سليديرمقالات

من التصميم إلى التنفيذ: كيف تتحول الاستدامة إلى واقع في المشاريع؟

سارة صميدة– مهندسة معمارية مختصة في البناء الاخضر و معتمدة من مجلس البناء الأخضر الامريكي – كوسموس ميديا 

 

جلسة في مؤتمر Greenbuild 2026 بنيويورك تسلط الضوء على دور التخطيط الاستراتيجي والتمويل والشراكات في إنجاح مشاريع البناء المستدام، مع التأكيد على ضرورة دمج المعايير البيئية في مختلف مراحل المشروع، من التصميم إلى التنفيذ والتشغيل.

في إطار فعاليات مؤتمر ومعرض Greenbuild International Conference & Expo 2026، المنعقد في نيويورك، ناقشت جلسة بعنوان «جعل المشاريع قابلة للتنفيذ: الربط بين التصميم والتطوير والإنجاز» التحديات التي تواجه تحويل الطموحات المتعلقة بالاستدامة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ والتمويل، وقادرة على تحقيق نتائج بيئية واقتصادية واجتماعية ملموسة.

وسعت الجلسة إلى الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن الانتقال من وضع أهداف طموحة للاستدامة في مرحلة التصميم إلى تنفيذها فعلياً، في ظل قيود الميزانية، ومتطلبات السوق، وتحديات التوريد، وتعدد الأطراف المشاركة في المشروع؟

ومن خلال عرض تجارب في التطوير العقاري واسع النطاق، والإسكان الميسور التكلفة، ومواد البناء، والبنية التحتية، أبرز المتحدثون أن نجاح المشاريع المستدامة لا يعتمد على الحلول التقنية وحدها، بل يرتبط أيضاً بوضوح الرؤية الاستراتيجية، وفعالية الحوكمة، والتنسيق المبكر بين المصممين والمطورين والمقاولين والموردين والممولين.

الاستدامة تبدأ من الاستراتيجية المؤسسية

أظهرت إحدى التجارب المعروضة أهمية دمج الاستدامة في صلب استراتيجية المؤسسات، بدلاً من التعامل معها باعتبارها مجموعة من المبادرات المنفصلة أو الشهادات التي يتم السعي إلى الحصول عليها بعد اكتمال التصميم.

وتناولت التجربة مشروعاً عقارياً متعدد الاستخدامات، باستثمارات تبلغ عدة مليارات من الدولارات، يمتد على مساحة تقارب 1.6 مليون متر مربع، ويضم مساحات مبنية فوق الأرض وتحتها.

ورغم إدماج الاستدامة في المخطط العام للمشروع منذ البداية، فإن بعض متطلبات شهادات البناء الأخضر ظهرت بصورة متفرقة، نتيجة مبادرات فردية من المعماريين، دون وجود إطار مؤسسي موحد يضمن تطبيقها على جميع مكونات المشروع.

ومع تغير ملكية المشروع، اعتمد المطور استراتيجية مؤسسية للاستدامة، أقرها مجلس الإدارة استجابة لتوجهات المساهمين، ثم جرى تحويلها إلى إرشادات تصميم وموجزات للمشاريع ومواصفات فنية ملزمة.

وقد ساهم هذا التحول في جعل متطلبات الاستدامة جزءاً أساسياً من عملية اتخاذ القرار، وتطبيقها على مختلف الأصول والمراحل، بدلاً من تركها لاجتهادات الفرق العاملة أو للقرارات المتخذة في مراحل متأخرة.

وتكشف هذه التجربة أن الاستدامة تصبح أكثر قابلية للتحقيق عندما تتحول من طموح عام إلى سياسة مؤسسية واضحة، مدعومة بآليات تنفيذ ومتابعة ومساءلة.

الإسكان الميسور والمباني الخضراء: معادلة ممكنة

تناولت الجلسة أيضاً تجربة مطور يعمل في مجال الإسكان، تشمل محفظته أكثر من 270 ألف وحدة سكنية موزعة على 21 مدينة، معظمها ضمن برامج الإسكان الميسور التكلفة والخاضع لقيود سعرية صارمة.

وفي هذا السياق، عرض المتحدثون نموذجاً لمشروع سكني في مدينة كولومبية تتميز بمساحاتها الخضراء، حيث جرى دمج الوحدات السكنية ضمن بيئة طبيعية تحيط بها المساحات المشجرة، مع الحفاظ على الحدائق ومناطق المحميات الطبيعية.

وانطلقت التجربة من مبدأ أساسي مفاده أن الحق في السكن الملائم لا ينبغي أن ينفصل عن الحق في بيئة صحية ومساحات خضراء تتيح للسكان ممارسة الأنشطة الخارجية وقضاء الوقت مع أسرهم.

كما شدد المطور على اعتماد الاستدامة وشهادات البناء الأخضر في مختلف مشاريعه، مع توحيد التصاميم والمعايير كلما أمكن، بهدف تسهيل التطبيق على نطاق واسع.

وتبرز هذه التجربة أن الإسكان الميسور والاستدامة ليسا بالضرورة هدفين متعارضين. فمن خلال توحيد الحلول، وتحسين التخطيط، وإدماج المتطلبات البيئية منذ البداية، يمكن توسيع نطاق تطبيق الممارسات المستدامة مع مراعاة القيود الاقتصادية.

كما يمكن أن يساعد هذا النهج على تعزيز جاذبية المشاريع وتسريع تسويقها، وتحسين فرص الوصول إلى التمويل الأخضر، بما يدعم استمرارية النموذج الاقتصادي للمطور.

مواد البناء منخفضة الكربون: من المنتج إلى أداء المبنى

احتلت مواد البناء محوراً مهماً في النقاش، خاصة في ظل الحاجة إلى تقليل الكربون المتجسد في المباني، أي الانبعاثات المرتبطة باستخراج المواد وتصنيعها ونقلها وعمليات إنشائها.

وعرض أحد المتحدثين تجربة شركة تنشط في إنتاج الأسمنت والركام والخرسانة الجاهزة، إلى جانب حلول أغلفة المباني، بما يشمل أنظمة الأسقف والعزل والمواد المانعة للتسرب.

وقد ركزت التجربة على تطوير منتجات ذات أثر كربوني أقل، مثل أنواع الأسمنت والخرسانة منخفضة الكربون، مع الاستعانة بالإعلانات البيئية للمنتجات (EPDs) الصادرة عن جهات مستقلة لدعم حسابات الكربون لدى العملاء.

وتكتسب هذه الإعلانات أهمية خاصة لأنها توفر بيانات بيئية موثقة تساعد المعماريين والمهندسين والمطورين على مقارنة المنتجات واتخاذ قرارات شراء أكثر استنارة.

كما تناولت التجربة أنظمة الأسقف المصممة لتحسين الأداء التشغيلي، وتعزيز انعكاس أشعة الشمس، والحد من تأثير الجزر الحرارية الحضرية.

وقدم المتحدثون نموذجاً لمصنع جديد يجمع بين استخدام خلطات خرسانية مبتكرة منخفضة الكربون ونظام أسقف عالي الكفاءة، في إشارة إلى إمكانية الجمع بين خفض الأثر البيئي وتحسين أداء المباني.

وتؤكد هذه الأمثلة أن اختيار المواد المستدامة لا ينبغي أن يتم بمعزل عن بقية عناصر المشروع، بل ضمن رؤية متكاملة تراعي دورة حياة المبنى، والأداء التشغيلي، والمتطلبات الصحية والبيئية.

البنية التحتية والتمويل: الاستدامة كاستثمار طويل الأجل

امتد النقاش إلى مشاريع البنية التحتية، من خلال تجربة شركة إقليمية انتقلت من التركيز على تنفيذ الأشغال إلى تشغيل الأصول على المدى الطويل، عبر عقود الامتياز والشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وقد أدى هذا التحول إلى زيادة أهمية قياس الأداء المستدام وإدارته عبر محاور متعددة، تشمل خفض الانبعاثات الكربونية، واستعادة النظم البيئية، والتمويل، والحوكمة.

وأظهرت التجربة أن التكلفة الأولية قد تشكل عائقاً أمام اعتماد الحلول المستدامة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواد مثل الخرسانة منخفضة الكربون. ففي البداية، هيمنت المخاوف المتعلقة بالتكلفة على مناقشات الإدارة، لكن نجاح تطبيق حلول منخفضة التكلفة نسبياً ساعد على تعزيز اهتمام المؤسسات المالية وصناديق الاستثمار.

كما أبرزت التجربة أهمية القرارات المؤسسية الحاسمة في ترسيخ الاستدامة. ففي إحدى الحالات، أدى قرار داخلي باستبعاد بعض العناصر المستدامة من مشروع إلى مراجعة شاملة لسياسة الشركة، انتهت باعتماد قاعدة تقضي بأن تتضمن جميع مشاريع الإسكان عناصر مستدامة وأن تخضع للشهادات المناسبة.

ويعكس ذلك تحولاً في النظرة إلى الاستدامة، من اعتبارها تكلفة إضافية يمكن الاستغناء عنها إلى التعامل معها بوصفها جزءاً من نموذج الأعمال وإدارة المخاطر والقيمة طويلة الأجل.

لماذا تتراجع الاستدامة أثناء التنفيذ؟

من أبرز التحديات التي ناقشتها الجلسة الفجوة بين مرحلة التصميم ومرحلة التنفيذ، حيث قد تتعرض الالتزامات البيئية لضغوط مرتبطة بالميزانية، أو بتأخر قرارات شراء المواد، أو بتغير الموردين، أو بمحاولات خفض التكاليف خلال تنفيذ المشروع.

وقد تؤدي هذه الضغوط إلى استبعاد بعض الحلول المستدامة أو استبدال مواد مختارة ببدائل أقل أداءً، بما يضعف الأهداف التي جرى تحديدها في البداية.

ولمواجهة هذه التحديات، اقترح المشاركون اعتماد مجموعة من الإجراءات العملية، من بينها:

* تحديد الأهداف مبكراً: إدماج متطلبات الاستدامة منذ مرحلة المفهوم والتصميم الأولي، قبل تثبيت القرارات الأساسية المتعلقة بالميزانية والمواد.

* اعتماد مواصفات قائمة على الأداء: التركيز على النتائج المطلوبة، مثل كفاءة الطاقة وخفض الكربون والمتانة، بدلاً من الاكتفاء بوصفات تقنية جامدة.

* تعزيز الحوكمة: إنشاء لجان مختصة بالاستدامة وتحديد المسؤوليات ومؤشرات الأداء، بما يضمن متابعة الالتزامات خلال جميع مراحل المشروع.

* ربط التمويل بالاستدامة: إدماج متطلبات بيئية واضحة ضمن أطر التمويل، بما في ذلك تحديد الممارسات أو الحلول التي لا تتوافق مع أهداف المشروع.

* إشراك الموردين والمقاولين مبكراً: تمكينهم من فهم المتطلبات وتقييم الحلول المتاحة وتقديم البدائل المناسبة قبل اتخاذ القرارات النهائية.

* تطوير قدرات فرق العمل: توفير التدريب والتوعية للموردين والمستأجرين والفرق الفنية والإدارية، لضمان فهم الأهداف وتحويلها إلى ممارسات يومية.

وشدد المتحدثون على أن اتخاذ هذه الإجراءات في وقت مبكر يقلل مخاطر التغييرات المتأخرة التي قد ترفع التكاليف أو تعطل التنفيذ أو تؤثر في جودة المشروع.

التمويل الأخضر والشراكات: محفزان للتحول

أكدت الجلسة أهمية التمويل المرتبط بالاستدامة في توجيه الاستثمارات نحو المشاريع التي تحقق أداءً بيئياً أفضل.

وفي هذا الإطار، يمكن للأطر التمويلية المستدامة والمعايير البيئية الواضحة أن تساعد على تحديد التوقعات، وتعزيز ثقة المستثمرين، وتوجيه رأس المال نحو حلول أقل تأثيراً على البيئة.

كما أشار المشاركون إلى أهمية مواكبة تطور القوانين والمعايير، وتعزيز التنسيق بين الجهات التنظيمية والمطورين والمؤسسات المالية والموردين.

ومن بين التوصيات الأساسية ضرورة بناء الشراكات في مراحل مبكرة، حتى لا تتحول المتطلبات البيئية إلى عوائق مفاجئة أمام التنفيذ، بل تصبح جزءاً من التخطيط والميزانية واستراتيجية التوريد.

نجاح المشروع المستدام يبدأ قبل وضع حجر الأساس

تخلص الجلسة إلى أن نجاح المشاريع المستدامة لا يرتبط فقط بجودة التصميم أو توفر التقنيات والمواد الصديقة للبيئة، بل بقدرة مختلف الأطراف على العمل ضمن رؤية مشتركة، وتحويل الأهداف إلى متطلبات واضحة قابلة للتطبيق والقياس.

وتؤكد التجارب المعروضة أن دمج الاستدامة في استراتيجية المؤسسة، وتوحيد المعايير، وإشراك الموردين والممولين مبكراً، واعتماد الحوكمة الفعالة، كلها عوامل تساعد على حماية الالتزامات البيئية من ضغوط التنفيذ والتكاليف قصيرة الأجل.

كما تُظهر أن الإسكان الميسور والبنية التحتية والتطوير العقاري يمكن أن تشكل مجالات مهمة لتوسيع نطاق البناء المستدام، متى جرى التخطيط لها بمنهجية تراعي الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية.

فالاستدامة الحقيقية لا تتحقق بمجرد تصميم مبنى أخضر، بل ببناء منظومة متكاملة تضمن بقاء أهدافه البيئية حاضرة في قرارات التمويل والشراء والتنفيذ والتشغيل.

زر الذهاب إلى الأعلى