سليديرمقالات

مسامرة رمضانية لمنصة الكتيبة: حين يلتقي الحديث عن الماء بالإعلام ودور النساء في تونس

مبروكة خذير – كوسموس ميديا – تونس

في مساء رمضاني هادئ، حيث تختلط رائحة القهوة بأحاديث الحاضرين وتغمر المكان أجواء التأمل التي يفرضها الشهر الفضيل، احتضنت منصة الكتيبة مساء الجمعة 6 مارس 2026 مسامرة رمضانية خُصّصت لطرح واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في تونس اليوم: الماء.

لم يكن اللقاء مجرد مناسبة ثقافية عابرة، بل تحوّل إلى مساحة حوار فكري جمع صحفيين وباحثين وخبراء وطلبة مهتمين بالشأن البيئي والإعلامي، لمناقشة كتاب «تونس العطشى»، وهو عمل بحثي واستقصائي يحاول تفكيك ملامح الأزمة المائية في البلاد وطرح الأسئلة الصعبة حول مستقبل الأمن المائي في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.

في تلك الأمسية، بدا واضحًا أن الحديث عن الماء لم يعد مجرد نقاش علمي أو بيئي، بل أصبح حديثًا عن مستقبل المجتمع نفسه.

كتاب يكشف ملامح العطش التونسي

يضمّ كتاب «تونس العطشى» مجموعة من البحوث والتحقيقات الاستقصائية التي تتناول أزمة المياه في تونس من زوايا متعددة، بدءًا من تراجع منسوب السدود ونقص التساقطات، وصولًا إلى سياسات إدارة الموارد الطبيعية والتحديات المرتبطة بالحوكمة المائية.

وقد حاول هذا العمل أن يضع الأزمة في سياقها الأوسع، حيث لم تعد ندرة المياه مسألة تقنية تخص المهندسين والخبراء فقط، بل أصبحت قضية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية وحتى بالاستقرار الاجتماعي.

وخلال تقديم الكتاب، شدد المشاركون على أن ما تعيشه تونس اليوم ليس مجرد مرحلة جفاف عابرة، بل تحوّل عميق في علاقة المجتمع بالمياه. فسنوات الجفاف المتتالية، وتراجع المخزون المائي في السدود، والضغط المتزايد على الموائد الجوفية، كلها مؤشرات على أن البلاد دخلت مرحلة الندرة المائية المزمنة.

وفي هذا السياق، أكد عدد من المتدخلين أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب أولًا شفافية أكبر في المعطيات المرتبطة بالموارد المائية، وثانيًا فتح نقاش عام يشارك فيه المواطنون والباحثون وصناع القرار حول الخيارات المستقبلية لإدارة هذا المورد الحيوي.

حين يلتقي النقاش البيئي بالإعلام

لم تقتصر المسامرة على تقديم الكتاب ومناقشة أزمة المياه، بل اتسع النقاش ليشمل دور الإعلام في تناول القضايا البيئية المعقدة، وكيف يمكن للصحافة أن تساهم في تحويل هذه الملفات من قضايا تقنية إلى موضوعات تشغل الرأي العام.

وفي هذا السياق، أكدت الصحفية رحاب حوات،من منصة الكتيبة، خلال مداخلتها أن ملف المياه من أكثر الملفات تعقيدًا في تونس، نظرًا لتشابك أبعاده العلمية والاقتصادية والسياسية.

وأوضحت أن معالجة هذا الموضوع إعلاميًا لا يمكن أن تظل حبيسة الأرقام والتقارير الجافة، بل تحتاج إلى سرد صحفي قادر على تبسيط المعطيات العلمية وإيصالها إلى الجمهور بأساليب أكثر وضوحًا وجاذبية.

وأضافت أن الصحافة الاستقصائية والوثائقيات البيئية تمثل أدوات أساسية لفهم هذه الأزمة، لأنها تسمح بتتبع السياسات المائية وكشف مكامن الخلل في إدارتها، وفي الوقت نفسه تقريب هذه القضايا من المواطنين الذين يتأثرون بها يوميًا.

وقالت في هذا السياق إن الإعلام قادر على لعب دور محوري في تحويل قضية المياه إلى قضية رأي عام، بدل أن تبقى حبيسة النقاشات التقنية.

المياه تحت ضغط التغيرات المناخية

ومن أبرز لحظات النقاش خلال المسامرة، المداخلة التي قدمها المهندس والخبير في التغيرات المناخية حمدي حشاد، والتي حاول فيها وضع أزمة المياه في تونس ضمن السياق المناخي الأوسع.

وأشار حشاد إلى أن البلاد تعيش بالفعل تحت ضغط مائي متزايد، نتيجة تراجع معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، وهما عاملان يؤديان إلى زيادة معدلات التبخر وتقليص حجم الموارد المائية المتاحة.

وأوضح أن التغيرات المناخية لم تعد مجرد توقعات مستقبلية، بل أصبحت واقعًا ملموسًا يظهر في تراجع مخزون السدود وتقلص الموارد الجوفية.

وأكد أن إدارة المياه في السنوات القادمة ستتطلب مقاربات جديدة تقوم على:

  • تحسين الحوكمة المائية
  • تطوير تقنيات الاقتصاد في المياه
  • مراجعة أنماط الاستهلاك، خاصة في القطاع الزراعي
  • الاستثمار في حلول مبتكرة لإدارة الموارد الطبيعية

وأضاف أن ما تعيشه تونس اليوم هو جزء من تحول أوسع يشمل كامل المنطقة المغاربية، حيث يتجه المناخ نحو مزيد من الجفاف، وهو ما يجعل الماء موردًا أكثر ندرة وأكثر قيمة في المستقبل.

مذكرة سياسات لتعزيز حضور النساء في الإعلام

وشهدت المسامرة أيضًا تقديم مذكرة سياسات (Memorandum) تهدف إلى تعزيز دور النساء في إنتاج وتغطية القضايا الاجتماعية والاقتصادية في وسائل الإعلام التونسية.

وتقترح هذه المذكرة مجموعة من التوصيات العملية الرامية إلى دعم حضور الصحفيات في ملفات الاقتصاد والبيئة والتنمية، وهي مجالات لا تزال في كثير من الأحيان حكراً على الصحفيين الرجال داخل غرف الأخبار.

ويرى القائمون على هذه المبادرة أن تمكين النساء في الإعلام لا يقتصر على زيادة عددهن داخل المؤسسات الإعلامية، بل يتطلب أيضًا تمكينهن من التأثير في طبيعة المواضيع المطروحة للنقاش العام.

فالقضايا البيئية والاجتماعية والاقتصادية تحتاج إلى تنوع في زوايا المعالجة، وهو ما يجعل حضور النساء في هذه الملفات عنصرًا مهمًا في تطوير الإعلام التونسي وجعله أكثر شمولًا وتوازنًا.

مساحة للنقاش حول مستقبل البلاد

ومع تقدم الأمسية، تحولت المسامرة إلى نقاش مفتوح بين الحاضرين، حيث طُرحت أسئلة عديدة حول مستقبل الموارد المائية في تونس، ودور الصحافة في متابعة هذا الملف، إضافة إلى ضرورة بناء جسور تعاون بين الخبراء والباحثين والإعلاميين.

وقد أجمع المشاركون على أن مواجهة التحديات البيئية لا يمكن أن تتم دون إنتاج معرفة دقيقة حول الواقع المائي في البلاد، وفي الوقت نفسه نقل هذه المعرفة إلى الجمهور بلغة مفهومة وواضحة.

كما أكدوا أن الصحافة الاستقصائية يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تسليط الضوء على السياسات المائية ومتابعة تنفيذها، بما يعزز الشفافية والمساءلة.

بين الماء والإعلام… أسئلة المستقبل

في ختام المسامرة، بدا واضحًا أن اللقاء لم يكن مجرد مناسبة لتقديم كتاب أو عرض مذكرة سياسات، بل كان محاولة لربط ثلاثة محاور أساسية في مستقبل تونس: البيئة، والإعلام، والمجتمع.

فأزمة المياه تطرح تحديات كبيرة على مستوى السياسات العمومية والاقتصاد والبيئة، لكنها تطرح أيضًا سؤالًا آخر لا يقل أهمية: كيف يمكن للإعلام أن يواكب هذه التحولات ويجعلها جزءًا من النقاش العام؟

وبين صفحات كتاب «تونس العطشى» والنقاشات التي دارت خلال الأمسية الرمضانية، ظل سؤال واحد يتردد في أذهان الحاضرين: كيف يمكن لتونس أن تحمي مواردها المائية وتطوّر إعلامها في الوقت نفسه، حتى تكون أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل؟

زر الذهاب إلى الأعلى