سليديرمقالات

السياحة المستدامة في تونس.. حين تتغيّر طريقة النظر إلى الوجهة

أميرة التواتي – كوسموس ميديا

لم تعد السياحة المستدامة في تونس تُطرح فقط باعتبارها ملفًا بيئيًا مرتبطًا بتقليص النفايات أو الاقتصاد في استهلاك المياه والطاقة. فخلف هذا المفهوم تتشكل تدريجيًا طريقة جديدة في النظر إلى الوجهة السياحية نفسها: كيف تُدار مواردها؟ كيف يتعامل معها الزائر؟ وما موقع السكان والمؤسسات والمشغلين السياحيين من هذا المسار؟ وكيف يمكن للنشاط السياحي أن ينسجم مع خصوصية المكان بدل أن يفرض عليه نمطًا موحدًا؟

هذه الأسئلة برزت من خلال عدد من الشهادات والتجارب التي قُدمت خلال ورشة حول السياحة المستدامة في حوض المتوسط، انتظمت بالمنستير من 21 إلى 25 سبتمبر 2026، ونظمتها جمعية Africa 21 وDW Akademie، قبل أن تتخذ بعدًا ميدانيًا خلال زيارة جزر قوريا.

من الممارسة الفندقية إلى إعادة التفكير في الوجهة

في التجارب الفندقية التي عرضها محمد دمّق، الخبير في مجال التنمية المستدامة بجمعية مواطنون فاعلون من أجل التنمية، ظهرت الاستدامة باعتبارها مجموعة من الممارسات المتداخلة داخل المؤسسة السياحية، وليس مجرد شعار تسويقي.

وشملت التجارب التي تناولها تثمين النفايات العضوية وتحويلها إلى سماد، وتحسين التصرف في المياه والبحث عن تقنيات تساعد على الاقتصاد في استهلاكها، إلى جانب الاعتماد على الطاقة الشمسية والتقنيات المرتبطة بالطاقة المتجددة.

لكن الجانب البيئي لم يكن منفصلًا عن البعد الاقتصادي والاجتماعي. فقد تطرق دمّق إلى أهمية تكوين العاملين والتحسيس، وإشراك المدارس والشباب، وربط المؤسسات السياحية بالمنتجين المحليين والحرفيين، إضافة إلى أهمية الشراكات مع مختلف المؤسسات والجهات الداعمة.

تثمين النفايات العضوية وتحويلها إلى سماد

وهنا تبرز نقطة أساسية في مفهوم السياحة المستدامة: الفندق أو المؤسسة السياحية لا يعمل في فراغ، بل يوجد داخل محيط اقتصادي واجتماعي وبيئي يمكن أن يتأثر به كما يمكن أن يستفيد منه.

ومن هذا المنظور، يصبح الفرق مهمًا بين تسويق الممارسة المستدامة وتثمينها فعليًا؛ فالمطلوب ليس فقط تقديم صورة بيئية عن المؤسسة، وإنما إدماج الاستدامة في طريقة اشتغالها وعلاقاتها بمحيطها.

من السياحة المستدامة إلى «السياحة الإيجابية»

يتوسع هذا التصور أكثر مع شهادة منال بن إسماعيل، مسؤولة التنمية المستدامة للوجهة في تونس بمجموعة Iberostar، التي قدمت مفهومًا يتجاوز الاكتفاء بالحد من الأضرار: «السياحة الإيجابية».

الفكرة هنا لا تتوقف عند تقليل استهلاك الموارد أو خفض النفايات، وإنما تسعى إلى أن تكون السياحة قادرة على ترك أثر إيجابي في الوجهة التي تستقبلها.

فالوجهة، وفق هذا التصور، ليست فندقًا أو شاطئًا أو موقعًا أثريًا منفصلًا، وإنما منظومة تجمع الطبيعة، والمؤسسات السياحية، والعمال، والحرفيين والمنتجين، والسكان المحليين، والزوار، والشركاء، والسلطات، والمنظمات البيئية والإعلام.

ومن هنا تكتسب الشراكات أهمية خاصة. فالسياحة المستدامة لا يمكن أن تقوم على طرف واحد، وهو ما اختصرته بن إسماعيل بعبارة: «يد واحدة لا تصفق».

وتطرقت في هذا السياق إلى عدد من الممارسات المرتبطة بالتنمية المحلية، من دعم التعاونيات والنساء العاملات في الحرف والمنتجات المحلية، إلى إتاحة فضاءات داخل المؤسسات السياحية للتعريف بهذه المنتجات، وتشجيع اقتناء جزء من الحاجيات من المجتمعات المحلية.

كما شملت التجارب التي عرضتها جوانب مرتبطة بحماية الطبيعة والبحر، من بينها حماية النظم البيئية الساحلية والبحرية، والاهتمام بالبوزيدونيا، ودراسة التنوع البيولوجي قبل تنفيذ بعض المشاريع، إلى جانب العمل على تقليص النفايات والبلاستيك وتطوير ممارسات الاقتصاد الدائري.

وتتصل هذه الجهود أيضًا بالتصرف في المياه والعمل المناخي والاستهلاك المسؤول للمنتجات البحرية، بما يجعل الاستدامة مرتبطة بمجموعة من القرارات اليومية داخل المؤسسة السياحية وخارجها.

وفي هذا التصور، لا يكون الإعلام مجرد وسيلة للإعلان عن مبادرات المؤسسات، بل يمكن أن يصبح شريكًا في التغيير، من خلال مساءلة التجارب والتعريف بالممارسات الجيدة وشرح أثرها على الوجهات والمجتمعات.

السياحة المستدامة : العمل على تقليص النفايات والبلاستيك وتطوير ممارسات الاقتصاد الدائري.

قوريا.. حين تصبح الطبيعة جزءًا من تجربة الزيارة

في جزر قوريا، يأخذ هذا التحول شكلًا مختلفًا. فالمكان لا يُختزل في البحر والشاطئ، بل يفتح المجال أمام تجربة تقوم على اكتشاف التنوع البيولوجي والتعرف إلى مكونات الجزيرة البرية والبحرية.

ويشرح سيف الدين التريكي، المراقب البيئي بجمعية أزرقنا الكبير، أن العمل في إطار التصرف المندمج في المحمية البحرية والساحلية بجزر قوريا شمل تطوير مسالك تساعد الزائر على اكتشاف الموقع.

سيف الدين التريكي، المراقب البيئي بجمعية أزرقنا الكبير

ومن بين هذه المبادرات مسلك بري في قوريا الصغرى، يضم محطات ولوحات تعريفية تساعد على التعرف إلى التنوع البيولوجي الموجود في الجزيرة، من الطيور إلى النباتات وغيرها من الكائنات.

كما تم تطوير مسلك بحري في الجهة الجنوبية من قوريا الصغرى، يعرّف بالموروث البيئي البحري، ومن بين عناصره مروج البوزيدونيا.

وهكذا يصبح المسلك السياحي أكثر من مجرد طريق للعبور؛ فهو أداة لتغيير علاقة الزائر بالمكان. فبدل أن يمر بالطبيعة دون أن يعرف مكوناتها، يصبح مدعوًا إلى ملاحظتها وفهمها والتعرف إلى قيمتها.

ولا تتوقف التجربة عند الجانب البيئي وحده، إذ يمكن لهذه المسالك أن تفتح المجال أمام أنشطة مختلفة مرتبطة باكتشاف الطبيعة ومراقبة الطيور والأنشطة البحرية، بما يوسع معنى الزيارة خارج السياحة الشاطئية التقليدية.

 

السلحفاة البحرية.. عندما يصبح الزائر طرفًا في الحماية

وتكشف شهادة نور الشطي، المراقبة البيئية بجمعية أزرقنا الكبير، جانبًا آخر من هذا التحول، يتعلق بكيفية التوفيق بين استقبال الزوار وحماية الأنواع التي تختار الجزيرة للتكاثر.

وتستقبل قوريا خلال موسم التعشيش السلاحف البحرية، ومن بينها السلحفاة ضخمة الرأس «كاريتا كاريتا» (Caretta caretta)، التي تضع بيضها في فترة تمتد عادة من أواخر ماي إلى جويلية، قبل أن تستغرق عملية الحضانة نحو 55 إلى 60 يومًا.

وتستقبل قوريا خلال موسم التعشيش السلاحف البحرية، ومن بينها السلحفاة ضخمة الرأس «كاريتا كاريتا»

وخلال موسم التعشيش، تتم مراقبة الشواطئ وتتبع آثار السلاحف والأعشاش، مع التدخل عند الحاجة لحماية الأعشاش التي توجد في مواقع قد تكون معرضة للخطر.

لكن حماية السلاحف لا تتوقف عند المراقبة الميدانية. فعندما يُكتشف عش داخل أحد الفضاءات الترفيهية أو بالقرب منها، يتم تحديد مكانه ووضع حواجز وعلامات واضحة حوله حتى لا يقترب منه الزوار أو يتسببوا في إتلافه.

وتبرز هنا نقطة أساسية في علاقة السياحة بالبيئة: السلحفاة قد تختار مكانًا يرتاده الإنسان، ولذلك يصبح المطلوب ليس إبعاد النشاط السياحي عن الطبيعة بالكامل، وإنما تنظيم هذا النشاط حتى يتعايش مع خصوصية الموقع.

ومع تكرار هذه الممارسات، أصبح أصحاب الفضاءات الترفيهية والزوار أكثر وعيًا بوجود الأعشاش وبضرورة احترامها والمساهمة في حمايتها. وبذلك لم تعد حماية السلاحف مسؤولية المراقبين البيئيين وحدهم، وإنما أصبحت جزءًا من سلوك مختلف المتواجدين في الجزيرة.

وتقول نور الشطي في هذا السياق: «أصبحنا نحمي أعشاش السلاحف البحرية وصغارها.»

تفاصيل صغيرة تعيد تعريف السياحة

يظهر هذا التحول في طريقة النظر إلى الوجهة أيضًا في تفاصيل أخرى مرتبطة بالنشاط السياحي داخل قوريا.

فأماكن رسو المراكب أصبحت منظمة في مناطق محددة، بما يساعد على الحد من الأضرار التي يمكن أن تلحق بمروج البوزيدونيا. كما أشارت نور الشطي إلى اعتماد بعض المنتزهات على الخشب ومواد صديقة للبيئة في تجهيزاتها.

قد تبدو هذه الممارسات بسيطة، لكنها تكشف أن السياحة المستدامة لا تبدأ دائمًا من مشاريع ضخمة. أحيانًا تبدأ من سؤال عملي: أين يرسو القارب؟ كيف يُحدد موقع عش السلحفاة؟ كيف يتحرك الزائر؟ وكيف يُجهز الفضاء السياحي دون تجاهل خصوصية المكان؟

بهذا المعنى، تصبح الاستدامة جزءًا من إدارة الوجهة اليومية، لا مجرد خطاب يرافق النشاط السياحي.

من السائح المتفرج إلى السائح الذي يفهم المكان

تكشف هذه التجارب، رغم اختلاف مواقعها، عن تحول مشترك في مفهوم السياحة المستدامة.

ففي المؤسسة الفندقية، يتعلق الأمر بتغيير طريقة التصرف في المياه والطاقة والنفايات وعلاقات المؤسسة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي. وفي مفهوم «السياحة الإيجابية»، تتوسع المسؤولية لتشمل الوجهة بأكملها وشبكة المتدخلين فيها.

أما في قوريا، فيظهر التحول من خلال محاولة جعل الطبيعة جزءًا من تجربة الزائر، وتعريفه بالتنوع البيولوجي، وتنظيم الأنشطة السياحية بما يحد من الضغط على النظام البيئي، وإشراكه في حماية المكان.

وهنا تتغير صورة السائح نفسه. فهو لا يعود مجرد مستهلك لخدمة أو زائر يبحث عن البحر والشمس، بل يصبح شخصًا مدعوًا إلى فهم المكان الذي يزوره، ومعرفة ما يحتويه من كائنات ونظم بيئية، والتصرف بما يحافظ عليها.

وجهة تتغير حين تتغير طريقة التعامل معها

السياحة المستدامة في تونس لا تبدو، من خلال هذه التجارب، مسارًا واحدًا أو نموذجًا جاهزًا يمكن تطبيقه بالطريقة نفسها في كل الوجهات.

فلكل منطقة خصوصيتها، ولكل منظومة بيئية تحدياتها، ولكل مجتمع محلي مصالحه وموارده. لذلك يبدو التحدي الحقيقي في القدرة على بناء سياحة تتكيف مع المكان بدل أن تفرض عليه نموذجًا موحدًا.

من الفندق إلى الجزيرة، ومن إدارة المياه والنفايات إلى حماية الأعشاش وتنظيم رسو المراكب، تتقاطع التجارب عند فكرة واحدة: تغيير طريقة النظر إلى الوجهة.

فالاستدامة لا تعني فقط أن نحافظ على ما هو موجود، وإنما أن نعيد التفكير في الطريقة التي نستعمل بها المكان، وفي العلاقة التي نبنيها مع سكانه وموارده وطبيعته.

وفي النهاية، قد تبدأ رحلة السائح من شاطئ أو فندق أو مركب، لكن نجاح السياحة المستدامة يقاس بما إذا كان قد غادر المكان وهو يستهلكه فقط، أم غادره وقد فهم قيمته، واحترم خصوصيته، وأصبح جزءًا من الجهود الرامية إلى الحفاظ عليه.

زر الذهاب إلى الأعلى