحتساب مجموع جميع الغازات الدفيئة على غرار ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز وغيرها، والتي يتم إطلاقها في الغلاف الجوي بسبب النشاطات الصناعية أو الخدمية أو الشخصيّة، معتبرة أن قياسها يكون سعيا للحد من الآثار السلبية لتلك الانبعاثات وفي علاقة باعتماد آلية تعديل حدود الكربون، من قبل المفوضية الأوروبية. 

واكّدت ضيفة فقرة “كوسموس لوديبا” أن المؤسسات التونسيّة المصدّرة نحو الاتحاد الأوروبي مطالبة اليوم باعتماد البصمة الكربونيّة حيث ينتظر منها اعتماد معايير بيئية جديدة تتعلق بالتزام سقف معين من الانبعاثات الكربونية حتى تتمكن من دخول أسواق الاتحاد الأوروبي وتفادي الأداءات التي سيتم تحديدها في صورة عدم الانخراط في هذا المسار. 

وأضافت آمال جراد أنّ تونس، وفي هذا الإطار، انطلقت منذ سنوات في تكوين المؤسسات الصناعيّة التي تسعى للحصول على شهادة البصمة الكربونيّة للمنتجات “إيزو 14067″، معتبرة أن هناك نوع من التباطؤ في تونس لمرافقة المؤسسات وتتبعها لضمان انخراطها في آليّة تخفيض بصماتها الكربونيّة.

كما أكدت جراد أن المؤسسات التونسيّة المصدرة للاتحاد الأوروبي مطالبة قبل نهاية سنة ،2023 بإعطاء قيمة بصمتها الكربونيّة، وأنه بداية من سنة 2026، سيوظّف الاتحاد الأوروبي عقوبات ماليّة على المؤسسات التي لم تستجب لمقاييس “البصمة الكربونية” ، لافتة إلى أن قطاع  الطاقة هو الوحيد في تونس الذي اندرج حتى الآن ضمن آلية البصمة الكربونيّة.

في المقابل اكّد الخبير في البيولوجيا الجزيئية والخلوية محمد الماكني انّ البصمة الكربونيّة للمواطن التونسي تساوي 2.9 وان المعدّل العالمي للبصمة الكربونيّة للفرد هي 4.8، مضيفا أن تغيير بعض السلوكيات الاستهلاكيّة لدى الأفراد و المؤسسات قادرة على تحقيق الحياد الكربوني حيث أن الفرد قادر على خفض الانبعاث الغازيّة من خلال اعتماده على المنتوجات المحليّة كبديل عن المستوردة والتي تتطلب عمليّة نقل وشحن بين الدول وبالتالي استهلاكا أكبر للوقود الأحفوري.

واكّد الماكني، خلال حضوره في فقرة “كوسموس لوديبا” ضمن برنامج كوسموس البيئي، على ضرورة استعمال ودعم النقل العمومي المشترك و لتخلي عن السيارات الخاصة للتنقل والعمل، معتبرا أن الاعتماد على الطاقات البديلة كالشمس والرياح عوضا عن الكهرباء من شأنه أيضا التخفيض من الغازات الدفيئة في الوسط والمحيط. 

وأفاد محمد الماكني بأن الصين تأتي في صدارة الدول المسؤولة عن انبعاثات الغازات الدفيئة اليوم بنسبة حوالي 29% ومن بعدها تأتي أمريكا بنسبة 14 %، ثم الهند بـ7.2 %، ثم أوروبا بـ6.6%، وأخيرا إفريقيا عامة بـ3.8 %، مضيفا أن الصين وأمريكا هما المسؤولتان تقريبا عن نصف الانبعاثات الغازيّة في العالم في حين لا توجد لديهم ايّ التزامات بيئيّة.

واعتبر الماكني في هذا السياق أن فرض ضريبة الكربون على المستوردين والمصنعين من خارج دول الاتحاد الأوروبي وجعلهم يدفعون ثمن  انبعاثات الكربون المرتبطة بالسلع والمواد التي يبيعونها في أوروبا، هو ضرب لما يسمى بالعدالة المناخيّة القائمة حيث تعد  الدول الفقيرة  الأكثر تضررًا من آثار التغير المناخي، وفي الوقت ذاته هم الأقل مسؤولية عن مستويات الانبعاثات الكربونية. 

ويرى بعض المحللين الدوليين أن مقترح ضريبة الكربون الحدودية يمكن أن تضع إعفاءً مؤقتًا للبلدان الأقل نموًا مع توفير الدعم السخي لدعم مشروعات وخطط التحول الأخضر، حيث أن ممارسة منح مدة إعفاء لأقل البلدان نموًا مع تعريفات الاتحاد الأوروبي ليست جديدة، لأنها تمارَس بالفعل على مستوى الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال مبادرة كل شيء ما عدا الأسلحة، ويمكن أن تمنح تلك البلدان الوقت لإزالة الكربون عن اقتصاداتها تدريجيًا.

وقال مراقبون إنه عندما تُنَفَّذ الضريبة بالكامل في جانفي 2026، سيكون التأثير الأولي الأكبر على تكلفة المدخلات عالية الكربون مثل الصلب والأسمنت والألومنيوم والمواد الكيميائية والكهرباء.

وسيُطلب من مستوردي الاتحاد الأوروبي والمنتجين من خارج الاتحاد الأوروبي لهذه المدخلات دفع ما يقدر بنحو 100 يورو  لكل طن متري من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

وقد يؤدي ذلك إلى زيادة تكلفة المواد التي يصنعها المنتجون الأكثر كثافة في استخدام الكربون، مثل الصين وروسيا والهند، بنسبة 15% إلى 30%.

وعلى الرغم من أن بداية العمل بالآلية الضريبة الكربونيّة سينطلق سنة 2026، إلا أن الدولة التونسيّة  و أصحاب المصلحة في الصناعة  خاصة بحاجة إلى التصرف الآن، لأن نية كتلة  الاتحاد الاوروبي واضحة. ويتعيّن على الشركات قياس انبعاثاتها الحالية والتعرض لضريبة الكربون عبر سلاسل التوريد وخطوط الإنتاج الخاصة بها، وتطوير دليل إستراتيجية مرنة للكربون، وتحديد الفرص لتحويل التحدي المناخي إلى مصدر للميزة التنافسية. 

زر الذهاب إلى الأعلى