مبروكة خذير-صحفية متخصصة في شؤون البيئة و التنمية المستدامة -كوسموس ميديا-تونس
في قابس، لا يبدأ الصباح بصوت الموج فقط، بل بطبقةٍ خفيّة من الصمت…صمتٌ يشبه الفراغ الذي يتركه الغائبون حين لا يعودون.
في قابس قضت محكمة تونسية يوم الخميس 26 فيفري 2026 برفض الدعوى الاستعجالية التي تقدّم بها عدد من المحامين والنشطاء المدنيين بهدف إيقاف نشاط الوحدات الملوِّثة التابعة للمجمّع الكيميائي بولاية قابس، جنوب شرقي البلاد، وذلك على خلفية ما يُنسب إلى هذه الوحدات من أضرار بيئية وصحية ناجمة عن مخلفاتها الكيميائية.
وأعلنت المحكمة الابتدائية قرارها برفض الطلب لعدم ثبوت الضرر، بعد مسار قضائي امتد على سبع جلسات متتالية تم خلالها تأجيل النظر في الملف قبل حسمه بالحكم المذكور. كما عللت:” الضرر غير ثابت، ويقتضي إجراء اختبارات علمية لإثبات المضرة..”
صدر القرار عن المحكمة وفي حيثيّاته، أنّ “الضرر غير بيّن”، وأنّ العلاقة السببية لم تثبت بما يكفي لإيقاف نشاط الوحدات الملوِّثة التابعة للمجمع الكيميائي التونسي.
القرار لم يكن عابراً بالنسبة إلى الأهالي والفاعلين المدنيين الذين يطالبون منذ سنوات بإنصاف بيئي وصحي. فقد شكّل بالنسبة إليهم صدمة جديدة وأعاد إلى الواجهة شعوراً متنامياً بغياب العدالة البيئية، في منطقة تعيش منذ عقود تحت وطأة إشكاليات التلوّث وتداعياته على الحياة اليومية.
لغةٌ منضبطة، تستند إلى معيار الإثبات، وإلى مفهوم الضرر المباشر الواضح الذي لا لبس فيه.
لكن، خارج النصّ، كانت هناك كائنات أخرى تعدّ حيثيّاتها بطريقتها. في تلك المحكمة المتخيَّلة، التي يعقدها البحر عند انحسار المدّ، وقف التنوع البيولوجي نفسه شاهداً.
تقدّمت الأعشاب البحرية أولاً…كانت في زمنٍ قريب سجادةً خضراء تحت الماء، حضانةً طبيعية ليرقات الأسماك، وملاذاً للقشريات الدقيقة. اليوم، رقعتها تتقلّص. لم تعد كثيفة كما كانت؛ صار الضوء ينفذ إليها بلونٍ مائلٍ إلى العكر، وصار الطمي الصناعي أثقل من أن يسمح لها بالتنفّس.
قالت بصوتٍ خفيض:
– “أنا لستُ مشهداً جمالياً. أنا حلقةٌ في شبكة غذائية. حين أضعف، لا تضعف وحدي، بل يتداعى من يعتمد عليّ.”
ثم جاءت الأسماك…أنواعٌ كانت تملأ الخليج: قاروص، ومرجان، وسردين، تتراجع أعدادها أو تغيّر مساراتها. بعضها اختفى موسميًا، وبعضها صار أصغر حجماً، أضعف بنية.
قالت إحداها: “حين تتبدّل كيمياء الماء، لا يُكتب ذلك في دفاترنا، بل في أجسادنا. الخياشيم تحترق بصمت، والبيض لا يفقس كما ينبغي. ألسنا ضرراً بيّناً حين يتكسّر ميزان الحياة نفسه؟”
وتقدّمت السلاحف البحرية، ببطءٍ مهيب:
– “نحن كائناتٌ معمّرة. نقيس الزمن بالعقود. لكن حتى نحن شعرنا بالتغيّر. الشاطئ لم يعد كما كان، والمياه التي كانت معبراً آمناً صارت ثقيلةً علينا. الضرر عندكم لحظة إثبات، وعندنا مسار تآكل طويل.
ثم رفعت الواحة صوتها.:”واحة واحة قابس”، التي كانت فريدةً بمجاورتها للبحر، توازن بين ملوحةٍ وعذوبة، بين نخيلٍ وزراعاتٍ سفلية”.
قالت النخلة:
– “تغيّرت التربة. تراجعت بعض المزروعات الحسّاسة. ليس الانهيار فجائياً، لكنه تسلّل بطيء. ألسنا نظاماً بيئياً هشّاً يحتاج إلى حمايةٍ استباقية لا إلى انتظار الانهيار الكامل؟”
التنوع البيولوجي لا يعني فقط عدد الأنواع، بل تفاعلها:
– اختلال في العوالق الدقيقة يعني اضطراباً في السلسلة الغذائية.
– تغيّر في جودة المياه يعني ضغطاً على الكائنات الأكثر حساسية.
– تقلّص الغطاء النباتي الساحلي يعني فقدان مناطق تعشيش ووقاية طبيعية من التعرية.
كل حلقةٍ تتأثر، فتؤثر.
ثم جاء دور البشر…لم يدخلوا بصفاتهم أرقاما في تقارير، بل كوجوه.
صيّادٌ قال: “شبكتي أخفّ ممّا كانت. لا لأنني ضعفت، بل لأن البحر أقلّ سخاءً.”
مزارعٌ من أطراف الواحة قال: “الأرض تتعب أسرع. الغلة تتراجع. أحتاج ماءً أكثر لأحصل على أقلّ.”
و أمٌّ قالت:“لسنا خبراء بيئة. لكننا نلاحظ. نلاحظ الروائح، ونلاحظ تبدّل المواسم، ونلاحظ أن أبناءنا يسألون: لماذا لم يعد البحر كما كان في صوركم القديمة؟”
هنا، رفعت الكائنات غير البشرية عيونها نحو القاضي الرمزي وسألته: “في حيثيّات قراركم، تحدّثتم عن غياب الضرر البيّن، وعن عدم كفاية ما قُدّم من إثبات. لكن ماذا عن الضرر التراكمي؟ ماذا عن المخاطر المحتملة التي تمسّ حق الأجيال في بيئة سليمة؟ أليس الاحتياط مبدأً حين يكون الموضوع صحة الناس واستدامة النظم البيئية؟”
كان السؤال قانونياً بقدر ما هو أخلاقي.
في تلك الجلسة الخيالية، لم يُطلب إلغاء النصوص ولا تجاهل معايير الإثبات.
بل طُلب توسيع زاوية النظر:
أن يُفهم “الضرر البيّن” ليس فقط كحدثٍ فجائي صارخ، بل كمسارٍ متراكم يضرب التنوع البيولوجي في جذوره، ويصيب البشر في معيشتهم وحقهم في بيئة متوازنة.
في قابس، لا تحاكم الكائنات القاضي انتقاماً، بل مساءلةً:
– هل يكفي ألا يكون الضرر صارخاً كي نعتبره غير موجود؟
– هل ننتظر اختفاء النوع الأخير، وجفاف آخر جذع، وهجرة آخر صياد، لنقول إن البيان اكتمل؟
عادت الكائنات إلى البحر والواحة، لكن أسئلتها بقيت معلّقة في الهواء.
فالقرار قد يُغلق ملفاً قضائياً،
لكن التنوع البيولوجي، حين يتضرّر، يفتح ملفاً أطول:
ملفّ الزمن.
و الآن خلاصة قولنا إذا: كيف يمكن فهم قرار محكمة قابس في ظل اعتراف رئيس الجمهورية نفسه في أكثر من مناسبة بأن أهالي الجهة يحتاجون إلى إنصاف حقيقي من أضرار الوحدات الملوّثة؟
وإذا كانت التقارير المتواترة – حتى تلك الصادرة عن المجمع نفسه – تقرّ بوجود كلفة بيئية وبشرية للاستثمارات الصناعية، فأين يكمن الخلل حتى تأتي الصدمة من مدارج القضاء؟
هل يعاني الملف من نقص في الأدلة العلمية القاطعة؟ أم أن هناك تقصيراً في تجميع القرائن وتكييفها قانونياً من قبل هيئة الدفاع؟ أم أن الإشكال أعمق، ويتعلّق بغياب اجتهاد قضائي متخصّص في العدالة البيئية قادر على استيعاب خصوصية هذا النوع من النزاعات؟ كيف يمكن للعدالة أن تقرّ بعدم ثبوت الضرر في سياق تتراكم فيه الشهادات والمعطيات؟
وأين يلتقي الخطاب السياسي المقرّ بوجود معاناة، مع حكم قضائي يعلن أن الملف خالٍ من الخلل وأن الضرر غير ثابت؟



