سليديرمقالات

يوم الفيلم الوثائقي التونسي يرسّخ دور الصورة في فهم الواقع

فتحية خذير – كوسموس ميديا
احتضنت مدينة العلوم بتونس فعاليات الدورة الثانية لـ “يوم الفيلم الوثائقي التونسي”، في إطار برنامجها العلمي لسنة 2026، في خطوة تعكس توجّهًا متناميًا نحو إدماج الإنتاجات الوثائقية في الفضاء العلمي والثقافي.

وتندرج هذه التظاهرة ضمن مقاربة تسعى إلى توظيف الصورة كأداة تحليل، قادرة على تفكيك التحولات الاجتماعية والبيئية التي تشهدها تونس.

وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة في ظل محدودية الفضاءات المخصصة لعرض الأفلام الوثائقية في تونس، رغم تزايد الإنتاجات التي تعالج قضايا حيوية على غرار التغيرات المناخية، التصحر، الهجرة، و التحولات الحضرية.

فعاليات الدورة الثانية لـ “يوم الفيلم الوثائقي التونسي” التي احتضنتها مدينة العلوم بتونس

برمجة متعددة الأبعاد تعكس رهانات التراب التونسي

ضمت برمجة هذه الدورة سبعة أفلام وثائقية لمخرجين تونسيين، من بينهم عبد الحق الطرشوني و هشام بن عمار و فتحية خذير و محمد صالح العرقي، وقدمت هذه الأعمال مقاربات سردية متنوعة انطلقت من استكشاف الذاكرة المحلية للمجال الترابي، وصولًا إلى تحليل التحولات الراهنة المرتبطة بالاقتصاد والبيئة.

وعكست هذه البرمجة تنوع القضايا المطروحة، حيث تناولت بعض الأعمال علاقة المجتمعات بالموارد الطبيعية، فيما ركزت أخرى على التراث غير المادي أو على التحولات التي مست المدن التونسية في العقود الأخيرة، بما يعكس تعقيد المشهد التنموي و البيئي في البلاد.

فعاليات الدورة الثانية لـ “يوم الفيلم الوثائقي التونسي” التي احتضنتها مدينة العلوم بتونس

زريعة”: قراءة في السيادة الغذائية والذاكرة البيئية

برز فيلم زريعة للمخرجة فتحية خذير كأحد أهم الأعمال المعروضة ضمن هذه الدورة، لما يطرحه من مقاربة معمقة لقضايا الزراعة المستدامة والسيادة الغذائية في تونس.
يستند الفيلم إلى عمل ميداني يوثق تجارب فلاحين يعملون على استعادة البذور المحلية، في مواجهة هيمنة البذور التجارية و تراجع التنوع البيولوجي الزراعي.

وخلال النقاش الذي أعقب العرض، أكدت المخرجة أن تونس فقدت جزءًا هامًا من مخزونها الجيني الزراعي خلال العقود الماضية، نتيجة التحولات في أنماط الإنتاج الفلاحي، مشيرة إلى أن جهودًا مشتركة بين الفلاحين والمجتمع المدني، من بينها الجمعية التونسية للزراعة المستدامة وبنك الجينات، مكّنت من استرجاع آلاف الأصناف المحلية، خاصة الحبوب.

وأضافت أن هذه المبادرات تندرج ضمن مسار أوسع يهدف إلى تحقيق قدر من السيادة الغذائية، في ظل ارتفاع فاتورة توريد الحبوب في تونس وتأثر الإنتاج الفلاحي بالتغيرات المناخية، من بينها تواتر فترات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة. ويطرح الفيلم، في هذا السياق، نماذج بديلة قائمة على إنتاج البذور محليًا وإعادة تدويرها داخل المنظومات الفلاحية التقليدية.

فيلم “زريعة” للمخرجة فتحية خذير

شهادات مخرجين: استمرارية القضايا رغم تغير الزمن

من جهته، شدد المخرج هشام بن عمار على أن السينما الوثائقية قادرة على تجاوز الزمن، مستشهدًا بفيلمه “رايس البحار” الذي أُنتج قبل أكثر من 25 سنة، لكنه ما يزال يعكس قضايا راهنة، على غرار الهجرة غير النظامية وهشاشة الأوضاع الاقتصادية في المناطق الساحلية.

وأوضح أن الفيلم يوثق نشاط صيد التن الأحمر في الهوارية، وهو قطاع كان يمثل مورد رزق أساسيًا لعدد كبير من الصيادين، قبل أن يشهد تراجعًا ملحوظًا نتيجة القيود المفروضة على صيده بسبب استنزافه وتهديده بالانقراض. ويعكس هذا التحول، وفق بن عمار، هشاشة التوازن بين الاستغلال الاقتصادي للموارد البحرية وضرورة حمايتها.

المخرج هشام بن عمار صاحب فيلم رايس البحار

السينما الوثائقية كرافعة للوعي البيئي

تكشف هذه التظاهرة عن دور متزايد للسينما الوثائقية في معالجة القضايا البيئية، حيث لم تعد مجرد أداة للتوثيق، بل أصبحت وسيلة لإنتاج المعرفة وطرح بدائل تنموية. وتبرز أهمية هذا الدور في سياق وطني يواجه تحديات متصاعدة، من بينها تدهور الموارد الطبيعية، تراجع التنوع البيولوجي، وتفاقم تأثيرات التغيرات المناخية.

مدينة العلوم: تقاطع بين الثقافة والبحث العلمي

تواصل مدينة العلوم بتونس من خلال هذه المبادرات ترسيخ موقعها كفضاء يجمع بين الثقافة والعلم، عبر دعمها لتظاهرات تفتح المجال أمام الجمهور لفهم التحولات المعاصرة من خلال أدوات بصرية وتحليلية. كما تساهم في تعزيز حضور السينما الوثائقية كوسيط معرفي قادر على ربط البحث العلمي بالواقع الميداني.

في المحصلة، يبرز “يوم الفيلم الوثائقي التونسي” كمنصة نوعية لإعادة التفكير في دور السينما في المجتمع، ليس فقط كفن، بل كأداة لفهم التحولات البيئية والاقتصادية، ولطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التنمية في تونس.

زر الذهاب إلى الأعلى