سليديرمقالات

حين تصبح المعلومة مسألة حياة أو موت

يومان في درنة... من سؤال التغطية إلى سؤال الإنقاذ والوقاية وبناء الصمود

 مبروكة خذير|كوسموس ميديا |   درنة – ليبيا 

في درنة، يصعب أن تتحدث عن الكوارث كما لو كانت موضوعًا أكاديميًا بعيدًا عن الناس. هنا، لا تبدو عبارات مثل «إدارة الأزمات»، و«الإنذار المبكر»، و«المعلومة الموثوقة»، و«الاستجابة الإعلامية» مجرد مفاهيم تتداولها قاعات الجامعات ومراكز البحث، لأن المدينة التي احتضنت على امتداد يومي الخامس والسادس من أكتوبر/تشرين الأول 2026 المؤتمر العلمي حول “دور الإعلام في إدارة الأزمات والكوارث” ما زالت تحمل في ذاكرتها ومشهدها آثار إعصار دانيال الذي ضرب شرق ليبيا في سبتمبر/أيلول 2023.

في رحاب المسرح الوطني بمدينة درنة، وتحت إشراف ديوان بلدية درنة، اجتمع على مدى يومين صحافيون وإعلاميون وأكاديميون وباحثون وخبراء من ليبيا وتونس والجزائر ومصر وإسبانيا، ليضعوا تجربة دانيال تحت المجهر، لا من أجل إعادة سرد ما حدث فحسب، وإنما للبحث في سؤال أكثر صعوبة: ماذا كان يمكن أن يفعله الإعلام قبل أن تقع الكارثة؟ ماذا كان عليه أن يفعل أثناءها؟ وماذا ينبغي أن يفعل الآن، بعدما توقفت مياه الفيضان وبقيت مسؤوليات التعافي وإعادة الإعمار والمساءلة؟

ومنذ الساعات الأولى للمؤتمر، بدا أن النقاش لن يبقى محصورًا في سؤال «كيف غطت وسائل الإعلام إعصار دانيال؟»، بل سرعان ما انتقل إلى سؤال آخر أكثر عمقًا: هل يمكن للإعلام أن يكون جزءًا من منظومة الوقاية من الكوارث، وليس مجرد شاهد يصل إلى المكان بعد وقوعها؟

كان ذلك هو الخيط الذي عبر الجلسات العلمية المختلفة، من المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية للإعلامي، إلى الإعلام الرقمي والإنذار المبكر، مرورًا بالمناخ والتكيف والتخفيف، ودور الجامعات، ومواقع التواصل الاجتماعي، والأفلام الوثائقية، وصولًا إلى السؤال الأصعب: كيف يمكن تحويل تجربة درنة من ذاكرة مؤلمة إلى معرفة تمنع تكرار المأساة؟

من درنة… حوار علمي يبحث عن إعلام يسبق الكارثة

درنة… عندما يصبح المكان نفسه جزءًا من الرسالة

محمد الصريط ، الصحافي ورئيس تحرير صحيفة الحياة الليبية والمحرر السياسي والاقتصادي بصحيفة نيويورك تايمز والمحرر السياسي بموقع سويس إنفو في سويسرا، وأحد منظمي المؤتمر، كان هو و مرافقيه من منظمي هذا المؤتمر الأستاذ علي الاوجلي و الصحافية و الإعلامية صافيناز محجوب،من الذين أرادوا لهذا اللقاء أن يأخذ معنى مختلفًا بمجرد انعقاده في درنة.

فالمؤتمر، بحسب ما أوضحه في حديث لـكوسموس ميديا محمد الصريط ، لم يكن مجرد مناسبة أكاديمية تستعرض أوراقًا وبحوثًا، وإنما محاولة لخلق مساحة مشتركة بين الصحافي والأستاذ الجامعي والباحث والخبراء والجهات المحلية، حتى تصبح تجربة دانيال مادة للتفكير الجماعي وليس مجرد حدث مأساوي يُستعاد كل عام.

ويقول الصريط في سياق حديثه لمنصة كوسموس ميديا: “رمزية درنة مهمة جدًا، لأن الحديث عن دور الإعلام في الأزمات داخل مدينة عاشت كارثة بهذا الحجم يجعل كل سؤال أكثر واقعية. نحن لا نتحدث عن كارثة افتراضية، بل عن تجربة عاشها الناس هنا، ولذلك كان من المهم أن يجتمع الصحافيون والأكاديميون والخبراء في المكان نفسه للبحث عما حدث، وما الذي كان يمكن أن يحدث بشكل مختلف، وما الذي يجب أن نفعله مستقبلًا”.

ويضيف أن قيمة هذه اللقاءات تكمن في قدرتها على كسر العزلة بين التخصصات، لأن إدارة الكوارث ليست مهمة الإعلام وحده ولا المؤسسات الأمنية أو السلطات المحلية وحدها، وإنما منظومة تحتاج إلى معرفة علمية، وإعلام قادر على التفسير، ومؤسسات قادرة على الاستجابة، وجمهور يمتلك الحد الأدنى من الوعي بالمخاطر.

وهكذا كانت درنة خلال يومي المؤتمر أكثر من مدينة تستضيف حدثًا علميًا؛ كانت جزءًا من الحجة نفسها.

المسرح الوطني بدرنة يحتضن نقاشًا حول الإعلام وإدارة الأزمات والكوارث

من «التغطية» إلى «المسؤولية»… ماذا فعل الإعلام الرقمي أمام دانيال؟

في اليوم الأول، أخذ الإعلام الرقمي مساحة واسعة من النقاش، خصوصًا مع التحول الجذري في طريقة تلقي الأخبار أثناء الكوارث.

الدكتور هشام بوشعالة، عضو هيئة التدريس بجامعة بنغازي، تناول في مداخلته مؤشرات المسؤولية الاجتماعية في التناول الرقمي لكارثة إعصار دانيال في درنة، من خلال دراسة تحليلية لمحتوى وسائل الإعلام الرقمية، متخذًا من صفحة «بوابة الوسط» دراسة حالة.

لم يكن السؤال بالنسبة إليه متعلقًا بعدد الأخبار التي نشرتها المؤسسة الإعلامية، بل بطبيعة هذا المحتوى، وبمدى قدرته على خدمة المجتمع في لحظة استثنائية يصبح فيها الهاتف المحمول المصدر الأول للمعلومات بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور.

وفي تصريح لـكوسموس ميديا، يقول الدكتور هشام بوشعالة:

“المسؤولية الاجتماعية للإعلام الرقمي أثناء الكارثة لا تقاس فقط بسرعة النشر أو بكثافة المحتوى، وإنما بمدى دقة المعلومة، ووضوح مصدرها، وتوقيت نشرها، وقدرتها على مساعدة المواطن على فهم الخطر واتخاذ القرار المناسب. في الكارثة، الخبر ليس مجرد مادة إعلامية؛ يمكن أن يصبح عنصرًا مؤثرًا في سلوك الناس، وبالتالي في سلامتهم”.

ويشير إلى أن البيئة الرقمية فرضت تحديًا إضافيًا على المؤسسات الإعلامية، لأن المعلومة الخاطئة لا تنتظر طويلًا حتى تنتشر، والصورة المضللة قد تصبح «حقيقة» في وعي الجمهور قبل أن تصل المؤسسة إلى مرحلة التحقق منها.

ومن هنا، كما يقول، فإن الإعلام الرقمي مطالب بأن يجمع بين السرعة والتحقق والمسؤولية الإنسانية، وأن لا يتحول السبق الصحفي إلى مبرر لنشر معلومات غير مؤكدة أو صور صادمة تمس كرامة الضحايا.

وقد انسجم هذا الطرح مع ما خلصت إليه أعمال المؤتمر من ضرورة تطوير آليات للتحقق من الأخبار والصور والفيديوهات المتداولة ومواجهة المعلومات المضللة، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي.

صحافيون وأكاديميون وخبراء… يومان من التفكير المشترك في مستقبل إعلام الكوارث

عمر بوشعالة: الإعلام الذي يصل بعد الكارثة يكون قد وصل متأخرًا

لكن السؤال الأكثر إلحاحًا كان: ماذا عن الإعلام قبل الكارثة؟

الدكتور عمر الصديق بوشعالة تناول في مداخلته “دور وسائل الإعلام في إدارة الأزمات: من الإنذار المبكر إلى الاستجابة الاستراتيجية وبناء الصمود المجتمعي – الحالة الليبية في إعصار دانيال”، وهي زاوية تنقل وظيفة الصحافة من مرحلة التغطية إلى مرحلة الاستعداد.

فالكارثة لا تبدأ لحظة انهيار المبنى أو وصول المياه إلى المنازل؛ في كثير من الأحيان تكون هناك مؤشرات تسبقها، وتحذيرات، وبيانات علمية، وتوقعات جوية، ومخاطر يمكن تفسيرها للمواطن قبل أن تتحول إلى مأساة.

ويقول بوشعالة لـكوسموس ميديا: “الإعلام في الأزمات لا ينبغي أن يكون إعلامًا لما حدث فقط، وإنما إعلامًا لما قد يحدث. تجربة دانيال تفرض علينا أن نفكر في الصحافي كجزء من منظومة الإنذار والاستجابة، لأنه يستطيع أن يحول المعلومة العلمية إلى رسالة يفهمها المواطن، ويستطيع أن يساعده على معرفة الخطر وما الذي يجب عليه فعله”.

ويضيف أن الإعلام لعب خلال فترة دانيال دورًا مهمًا في نقل المعلومات إلى الجمهور، وفي متابعة التطورات وإبقاء الناس على اتصال بما يجري، لكن التجربة كشفت في الوقت نفسه الحاجة إلى تطوير آليات أكثر انتظامًا للتنسيق بين المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام.

وهنا كانت إحدى أبرز أفكار المؤتمر: لا يمكن أن يكون الإعلام جاهزًا للكارثة إذا لم تكن لديه علاقات وآليات عمل جاهزة قبل الكارثة.

الجامعة أمام المرآة… هل تصل المعرفة العلمية إلى المجتمع؟

إذا كانت وسائل الإعلام مطالبة بمراجعة أدائها، فإن المؤسسات الأكاديمية بدورها لم تكن خارج دائرة المساءلة.

نسرين خليفة إبراهيم قدمت دراسة حول تقييم المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات الأكاديمية والإعلامية في مرحلة إعصار دانيال، من خلال دراسة ميدانية على النخبة المتخصصة بجامعتي درنة وعمر المختار.

وكان السؤال الذي فتحته هذه الدراسة يتجاوز حدود الجامعة: ماذا يحدث عندما تكون المعرفة موجودة في الجامعات ومراكز البحث، لكنها لا تتحول إلى معلومات مفهومة تصل إلى المواطن وصانع القرار والإعلام في الوقت المناسب؟

وتقول نسرين خليفة إبراهيم لـكوسموس ميديا: “الجامعة لا يمكن أن تبقى بمعزل عن المجتمع عندما يتعلق الأمر بالمخاطر والكوارث. المعرفة العلمية تصبح ذات قيمة أكبر عندما تتحول إلى معرفة قابلة للاستخدام، وعندما يجد الصحافي طريقًا إلى الباحث، ويجد المواطن طريقًا إلى المعلومة التي تساعده على حماية نفسه”.

وترى أن تجربة دانيال كشفت الحاجة إلى بناء شراكات أكثر انتظامًا بين المؤسسات الأكاديمية والإعلامية، بحيث لا يبقى البحث العلمي محصورًا في الأوساط المتخصصة، بل يتحول إلى محتوى توعوي واستباقي قادر على الوصول إلى الجمهور.

درنة تجمع أهل الإعلام والاختصاص لبحث المعلومة في زمن الأزمات

سامي الأوجلي: تغير المناخ يفرض إعلامًا يفهم المخاطر قبل أن يصف آثارها

ومع الانتقال إلى اليوم الثاني، أصبح من الصعب فصل الحديث عن الكوارث الطبيعية عن الحديث عن التغيرات المناخية.

الأستاذ الدكتور سامي الأوجلي، مدير مركز الاستشارات للعلوم البيئية والتنمية المستدامة بجامعة بنغازي، ومدير شبكة التغيير المناخي العربي، وخبير دولي في الأزمات والكوارث الطبيعية، وضع المسألة المناخية في قلب النقاش، من خلال الحديث عن الأزمات والكوارث الطبيعية في ظل التغيرات المناخية المتوقعة وسياسات التكيف والتخفيف للحد من الخسائر الإنسانية والمادية.

وهو نقاش يكتسب أهمية خاصة في منطقة المتوسط وشمال إفريقيا، حيث تتقاطع مخاطر الفيضانات والجفاف والحرارة الشديدة وحرائق الغابات وتدهور النظم البيئية مع هشاشة بعض البنى التحتية وضعف الاستعداد.

وفي تصريح خاص لـكوسموس ميديا، يقول الدكتور سامي الأوجلي:“التغيرات المناخية لا تعني فقط ارتفاع درجات الحرارة، وإنما تعني تغيرًا في طبيعة المخاطر وشدتها وتواترها، ولذلك فإن سياسات التكيف والتخفيف لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل أصبحت جزءًا من حماية الإنسان والاقتصاد والبنية التحتية”.

ويضيف: “الإعلام لديه دور أساسي في هذه المعادلة، لأنه يستطيع أن ينقل المجتمع من مرحلة التعامل مع الكارثة بعد وقوعها إلى مرحلة فهم المخاطر والاستعداد لها. الصحافي الذي يفهم المناخ يستطيع أن يشرح للناس لماذا تحدث بعض الظواهر، وما الذي يمكن فعله للتقليل من آثارها، وأن يربط بين الحدث المحلي والصورة المناخية الأوسع”.

وبالنسبة إلى الأوجلي، فإن الإعلام المناخي لا ينبغي أن يكتفي بتغطية الأرقام والظواهر، بل عليه أن يربطها بحياة الناس: بالمياه والزراعة والصحة والبنية التحتية والأمن الغذائي والاقتصاد.

وتتقاطع هذه الرؤية مع أبحاث علمية حديثة تناولت دانيال بوصفها ظاهرة مناخية متطرفة وآثارها البيئية في شرق ليبيا، كما تؤكد تقارير فنية دولية أهمية الاستفادة من التقييمات الجغرافية والبيانات العلمية في التخطيط للتعافي وتعزيز الاستعداد للكوارث مستقبلًا.

نقاشات ومداخلات علمية حول الإنذار المبكر والمسؤولية الإعلامية أثناء الكوارث

مالك زغدودي: الصحافي الذي لا يفهم المصطلح المناخي قد ينقل المعلومة ويشوّه معناها

من زاوية أخرى، بدا واضحًا أن المشكلة ليست فقط في الوصول إلى المعلومة العلمية، وإنما في فهمها قبل نقلها.

الصحافي التونسي مالك زغدودي قدم خلال المؤتمر “معجم مفاهيم البيئة والمناخ: دليل علمي مكثف للصحفيين”، في محاولة للإجابة عن مشكلة تواجه الصحافي يوميًا: كيف يمكن التعامل مع لغة علمية متخصصة وتحويلها إلى مادة صحفية مفهومة دون فقدان معناها أو الوقوع في التبسيط المخل؟

وفي حديثه لـكوسموس ميديا، يقول زغدودي: «لا يمكن للصحافي أن يشرح قضية مناخية لا يفهم مفاهيمها الأساسية. هناك فرق بين الطقس والمناخ، وبين التكيف والتخفيف، وبين الخطر والتهديد والهشاشة والمرونة، وهذه الفروق ليست لغوية فقط؛ هي فروق علمية تؤثر في معنى الخبر وفي فهم الجمهور له».

ويضيف: «المطلوب ليس أن يصبح الصحافي عالم مناخ، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى الضروري من الفهم العلمي حتى لا ينقل المصطلح بشكل خاطئ أو يستخدمه في غير سياقه. عندما يخطئ الصحافي في المفهوم، قد يكون قد نقل المعلومة لكنه أضاع معناها».

وهنا يبرز دور الأدلة والمعاجم العلمية المتخصصة في تطوير الصحافة البيئية والمناخية، خصوصًا مع تزايد الحاجة إلى صحافيين قادرين على تفسير التقارير والدراسات والبيانات العلمية لجمهور واسع.

الإعلام في مواجهة المناخ والكوارث… من التغطية إلى الوقاية والاستجابة

زاهية فرج علي: الكارثة ليست مبررًا لإسقاط أخلاقيات المهنة

وفي الجانب الآخر من المعادلة، عادت زاهية فرج علي إلى سؤال لا يقل أهمية عن الدقة العلمية: أين تقف أخلاقيات الصحافي عندما تكون المدينة غارقة في الكارثة؟

قدمت زاهية فرج علي ورقة حول المعايير المهنية لتغطية الكوارث والأزمات، مع اتخاذ إعصار دانيال نموذجًا، واضعة أخلاقيات العمل الصحفي في قلب التغطية.

وفي تصريح لـكوسموس ميديا، تؤكد: «الكارثة لا تلغي أخلاقيات المهنة، بل تجعل الالتزام بها أكثر ضرورة. عندما يكون الإنسان أمام مأساة إنسانية، يجب أن نتذكر أن الضحية ليست صورة، وأن ألم العائلة ليس مادة للفرجة، وأن السبق الصحفي لا يمكن أن يكون مبررًا لانتهاك الخصوصية أو كرامة المتضررين».

وتضيف: «الصحافي في الكارثة يحتاج إلى أن يكون سريعًا، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يكون مسؤولًا. عليه أن يتحقق، وأن يتجنب التهويل، وأن يعرف كيف يصور ومتى يصور وماذا ينشر، وأن يضع الإنسان وكرامته قبل الرغبة في تحقيق الانتشار والتفاعل».

وهذا الجانب الأخلاقي كان حاضرًا بقوة في المؤتمر، الذي شدد ضمن توصياته على الدقة والموضوعية وعدم التهويل واحترام خصوصية المتضررين وأسر الضحايا.

حين تلتقي الخبرة الأكاديمية بالممارسة الصحفية في قلب درنة

عندما يصبح الهاتف غرفة عمليات

في درنة، أصبح واضحًا أن الهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة للاتصال؛ إنه بالنسبة إلى كثيرين مصدر الأخبار الأول في لحظات الخطر.

ومن هنا ناقش المؤتمر اعتماد الجمهور الليبي على الصحافة الإلكترونية، واعتماد الشباب الجامعي على مواقع التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات أثناء الأزمات.

لكن هذه الحقيقة تحمل وجهين: فمن جهة يمكن للمنصات الرقمية أن تكون وسيلة سريعة لنشر التحذيرات، وتحديد المناطق الخطرة، وتوجيه المواطنين إلى أماكن الإغاثة، ومن جهة أخرى يمكن أن تتحول إلى مساحة ضخمة للشائعات والصور القديمة والمقاطع المفبركة والمعلومات غير الموثوقة.

وهنا يعود السؤال إلى الإعلام: إذا لم تقدم المؤسسات معلومات واضحة وموثوقة وبسرعة، فمن سيملأ الفراغ؟

التجربة الليبية خلال دانيال قدمت جوابًا واضحًا: سيملؤه الجمهور نفسه، وستنتشر المعلومات الرسمية وغير الرسمية في المساحة نفسها.

لذلك دعا المؤتمر إلى تطوير آليات للتحقق من الأخبار والمحتوى البصري، وإلى بناء منظومات إنذار مبكر متعددة القنوات، وإلى توحيد مصادر المعلومات الرسمية وتحديثها بصورة مستمرة.

الإعلام لا يستطيع إنقاذ الناس إذا لم يكن مستعدًا قبل الكارثة

خلال اليومين، تكررت فكرة بدت وكأنها الخلاصة المشتركة لمختلف المداخلات: الإعلام الذي يبدأ العمل عند وقوع الكارثة يكون قد وصل متأخرًا.

فالصحافة الوقائية تبدأ من تحقيق يكشف خللًا في بنية تحتية، ومن قصة تشرح مخاطر الفيضانات، ومن حوار مع عالم مناخ، ومن تقرير يفسر للمواطن ماذا تعني خرائط الطقس، ومن مادة تشرح له أين توجد مناطق الخطر وكيف يمكن الإخلاء.

وفي هذا السياق، قدمت كوسموس ميديا تجربتها من خلال مداخلة بعنوان: «حين تصبح المعلومة مسألة حياة أو موت: دور الإعلام في مواجهة الكوارث الطبيعية».

وانطلقت المداخلة من تجربة المنصة في الصحافة البيئية والمناخية، ومن قناعة بأن الإعلام البيئي لا يمكن أن يبقى أسيرًا لتغطية الظاهرة بعد وقوعها، وإنما عليه أن يشتغل على التوعية والاستباق وتفسير المخاطر.

وقد تناولت المداخلة ثلاث مراحل مترابطة لتغطية الكوارث: ما قبل الكارثة، وأثناءها، وما بعدها؛ من التوعية ومتابعة الجاهزية والتحذير، إلى تقديم المعلومات الدقيقة خلال الحدث، ثم الانتقال بعد الكارثة إلى التحقيق والمساءلة ومتابعة التعافي وإعادة الإعمار. وهو ما يتوافق مع ما أوردته تقارير المؤتمر حول ضرورة اعتبار الإعلام شريكًا في مراحل الوقاية والاستعداد والاستجابة والتعافي.

وتؤكد الصحافية مبروكة خذير، الرئيسة المديرة التنفيذية لمنصة كوسموس ميديا، أن الدور الحقيقي للإعلام في مواجهة الكوارث لا يبدأ عند وقوعها، وإنما قبل ذلك بوقت طويل، معتبرة أن الإنذار المبكر يبدأ أساسًا من بناء جسور مستمرة بين أهل الاختصاص والجمهور، وإنشاء تشبيك حقيقي بين خبراء البيئة والمناخ والباحثين والصحافيين والمنصات الإعلامية. وتقول خذير في تصريح لـكوسموس ميديا إن «الإنذار المبكر ليس مجرد رسالة تصدر قبل ساعات من وقوع الخطر، بل هو مسار طويل من التوعية وبناء المعرفة والثقة، يبدأ عندما يلتقي الخبير في المناخ والبيئة بالصحافي، ويستطيع هذا الأخير أن يحول المعرفة العلمية إلى قصة ومعلومة واضحة تصل إلى المواطن عبر المنصات التي يتابعها يوميًا». وترى أن الإعلام المتخصص في البيئة والمناخ لم يعد ترفًا أو مساحة هامشية داخل المؤسسات الإعلامية، بل أصبح ضرورة، لأن المخاطر التي يعيشها المجتمع اليوم ترتبط بشكل مباشر بتغير المناخ وندرة المياه والفيضانات والحرائق والجفاف وتدهور النظم البيئية، وهي قضايا تحتاج إلى متابعة يومية لا إلى تغطية موسمية مرتبطة فقط بوقوع الكارثة. وتضيف: «نحن بحاجة إلى مؤسسات إعلامية تجعل البيئة أولوية ثابتة في خطها التحريري، تتابع المؤشرات وتطرح الأسئلة قبل الأزمة، وتشرح للناس ما الذي يحدث حولهم ولماذا، لأن الصحافة البيئية المتخصصة يمكن أن تقوم بوظيفة وقائية حقيقية؛ فهي التي تصنع الوعي قبل الخطر، وتبني الثقة بين الخبير والجمهور، وتحوّل المعلومة العلمية إلى معرفة يمكن أن تحمي حياة الناس». وترى خذير أن تجربة كوسموس ميديا تنطلق تحديدًا من هذا الرهان، أي صناعة إعلام بيئي حاضر كل يوم، لا يظهر فقط عندما تقع الكارثة، بل يعمل على تفسير البيئة والمناخ وجعل مخاطرهما جزءًا من النقاش العام ومن أولويات المجتمع وصانع القرار.

منصة كوسموس ميديا في مؤتمر دور الإعلام في إدارة الأزمات والكوارث بدرنة

من الصورة إلى الفيلم… كيف تتحول الكارثة إلى ذاكرة؟

ومن زاوية مختلفة، أخذ النقاش في المؤتمر إلى مساحة الصورة الطويلة النفس، مع مداخلة الأستاذ فضيل السليماني حول «إسهامات صناع الأفلام الوثائقية في تعزيز الوعي المجتمعي أثناء الأزمات والكوارث: دراسة ميدانية»، وهي زاوية فتحت النقاش على الوظيفة التي يمكن أن يؤديها الفيلم الوثائقي عندما تتجاوز الكارثة لحظة الحدث وتتحول إلى تجربة إنسانية واجتماعية تحتاج إلى التوثيق والفهم وإعادة القراءة. فالفيلم الوثائقي، كما برز من خلال المداخلة، لا ينافس التغطية الإخبارية في سرعتها، لكنه يمتلك قدرة مختلفة على الاقتراب من التفاصيل، والعودة إلى الشهادات، وتتبع آثار الكارثة على الإنسان والمكان، وربط ما وقع بالأسباب والنتائج وما تغير بعد ذلك. وفي تصريح لـكوسموس ميديا، يقول الأستاذ فضيل السليماني إن «صانع الفيلم الوثائقي لا يدخل إلى منطقة الكارثة فقط ليصور ما يحدث، وإنما ليحاول أن يفهمه وأن ينقله إلى المجتمع في صورة أكثر عمقًا، تسمح للناس برؤية الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للمأساة، وتمنح الناجين مساحة للتعبير عن تجاربهم وشهاداتهم». ويضيف أن قيمة الفيلم الوثائقي في الأزمات تكمن في قدرته على تحويل اللحظة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي جماعي، معتبرًا أن الصورة الوثائقية تستطيع أن تواصل العمل حتى بعد أن تتوقف العناوين العاجلة عن الحديث عن الكارثة، لأنها تعود إلى المكان وتسأل عما حدث، وكيف عاش الناس الأزمة، وما الذي تغير في حياتهم، وما الذي يجب أن يتعلمه المجتمع منها. ويشدد السليماني على أن «الفيلم الوثائقي يمكن أن يكون أداة للتوعية والوقاية أيضًا، لأنه عندما يكشف مظاهر الهشاشة، ويستمع إلى الخبراء والمتضررين، ويضع الوقائع في سياقها، فإنه يساعد الجمهور على فهم المخاطر وليس فقط مشاهدة نتائجها»، مؤكدًا أن صناع الأفلام الوثائقية مطالبون بالجمع بين الحس الإنساني والانضباط المهني، واحترام كرامة الضحايا وعدم تحويل الألم إلى مادة استعراضية، لأن الصورة في زمن الكارثة تحمل مسؤولية أخلاقية بقدر ما تحمل قيمة توثيقية. ومن هنا، كما خلصت المداخلة، يصبح الفيلم الوثائقي جزءًا من منظومة الوعي المجتمعي أثناء الأزمات وبعدها، ووسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية، وفتح النقاش حول أسباب الكارثة، واستخلاص الدروس، ودفع المجتمع إلى الاستعداد لما قد يأتي بعد ذلك.

يومان من الحوار والتشبيك… نحو إعلام بيئي ومناخي أكثر حضورًا وتأثيرًا

من الإعلام إلى “هندسة الاتصال”

ومن بين أكثر المفاهيم التي فرضت نفسها خلال يومي المؤتمر، برز مفهوم «هندسة الاتصال أثناء الكوارث»، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم الدور الحقيقي للإعلام في لحظات الخطر. فالمعلومة، مهما كانت صحيحة ودقيقة، لا تصبح بالضرورة معلومة منقذة، ما لم تصل في اللحظة المناسبة، إلى الشخص المناسب، وبالطريقة واللغة اللتين تمكنانه من فهمها والتصرف على أساسها. ففي لحظة الكارثة لا يكفي أن نقول للمواطن إن هناك خطرًا يقترب، بل يجب أن نجيبه فورًا عن الأسئلة التي تبدأ بها غريزيًا عملية البحث عن النجاة: أين الخطر؟ متى يمكن أن يصل؟ إلى أين أذهب؟ ما الطريق الآمن؟ ماذا أفعل لأحمي أطفالي؟ وأين أجد المساعدة؟ هنا تحديدًا تتحول الرسالة الإعلامية من مجرد نقل خبر إلى توجيه سلوك، ومن إدارة للمعلومة إلى إدارة للاستجابة المجتمعية. فالمعلومة الناقصة، مهما بدت صحيحة، قد تكون عاجزة عن حماية أحد، بينما المعلومة الواضحة والمبسطة والموجهة في الوقت المناسب يمكن أن تصنع فارقًا حقيقيًا بين الارتباك والقرار، وبين الخوف والفعل. ولهذا فإن إدارة الاتصال أثناء الكوارث لا يمكن أن تُختزل في البيانات والبلاغات العاجلة، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تحدد من يتحدث، وماذا يقول، ومتى يقول، وكيف تصل الرسالة إلى مختلف فئات المجتمع، بما في ذلك أولئك الذين قد لا يتابعون القنوات التقليدية. ففي زمن الأزمة، لا يُقاس نجاح الإعلام فقط بمدى سرعة وصول الخبر، وإنما بقدرته على تحويل المعلومة إلى فهم، والفهم إلى سلوك، والسلوك إلى حماية وصمود.

خالد اسبيتة: أهم مخرجات اليومين ليست التوصيات فقط… بل الشبكة التي تشكلت

في ختام المؤتمر، وضع الدكتور خالد اسبيتة، رئيس اللجنة العلمية للمؤتمر، النقاش في إطاره العملي، معتبرًا أن أهم ما تحقق خلال اليومين لم يكن فقط عرض عشرات البحوث والمداخلات، وإنما خلق مساحة حقيقية للتبادل والتشبيك بين الصحافيين والإعلاميين والأكاديميين والخبراء.

وفي حديث لـكوسموس ميديا، يقول اسبيتة: «من أهم مخرجات هذا المؤتمر أننا جمعنا في مكان واحد الصحافي والباحث والخبير في البيئة والمناخ والمتخصص في إدارة الأزمات، وهذا التشبيك مهم جدًا، لأن الكوارث لا يمكن أن تواجهها مؤسسة واحدة، والإعلام لا يمكن أن يعمل بمعزل عن الجامعات ومراكز البحث والجهات المختصة».

ويضيف: «نحن نحتاج إلى أن تتحول هذه العلاقات التي تشكلت خلال يومي المؤتمر إلى مشاريع وبرامج عمل مستمرة: تدريب، تبادل خبرات، إنتاج إعلامي، أبحاث مشتركة، وتطوير أدوات تساعد الإعلاميين على فهم المخاطر والاستعداد لها قبل وقوعها».

ويؤكد أن التوصيات التي خرج بها المؤتمر يجب أن تُقرأ باعتبارها خريطة عمل وليست مجرد خاتمة إدارية لفعالية علمية.

وقد دعت التوصيات بالفعل إلى اعتبار الإعلام شريكًا أساسيًا في إدارة الأزمات، وإنشاء آليات إعلامية مشتركة، وتطوير الإنذار المبكر، وتعزيز التحقق، وتدريب الصحافيين، وإنتاج محتوى استباقي، وربط الإعلام بالجامعات ومراكز البحث وفرق الإنقاذ، فضلًا عن اعتماد صحافة الحلول والتحقيقات القائمة على الأدلة في مرحلة ما بعد الكارثة.

حين تلتقي الخبرة الأكاديمية بالممارسة الصحفية في قلب درنة

الكارثة لا تنتهي عندما تتوقف المياه

ولعل من أهم الدروس التي حملها المؤتمر أن الكارثة لا تنتهي بمجرد توقف الأمطار، أو انحسار المياه، أو انتهاء الساعات الأولى من عمليات البحث والإنقاذ؛ فما إن تهدأ الفوضى الأولى حتى تبدأ مرحلة أخرى، أكثر هدوءًا في ظاهرها لكنها لا تقل قسوة وأهمية: مرحلة استعادة الذاكرة، والبحث عن الحقيقة، وطرح الأسئلة، ومساءلة من يتحمل المسؤولية، ومراقبة مسار إعادة البناء، ثم التأكد من أن الأخطاء التي ساهمت في تعميق المأساة لن تعود لتتكرر في الكارثة المقبلة. وهنا لا تتراجع أهمية الصحافة، بل تتضاعف، لأن الخبر العاجل الذي يقول إن المياه اجتاحت المدينة أو إن أحياءً كاملة غمرتها السيول قد ينتهي مفعوله بعد ساعات، بينما يبدأ التحقيق الحقيقي من الأسئلة التي لا يجيب عنها الخبر العاجل: هل كانت هناك تحذيرات قبل وقوع الكارثة؟ ومن تلقاها؟ وهل وصلت إلى السكان في الوقت المناسب؟ ومن كان يعلم بحجم الخطر؟ وما الذي كان بالإمكان فعله لتقليل الخسائر؟ وأين تعطلت منظومة الاستجابة؟ ولماذا انهارت بعض البنى أو فشلت في الصمود؟ ثم، بعد مرور السنوات، يبقى السؤال الأكثر أهمية: ماذا تغير فعلًا؟ وهل أصبحت المدينة أكثر استعدادًا لمواجهة خطر جديد؟ تلك هي الصحافة التي تتجاوز تسجيل المأساة إلى تفكيك أسبابها ومتابعة آثارها، والتي تستطيع أن تجعل من الكارثة درسًا عامًا لا مجرد ذكرى مؤلمة. ومن هذا المنطلق جاءت توصيات المؤتمر لتمنح صحافة الحلول والتحقيقات القائمة على الأدلة مكانة أساسية في مرحلة ما بعد الكارثة، بما يفرض على وسائل الإعلام متابعة أسباب ما حدث، ورصد أوجه القصور وتحديد المسؤوليات، ومراقبة جهود التعافي وإعادة الإعمار، لاكتشاف ما إذا كانت الدروس قد تحولت فعلًا إلى إجراءات، وما إذا كانت المأساة قد أنتجت تغييرًا حقيقيًا يمكن أن يحمي الناس من تكرارها.

إعادة إعمار درنة… هل نبني ما تهدّم أم نبني مدينة تستعدّ لمناخ الغد؟

 

وفي قلب هذا النقاش، لم تغب مسألة إعادة الإعمار في ليبيا، باعتبارها واحدة من أكثر الملفات ارتباطًا بما بعد الكارثة، ليس فقط من زاوية إعادة ما تهدّم، وإنما من زاوية السؤال الأهم: كيف نعيد البناء، وأي مدينة نريد أن نبني في ظل عالم تتغير فيه طبيعة المخاطر المناخية؟ فإعادة الإعمار لا يمكن أن تكون مجرد استعادة لما كان قائمًا قبل الكارثة، لأن ذلك يعني، في بعض الحالات، إعادة إنتاج نقاط الضعف نفسها التي جعلت الخسائر أكبر. ومن درنة تحديدًا، برزت الحاجة إلى التفكير في إعادة إعمار تأخذ في الاعتبار المعطيات المناخية الجديدة، وطبيعة المخاطر المرتبطة بالفيضانات والسيول والظواهر الجوية المتطرفة، وتدمج مفاهيم الوقاية والمرونة والتكيف مع المناخ في التخطيط العمراني والبنية التحتية.

وفي تصريح لـكوسموس ميديا، يقول الدكتور طارق سلامة، وكيل ديوان بلدية درنة: “إعادة الإعمار بالنسبة إلى درنة لا تعني فقط أن نبني ما تهدم، وإنما أن نستفيد من الدروس التي خلفتها الكارثة وأن ننظر إلى المستقبل، لأن العالم اليوم يشهد تحولات مناخية ومخاطر طبيعية لا يمكن تجاهلها في أي عملية تخطيط أو بناء. المطلوب هو إعادة إعمار أكثر وعيًا بالمخاطر، وأكثر قدرة على الصمود، وأن تكون البنية التحتية والمدن الجديدة أو المعاد بناؤها متماشية مع الحيثيات المناخية التي يطرحها العالم اليوم”».

ويؤكد سلامة أن مرحلة ما بعد الكارثة يجب أن تكون فرصة لمراجعة السياسات والمعايير السابقة، وإدماج البعد البيئي والمناخي في مشاريع الإعمار، بما يضمن ألا تتحول عملية البناء إلى مجرد استعادة للماضي، وإنما إلى تأسيس لمدن أكثر أمانًا وقدرة على مواجهة المستقبل. فالمعادلة، كما كشفتها تجربة درنة، لم تعد فقط كيف نعيد بناء ما هدمته الكارثة؟ وإنما كيف نبني بطريقة تقلل من احتمال أن تتحول الكارثة المقبلة إلى مأساة جديدة.

من تجربة إعصار دانيال إلى البحث عن إعلام أكثر جاهزية وصمودًا

يومان في درنة… لكن الأسئلة أبعد من درنة

عندما أسدل الستار على المؤتمر مساء السادس من أكتوبر، لم تكن الإجابة عن السؤال الرئيسي مكتملة، وربما لم يكن الهدف أصلًا الوصول إلى إجابة نهائية.

فالأسئلة التي طرحت في المسرح الوطني بدرنة أكبر من أن تختصرها ورقة أو توصية.

هل نملك إعلامًا يستطيع التحذير قبل الكارثة؟

هل يعرف الصحافي كيف يقرأ خريطة مناخية؟

هل يستطيع المواطن التمييز بين التحذير والإشاعة؟

هل توجد جهة رسمية واحدة يتلقى منها الصحافي المعلومات؟

هل توجد منظومة إنذار تصل إلى الناس في الوقت المناسب؟

هل الجامعات ومراكز البحث جزء فعلي من منظومة الاستجابة؟

هل يتم تدريب الصحافيين على العمل في مناطق الكوارث؟

هل نحترم الضحايا عندما نصورهم؟

وهل نملك الشجاعة الصحفية الكافية للعودة إلى الكارثة بعد انتهائها، وطرح السؤال عن الأسباب والمسؤوليات؟

هذه الأسئلة هي التي تجعل مؤتمر «دور الإعلام في إدارة الأزمات والكوارث» أكثر من مجرد لقاء علمي.

فدرنة لم تكن قاعة للمؤتمر فقط.

كانت أيضًا جزءًا من الإجابة.

مدينة شهدت الكارثة، ثم تحولت إلى مساحة للتفكير في كيفية مواجهتها مستقبلًا.

قبل أن تهب العاصفة…

في نهاية يومين من النقاش في درنة، ربما كانت الرسالة الأكثر وضوحًا أن الإعلام الذي نحتاجه في مواجهة الكوارث لا يمكن أن يكون ذلك الذي يظهر بالكاميرا فقط عندما تجرف المياه الشوارع وتبدأ الخسائر في الظهور، بل الإعلام الذي يكون حاضرًا قبل ذلك بأسابيع وشهور، يراقب مؤشرات الخطر، يتابع التحذيرات، يسأل عن مدى جاهزية البنية التحتية، يضع الخبراء والعلماء أمام الجمهور، ويفكك المعلومات المعقدة ليشرح للمواطن ببساطة ماذا يمكن أن يحدث وماذا ينبغي عليه أن يفعل. نحن بحاجة إلى إعلام يفهم المناخ قبل أن يكتفي بوصف آثاره، ويقرأ الأرقام قبل أن ينشرها، ويميز بين التحذير الحقيقي والشائعة، ويعرف أن الصورة التي توثق المأساة يمكن أن تتحول في لحظة إلى انتهاك لكرامة إنسان يعيش أقسى لحظات حياته. ونحتاج قبل كل شيء إلى صحافي يدرك أن السبق الصحفي لا يعني دائمًا أن يكون أول من ينشر، وإنما أن يكون أول من يفهم ويتحقق ويفسر، لأن المعلومة غير الدقيقة قد تنتشر في دقائق، لكن آثارها قد تستمر طويلًا.

وفي المقابل، لا يمكن أن تقوم هذه المهمة من دون جامعات ومراكز بحث تفتح أبوابها أمام الإعلام، وخبراء قادرين على تحويل المعرفة العلمية إلى لغة يفهمها الناس، ومؤسسات رسمية تدرك أن ترك فراغ معلوماتي في لحظة الخطر يمكن أن يكون خطرًا في حد ذاته، ومنصات إعلامية تؤمن بأن البيئة والمناخ لا ينبغي أن يكونا ملفًا موسميًا يُستدعى فقط عندما تقع فيضانات أو تشتعل الحرائق، وإنما أولوية تحريرية يومية تتابع التحولات وتكشف المخاطر وتبني وعيًا عامًا قادرًا على الاستعداد. في درنة، لم يكن السؤال الذي جمع المشاركين طوال يومين فقط: كيف غطينا إعصار دانيال؟ بل كان السؤال الذي ظل أكثر إلحاحًا: ماذا تعلمنا من دانيال؟ وهل نستطيع أن نحول هذا التعلم إلى معرفة وإجراءات واستعداد قبل أن تصل العاصفة المقبلة؟ فالكارثة المقبلة، إن جاءت، قد لا تمنحنا المساحة نفسها للتفكير ولا الوقت نفسه للتحرك، لكن الإعلام يستطيع أن يبدأ من الآن، من قصة استباقية، ومن تحقيق، ومن تحذير مفهوم، ومن معلومة موثوقة، ومن شراكة حقيقية بين الصحافي والعالم والجامعة والمؤسسة والمجتمع… قبل أن تهب العاصفة.

زر الذهاب إلى الأعلى