سليديرمقالات

قفصة ونزيف النفايات المستمرّ رغم تعالي الأصوات؟!

أمل الستيتي – كوسموس ميديا

يعاني سكان ولاية قفصة من تكدس النفايات المنزلية منذ عقود في ظل انعدام استراتجية واضحة وفشل المؤسسات في التعاطي مع أكثر الملفات حساسية. الأمر الذي أدى حتما إلى تفاقم الأزمة مع الإفراط في استغلال المصبات العشوائية في خرق واضح للقانونين الوطني والدولي وفي تعدي على حق الانسان في العيش في بيئة سليمة٫٫ هذا الحق المنصوص عليه في الدستور التونسي، إلا أنه بقي حبرا على ورق.

ويفيد التقرير السنوي لقسم العدالة البيئية التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية الصادر في جانفي 2024، بأن المصبات العشوائية للنفايات المنزلية لا تعتبر الإشكال البيئي الوحيد الذي تعاني منه الجهة، فمعتمديات قفصة تغرق منذ زمن في شتى أنواع النفايات المنزلية منها والصناعية والطبية.

خرق للقوانين…

اقتصاد هذه الولاية القائم على الصناعات الاستخراجية زاد الأمر سوءا، فمنذ تركيز مغاسل الفسفاط التابعة لشركة فسفاط قفصة في الثمانينات في عدد من المعتمديات على غرار الرديف وأم العرايس والمتلوي والمظيلة، بقيت النفايات الصناعية التي تفرزها الشركة المذكورة، من أكبر المشاكل التي تعاني منها الجهة إلى حد اللحظة وذلك بسبب غياب إستراتيجية واضحة في التحكم فيها وإدارتها بشكل سليم، وفق التقرير المشار إليه.

وحسب ذات المصدر، فإن أكداس الفسفاط العقيم بقيت جاثمة بالقرب من المناطق العمرانية بمعتمدية الرديف، الذي لم يقلق راحة السكان فحسب بل بات تهديدا حقيقيا لحياتهم بسبب مخاطره الفادحة ليس على الإنسان فقط فقط بل على البيئة بمختلف عناصرها بشكل عام.

رغم أن هذه الثروة المنجمية تبقى مهمة جدا كركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني حيث تساهم بشكل كبير في حجم الصادرات التونسية حسبما جاء في التقرير المذكور، إلا أن عدم احترام المعايبر البيئية المعمول بها وسوء التصرف فيها وفشل إدارة مخلفات الأنشطة المنجمية، جعل مناطق إنتاج الفسفاط تتحول إلى مقبرة للنفايات الصناعية.

ويبين تقرير قسم العدالة البيئية للمنتدى، والذي أفرد ولاية قفصة بباب كامل ورد تحت عنوان “تردي الوضع البيئي بقفصه.. مدن تغرق في نفاياتها!”، أن النفايات المنجمية تحتوي على كميات من المواد العضوية والفوسفات وعدة مواد أخرى من بينها الكالسيوم والبوتاسيوم والكروم والزنك والغناديوم والنيكل والكدميوم والفلور، وهو ما يمثل خطرا على المحيط وعلى صحة السكان أيضا حسب دراسة لسنة 2018 صادرة عن مؤسسة “فريديريش ايبرت”.

ويؤكد التقرير تزايد حالات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والشرايين وحتى الأمراض السرطانية، مما يكشف  العلاقة السببية بين التلوث الصادر وتدهور صحة متساكني مدينة الرديف، وهو ما يتنافى مع الفصل 43 من الدستور والذي ينص على ضمان الحق في الصحة للجميع.

عدم احترام المعايير البيئية

استنادا إلى التقرير نفسه، مازالت النفايات الطبية كذلك واحدة من الأزمات البيئية الكبرى التي لم تجد طريقها للحل إلى حد اليوم بسبب الاستراتجيات التي تنتهجها سلط الإشراف في التعامل مع هذا الصنف الخطير من النفايات حيث تغيب بشكل كلي خطط تصرف ناجعة فيها، وفق التقرير الصادر عن المنتدى.

وعلى الرغم من أن البلاد التونسية منخرطة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وموقعة على عدد من الاتفاقيات الدولية الرامية إلى حماية حقوق الأفراد البيئية، إلى جانب وجود العديد من القوانين التونسية التي تنص على حماية البيئة والمحيط، إلا أن ممارسات أرض الواقع تضرب بعرض الحائط ترسانة القوانين المتعلقة بحماية البيئة وحق الانسان في العيش في محيط سليم.

سجلت منطقة الرديف تكدس كميات كبيرة من النفايات الصحية، بعد توقف نشاط الشركتين المنتصبتين في المنطقة “gafsa green” و”environnement sud” واللتان تعملان في مجال تجميع النفايات الطبية ومعالجتها بطريقة آمنة، وذلك بعد سحب رخصتهما بسبب مخالفتهما لكراس الشروط المنظم لهذه المهنة.

وبين التقرير السنوي لقسم العدالة البيئية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن ما يقارب 700 طن من النفايات الطبية الخطرة مازالت تقبع في المستودعات الخاصة بهاتين الشركتين منذ 3 سنوات.

وتعتبر نفايات الانشطة الصحية خطرة على معنى الفصل 5 من الأمر عدد 2745 لسنة 2008 المؤرخ في 02 جويلية 2008، المقترح من وزيري الصحة والبيئة والتنمية المستديمة آن ذاك، والمتعلق بضبط شروط وطرق التصرف في نفايات الأنشطة الصحية، التي تشمل العديد من الأشكال مثل الإبر الواخزة والأنسجة والمعدات الطبية وشفرات وسكاكين والخلايا البشرية والنفايات الكيميائية التي تفرزها الصيدليات وأقسام المخابر.

ويعتبر التخلص من النفايات الطبية عبر تركها دون معالجة إخالا بيئيا واضحا باعتبارها تؤثر على الهواء والماء والتربة، كما أن مخاطرها تمس فئة غير قليلة من المجتمع وذلك أثناء جمع ونقل هذه النفايات مثل الممرضين وخاصة الفئات الهشة مثل عمال النظافة و”البرباشة”.

وتسببت أجهزة الدولة في خلق مشكل جديد في هذا المجال، فرغم أن البلاد التونسية أقرت منذ 2008، القطع مع سياسة حرق النفايات الطبية في المستشفيات واللجوء إلى القطاع الخاص للتصرف فيها، لكن عدم التزام الشركات الخاصة بالاجراءات القانونية وعدم معالجة النفايات الطبية الخطرة بالطريقة المعمول بها فاقم من المخاطر التي تسببها وكذلك تسبب في تراكمها بكميات كبيرة وإلقائها في مصبات عشوائية.

مخاطر بيئية وصحية جسيمة

يشير التقرير السنوي لقسم العدالة البيئية صلب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إلى أن مدينة أم العرائس تعاني هي الأخرى من انتشار كبير للمصبات العشوائية التي اتخذها المواطن مكبا لنفياته التي طالت حتى الأحياء السكنية، فتجدها في كل مكان، أمام المحلات والمدارس، مما سبب انتشار الروائح الكريهة وأسرابا من الذباب التي اجتاحت المنطقة بأكملها.

وتتمثل هذه القمامة في العديد من الأنواع منها العضوية والبلاستيكية والمعادن والأتربة الناتجة عن تسرب النفايات المنجمية وكذلك فضلات البناء، ولكل نوع من هذه النفايات أضراره على الطبيعة وعلى الانسان.

ويستقبل المصب المراقب بمدينة أم العرائس 30 طنا من النفايات يوميا، أي حوالي 900 طن شهريا، في حين لا تتوفر أرقام رسمية، حسب ما ذكره التقرير، عن عدد المصبات العشوائية التي وصلت إلى العشرات والتي تحتوي بدورها على أطنان أخرى من القمامة، وتخضع إلى رقابة البلدية مثل مصب “اللموشي” والمصب المحاذي للسوق الأسبوعية ومصب “يحي الشباب” المحاذي للمستشفى المحلي.

و إلى جانب الأثر المباشر لوجود هذه النفايات، فإن لحرقها في الهواء الطلق آثارا أخرى لعلها أكثر خطورة، وهي ممارسات تنتهك حق المواطن في بيئة سليمة بموجب الفصل 47 من الدستور وكذلك القانون عدد 34 المتعلق بنوعية الهواء.

وتثير المصبات المكشوفة عدة مخاوف حول تأثيرها على النظام البيئي بأكمله، بما في ذلك سلامة الغذاء والمياه. حيث يؤدي تراكمها إلى إنتشار الغازات السامة والروائح الكريهة وتلويث التربة والمياه السطحية، إضافة إلى الضرر الصحي لمتساكني منطقة أم العرائس حيث أصبح المتساكنون يجدون صعوبة في النوم ليلا ونهارا بسبب الدخان الناجم عن عمليات حرق النفايات التي يقوم بها “البرباشة”، وفق ذات التقرير.

تفيد تقارير دولية بان تونس تحتل المرتبة 27 عالميا بنسبة تلوث تقدر بـ 75.12 في المائة وهو ما يؤهلها لاحتلال المرتبة الثالثة إفريقيا في سلم الدول الأكثر تلوثا. الأمر الذي اعتبره تقرير قسم العدالة البيئية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية مؤشرا خطيرا يتحمل مسؤوليته المسؤولون القائمون على الشأن البيئي سيما فيما يخص الانتشار الكبير للمصبات العشوائية التي أصبحت كالمرض الخبيث الذي ينخر كامل انحاء الجسم.

زر الذهاب إلى الأعلى