أيمن دغسني –كوسموس ميديا – قابس
في مدينة كانت الواحة عنوان هويتها، والبحر امتدادًا لذاكرتها، والتنوع البيئي أحد أبرز ملامحها، اجتمع روائيون ونقاد وباحثون لطرح سؤال يتجاوز حدود الكتابة والإبداع: هل تستطيع الرواية أن تكون صوتًا للطبيعة في زمن الأزمات البيئية؟ وهل يمكن للأدب أن يسهم في تغيير نظرة الإنسان إلى الأرض التي يعيش عليها؟
من هذه الأسئلة انطلقت فعاليات الدورة الخامسة من احتفائية الرواية التونسية، التي احتضنتها ولاية قابس تحت شعار «الرواية الخضراء: تحوّلات السرد وأسئلة البيئة»، في إطار «ملتقى الرواية الخضراء»، الذي نظّمه بيت الرواية بالشراكة مع المكتبة الجهوية بقابس، وبإشراف وزارة الشؤون الثقافية.
ملتقى لم يقتصر على الاحتفاء بالرواية بوصفها جنسًا أدبيًا، بل سعى إلى استكشاف آفاق جديدة للكتابة السردية، من خلال مساءلة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، واستحضار التحولات المناخية والاختلالات البيئية التي باتت تؤثر في حياة المجتمعات ومصائرها.
ولعلّ اختيار قابس لاحتضان هذه التظاهرة لم يكن مجرد اختيار جغرافي، بل حمل دلالات بيئية ورمزية عميقة، في مدينة تختزل في جغرافيتها وتاريخها جانبًا من التناقضات التي يعيشها الإنسان المعاصر بين متطلبات التنمية وحقه في بيئة سليمة.
قابس… حين تتحوّل المدينة إلى رواية بيئية مفتوحة
ليست قابس مجرد فضاء يحتضن النقاش حول الأدب البيئي، بل تبدو في حد ذاتها نصًا مفتوحًا على أسئلة البيئة والذاكرة والهوية.
فهذه المدينة التي يتعانق فيها البحر والواحة والجبل، وتختزن تاريخًا طويلًا من التفاعل بين الإنسان والماء والنخيل والتربة، تواجه منذ عقود تحديات بيئية مرتبطة بالتلوث الصناعي والضغط على الموارد الطبيعية والتحولات التي طالت محيطها البيئي.
وفي هذا السياق، يكتسب الحديث عن «الرواية الخضراء» معنى يتجاوز التأمل في جمال الطبيعة، ليصبح محاولة لفهم ما يحدث حين تتغير ملامح المكان، وحين تتحول البيئة من مصدر للحياة إلى مصدر للقلق والخوف على المستقبل.
هذا البعد الرمزي لاحتضان قابس الملتقى عبّرت عنه الروائية عفيفة سعودي السميطي، خلال حديثها لكوسموس ميديا ، و التي اعتبرت أن اختيار المدينة يمنح الندوة دلالتها الأعمق، قائلة: «لعلّ اختيار قابس لاحتضان هذه الندوة يمنحها دلالتها الأبلغ؛ فهنا لا تُطرح البيئة بوصفها موضوعًا للتخييل فحسب، بل بوصفها جرحًا مفتوحًا في جسد المدينة».
وتذهب السميطي أبعد من ذلك، حين تطرح سؤالًا يتصل بمسؤولية المثقفين والكتّاب تجاه القضايا البيئية، متسائلة: «وحين تلتقي أصوات الكتّاب حول مدينة جريحة، لا يعود السؤال: من يملك حقّ الحديث باسمها؟ بل: ماذا تستطيع أصواتنا مجتمعة أن تفعل من أجلها؟».
وتختزل الروائية هذا الموقف في عبارة لافتة: «فليس المطلوب أن تصبح قابس موضوعًا للرواية الخضراء فحسب، بل أن تستعيد خضرتها خارج الرواية».
وهو موقف يضع الإبداع الأدبي أمام مسؤولية تتجاوز تشخيص الأزمات إلى المساهمة في تشكيل وعي جماعي بها، ويطرح في الوقت نفسه حدود قدرة الثقافة على التأثير في واقع بيئي تتداخل فيه الخيارات الاقتصادية والسياسات العمومية والحقوق الأساسية للسكان.
من الطبيعة بوصفها ديكورًا إلى البيئة بوصفها قضية إنسانية
لوقت طويل، حضرت الطبيعة في العديد من الأعمال الروائية باعتبارها خلفية للأحداث، أو فضاءً جماليًا تتحرك داخله الشخصيات، أو عنصرًا رمزيًا يعكس مشاعر الإنسان وتحولاته النفسية.
غير أن تصاعد الأزمات البيئية، من تغير المناخ والتصحر وندرة المياه إلى تلوث الهواء والبحار وتراجع التنوع البيولوجي، دفع إلى إعادة التفكير في موقع الطبيعة داخل النص الأدبي.
فلم تعد الأشجار والأنهار والجبال والواحات مجرد عناصر وصفية، بل بات بالإمكان النظر إليها بوصفها مكونات فاعلة في بناء الحكاية، وفي تشكيل المصائر الفردية والجماعية.
ومن هذا المنطلق، يبرز مفهوم «الأدب البيئي» باعتباره توجهًا إبداعيًا ونقديًا يهتم بالعلاقة المعقدة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، ويطرح أسئلة تتصل بالانتماء إلى المكان، والحق في الموارد، والعدالة البيئية، والذاكرة الجماعية.
وقد شكّلت هذه المقاربة أحد المحاور الأساسية للنقاشات الفكرية التي احتضنها الملتقى، حيث تناول المشاركون حضور الطبيعة في المتن الروائي، وتحولات المكان في السرد، وتمثلات الأزمات البيئية في الكتابة الإبداعية.
كما أتاح اللقاء فرصة للتفكير في قدرة الرواية على تجاوز وظيفتها الجمالية، دون التخلي عنها، لتصبح مجالًا لطرح أسئلة أخلاقية واجتماعية ووجودية مرتبطة بمستقبل الإنسان على كوكب تتسارع فيه التحولات المناخية.
النقد البيئي… مقاربة جديدة لقراءة الرواية
لم يعد النقد الأدبي معنيًا فقط بتحليل الشخصيات والبنية السردية واللغة والرموز، بل أصبح ينفتح على مقاربات جديدة تسائل العلاقة بين النصوص الأدبية والعالم الطبيعي.
وفي هذا الإطار، يبرز النقد البيئي (Ecocriticism) بوصفه اتجاهًا نقديًا يدرس كيفية تمثيل البيئة في الأعمال الأدبية، وطريقة بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة داخل النص، وما تكشفه هذه العلاقة من تصورات ثقافية واجتماعية وفكرية.
وتكمن أهمية هذه المقاربة في أنها لا تتعامل مع البيئة بوصفها موضوعًا ثانويًا، وإنما باعتبارها مدخلًا لفهم تحولات المجتمع وعلاقته بالمكان والموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، اعتبر الأستاذ والباحث في الأدب العربي علي السيّاري خلال حواره مع كوسموس ميديا أن الملتقى تميز على مختلف المستويات، خاصة من حيث الموضوع الذي اختاره للنقاش.
وقال في تقييمه للتظاهرة: «ندوة متميّزة على كل المستويات، وقد أثارت موضوعًا طريفًا وهو البيئة، حيث تشكّل الدراسات النقدية البيئية توجهًا جديدًا في دراسة الأدب نظرًا إلى أهمية البيئة اليوم».
وتعكس هذه الشهادة تنامي الاهتمام بالمقاربات النقدية التي تسعى إلى إعادة قراءة النصوص الأدبية من زاوية علاقتها بالأرض والمناخ والموارد، في ظل واقع أصبحت فيه القضايا البيئية حاضرة بقوة في النقاشات العلمية والسياسية والاجتماعية.
كما تفتح هذه المقاربة المجال أمام الباحثين والنقاد لإعادة اكتشاف حضور البيئة في الرواية العربية والتونسية، ليس فقط في الأعمال التي تتناول الكوارث البيئية بشكل مباشر، بل أيضًا في النصوص التي تستحضر الريف والواحة والبحر والصحراء والهجرة وتحولات المكان.
الرواية الإيكولوجية… بين التنظير والممارسة الإبداعية
إذا كان مفهوم الرواية الخضراء يفتح آفاقًا جديدة أمام الكتابة، فإنه يطرح في المقابل أسئلة نقدية تتعلق بحدود هذا التصنيف وخصائصه الجمالية والفكرية.
فهل يكفي أن تتناول الرواية موضوعًا بيئيًا حتى تُصنّف ضمن الأدب الإيكولوجي؟ أم أن الأمر يتطلب تحولًا أعمق في بناء الشخصيات والأحداث والعلاقة بين الإنسان والطبيعة؟
هذه الأسئلة حضرت ضمن النقاشات التي شهدها الملتقى، والتي سعت إلى الجمع بين التأصيل النظري للمفاهيم البيئية في الأدب واستكشاف تجلياتها داخل التجارب الروائية.
وفي هذا الإطار، اعتبر الروائي والأستاذ عثمان لطرش في تصريحه لكوسموس ميديا أن ندوة «الرواية الخضراء: تحولات السرد وأسئلة البيئة» تمثل محطة مهمة في مسار التفكير في الرواية الإيكولوجية.
وقال: «ندوة الرواية الخضراء: تحولات السرد وأسئلة البيئة تعد محطة فارقة ولحظة مفصلية ستنحت في تاريخ الرواية الإيكولوجية».
ووصف الجلسات الأربع التي احتضنها الملتقى بأنها «بستان مزهر»، تنوعت فيه الأطروحات وتعمقت الرؤى في تناول هذا المبحث من زاويتي التنظير والممارسة الإبداعية.
وتبرز أهمية هذا التوجه في محاولة تجاوز التعامل مع القضايا البيئية باعتبارها موضوعات عابرة، نحو التفكير في كيفية تأثير التحولات الإيكولوجية في بنية السرد ذاته.
فالجفاف، على سبيل المثال، لا يمثل مجرد حدث طبيعي يمكن توظيفه داخل الرواية، بل قد يتحول إلى عامل يغير العلاقات الاجتماعية، ويدفع الشخصيات إلى الهجرة، ويعيد تشكيل ارتباطها بالأرض والذاكرة.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى التلوث أو اختفاء الواحات أو تراجع الموارد المائية، وهي تحولات يمكن أن تصبح محركات أساسية للصراع الروائي، بما تحمله من أبعاد اقتصادية واجتماعية وإنسانية.
هل تكفي الرواية لوصف الكارثة البيئية؟
من أبرز الأسئلة التي يثيرها الأدب البيئي مسألة العلاقة بين الوظيفة الجمالية للرواية ومسؤوليتها تجاه القضايا التي تتناولها.
فهل يقتصر دور الكاتب على تصوير الكوارث البيئية وآثارها في الإنسان والمكان؟ أم أن الرواية مطالبة أيضًا بالدفاع عن التوازن البيئي والمساهمة في بناء وعي جديد بالعلاقة مع الطبيعة؟
هذا الإشكال تناولته الروائية والناقدة هيام الفرشيشي، التي لفتت إلى عدم وجود تعريف نقدي دقيق ومتفق عليه لمصطلح «الرواية الخضراء»، رغم استخدامه للإشارة إلى الكتابات التي تعيد الاعتبار للطبيعة وعلاقة الإنسان بها.
وترى الفرشيشي أن هذا التوجه يتجاوز تصوير جمال المشاهد الطبيعية، ليبحث في العلاقة الجوهرية بين الإنسان وعمقه الطبيعي الحي، في مواجهة الكوارث البيئية التي تهدد وجوده.
كما أشارت إلى أن اتساع التلوث ليشمل المدن والأرياف على حد سواء ساهم في الانتقال من النقد الريفي إلى النقد البيئي، بما يعكس تطور النظرة النقدية إلى المكان والطبيعة داخل الأعمال الأدبية.
غير أن السؤال الأكثر أهمية الذي طرحته يتعلق بمستقبل السرديات البيئية (Econarratology)، ومدى قدرتها على تجاوز الاكتفاء بوصف الأضرار البيئية.
وتساءلت في هذا السياق: «ولكن أي مستقبل للسرديات البيئية التي تقتصر على تصوير الأضرار البيئية؟ وهل يجب أن تدعو للحفاظ على البيئة، والتوازن في علاقة الإنسان بالطبيعة؟».
ويفتح هذا التساؤل نقاشًا حول حدود الالتزام البيئي في الأدب، وحول الكيفية التي يمكن بها للرواية أن تحمل موقفًا من القضايا الإيكولوجية دون أن تتحول إلى خطاب توعوي مباشر يفقدها خصوصيتها الفنية.
فالقيمة الإبداعية للرواية البيئية لا تقاس فقط بطبيعة القضية التي تتناولها، وإنما أيضًا بقدرتها على تحويل تلك القضية إلى تجربة إنسانية وجمالية تثير الأسئلة وتدفع القارئ إلى إعادة النظر في علاقته بالعالم.
من أزمة المناخ إلى العدالة البيئية… أسئلة تتجاوز حدود الأدب
لا يمكن فصل النقاش حول الرواية الخضراء عن التحولات البيئية المتسارعة التي يشهدها العالم، ولا سيما في المناطق التي تواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد الطبيعية.
وفي تونس، تكتسي هذه الأسئلة أهمية خاصة في ظل تواتر فترات الجفاف، وتزايد الضغوط على الموارد المائية، ومخاطر التصحر، والتلوث الصناعي، وتراجع بعض المنظومات البيئية الهشة.
وهي تحديات لا تقتصر انعكاساتها على الطبيعة، بل تمتد إلى حياة الفلاحين والصيادين وسكان المناطق الريفية والحضرية، وتؤثر في أنماط العيش والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ومن هنا، تصبح البيئة في الرواية مدخلًا لطرح قضايا أوسع، من بينها العدالة الاجتماعية، والحق في الماء والهواء النقي، والهجرة، والفوارق المجالية، وحماية التراث الطبيعي.
فحين تجف الأرض، لا يتغير المشهد الطبيعي وحده، بل تتغير معه حياة العائلات وسبل عيشها وعلاقتها بالمكان.
وحين تتعرض الواحات للتدهور، لا يتعلق الأمر فقط بفقدان غطاء نباتي، بل بتهديد منظومة بيئية وثقافية واجتماعية تشكلت عبر أجيال.
وفي هذا المستوى تحديدًا، يمكن للرواية أن تضيف إلى النقاش البيئي بعدًا إنسانيًا قد لا تلتقطه الأرقام والمؤشرات العلمية وحدها.
فالتقارير تستطيع قياس نسب التلوث أو تراجع الموارد المائية، لكنها لا تستطيع دائمًا نقل إحساس فلاح يرى أرضه تتغير أمام عينيه، أو ذاكرة عائلة ارتبط وجودها بواحة مهددة، أو قلق مجتمع يخشى فقدان ملامح المكان الذي ينتمي إليه.
وهنا تتجلى قدرة الأدب على تحويل المعطيات البيئية إلى تجارب إنسانية محسوسة، وعلى جعل القارئ يرى ما وراء الأرقام والإحصائيات.
قابس بين ذاكرة الواحة ومستقبل المدينة… أي دور للمثقف؟
يكتسب هذا النقاش بعدًا أكثر عمقًا حين يُطرح في مدينة مثل قابس، حيث تتقاطع القضايا البيئية مع تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
فالواحة ليست مجرد مساحة خضراء، بل تمثل جزءًا من الهوية التاريخية والثقافية للمدينة، كما أن البحر ليس مجرد امتداد جغرافي، وإنما عنصر أساسي في الذاكرة الجماعية والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي المقابل، تطرح التحولات الصناعية والضغوط البيئية أسئلة ملحّة حول مستقبل هذه المنظومات الطبيعية، وحول قدرة المجتمعات المحلية على حماية مواردها وحقها في بيئة سليمة.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو الدعوة إلى كتابة رواية خضراء منفصلة عن الواقع، بل تتقاطع مع الحاجة إلى توثيق التحولات التي يشهدها المكان، وإعادة الاعتبار للأصوات والتجارب الإنسانية المرتبطة به.
وتعيد هذه الرؤية إلى الواجهة السؤال الذي طرحته عفيفة سعودي السميطي حول ما يمكن أن تفعله أصوات الكتّاب مجتمعة من أجل مدينة جريحة.
وهو سؤال لا يتعلق بمسؤولية الروائي وحده، بل يمتد إلى دور المؤسسات الثقافية والباحثين والإعلام والمجتمع المدني في بناء حوار يتجاوز المناسبات والندوات، ويجعل من الثقافة شريكًا في النقاش العمومي حول القضايا البيئية.
فالأدب لا يمتلك أدوات معالجة التلوث أو استعادة الموارد الطبيعية، لكنه يمتلك قدرة على مساءلة الخيارات التي أدت إلى الأزمات، وعلى حفظ ذاكرة الأماكن المهددة، وإثارة التعاطف مع المتضررين، وفتح المجال أمام تصورات مختلفة للمستقبل.
الرواية الخضراء… نحو ثقافة بيئية تتجاوز الشعارات
تكمن أهمية ملتقى الرواية الخضراء في كونه يفتح مجالًا للتفكير في العلاقة بين الإبداع الأدبي والتحولات البيئية، في وقت أصبحت فيه قضايا المناخ والموارد الطبيعية من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات.
غير أن الرهان لا يتمثل في إضافة تصنيف جديد إلى المشهد الأدبي، أو الاكتفاء بإدراج موضوعات البيئة ضمن الأعمال الروائية، بل في تطوير مقاربات إبداعية ونقدية قادرة على مساءلة علاقة الإنسان بالطبيعة من زوايا متعددة.
وهو ما يستدعي تشجيع الحوار بين الأدباء والباحثين في العلوم البيئية والمختصين في العلوم الاجتماعية، والانفتاح على تجارب المجتمعات المحلية التي تعيش التحولات البيئية بصورة مباشرة.
كما يطرح الملتقى الحاجة إلى تعزيز حضور القضايا البيئية في النقاش الثقافي التونسي، وإلى تشجيع الكتابة التي تستكشف العلاقة بين الإنسان والمكان بعيدًا عن الخطابات الوعظية والشعارات الجاهزة.
فالرواية الخضراء ليست بالضرورة رواية عن الأشجار والحقول والأنهار، بل قد تكون رواية عن قرية هجرتها الحياة بسبب الجفاف، أو عن مدينة فقدت علاقتها المتوازنة بمحيطها الطبيعي، أو عن أجيال تحاول الحفاظ على ذاكرتها في مواجهة تحولات تهدد المكان الذي نشأت فيه.
إنها، في جوهرها، كتابة عن الإنسان حين تصبح علاقته بالأرض موضع سؤال، وعن الطبيعة حين تتحول من خلفية صامتة إلى طرف أساسي في الحكاية.
حين تطالب الأرض بحقها في الحكاية
في ختام هذا النقاش، تبدو الدورة الخامسة من احتفائية الرواية التونسية بقابس أكثر من مجرد موعد ثقافي جمع روائيين ونقادًا حول موضوع جديد نسبيًا في المشهد النقدي.
فقد فتحت التظاهرة نافذة على أسئلة تتصل بمستقبل الكتابة الأدبية في زمن الأزمات البيئية، وبقدرة الرواية على إعادة تشكيل الوعي بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة.
كما أعادت طرح إشكالية جوهرية: كيف يمكن للثقافة أن تواكب التحولات البيئية دون أن تفقد استقلاليتها الإبداعية؟ وكيف يمكن للأدب أن ينحاز إلى الحياة دون أن يتحول إلى مجرد خطاب تحسيسي؟
ولعلّ خصوصية هذا الملتقى تكمن في أنه اختار قابس، المدينة التي تختزن في ذاكرتها صورة الواحة الخضراء، وفي واقعها أسئلة التلوث والتحولات الصناعية، ليطرح من خلالها العلاقة بين جماليات السرد وحق الإنسان في بيئة سليمة.
وبين ما قالته عفيفة سعودي السميطي عن ضرورة أن تستعيد قابس خضرتها خارج الرواية، وما طرحته هيام الفرشيشي من أسئلة حول مستقبل السرديات البيئية، وما أكده عثمان لطرش وعلي السيّاري بشأن أهمية هذا المبحث النقدي، تتقاطع الرؤى عند فكرة أساسية: أن البيئة لم تعد مجرد موضوع يمكن للأدب أن يختاره، بل أصبحت أحد الأسئلة الكبرى التي تفرض نفسها على الكتابة المعاصرة.
ويبقى التحدي في تحويل هذا النقاش الفكري إلى مسار ثقافي متواصل، يربط بين الرواية والبحث العلمي والواقع البيئي، ويمنح القضايا الإيكولوجية مكانة أوسع في المشهد الأدبي التونسي.
فالأرض التي تتغير ملامحها تحتاج أيضًا إلى من يروي حكايتها، والواحات التي تتراجع، والأنهار التي تجف، والأشجار التي تختفي، تحمل جميعها قصصًا لا تختزلها الأرقام ولا تستوعبها التقارير.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن تقترحه الرواية الخضراء هو أن تمنح الأرض حقّها في الحكاية؛ فالأشجار التي لا تكتب مذكراتها، والأنهار التي لا ترفع شكاواها، والواحات التي تموت واقفة، تحتاج جميعها إلى أدب يصغي إلى صمتها، قبل أن يصبح الصمت آخر ما تبقّى من أصواتها.




