Slidersمقالات

“صوت البحر”.. أو حين تُتاح مساحةُ إنصات للمجتمع المحلي في قرقنة؟!

أمل الصامت- كوسموس ميديا 

في أرخبيل قرقنة، لا يبدو البحر مجرد امتداد أزرق يحيط بالجزيرة، بل يتحول إلى ذاكرة جماعية ومصدر رزق وهوية ثقافية متوارثة، تختلط داخله أسئلة البيئة بالتنمية، وتتقاطع فيه قضايا العدالة البيئية مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المحلي.

وانطلاقا من هذا التصور، احتضنت جزيرة قرقنة من 08 إلى 10 ماي 2026، ورشة تشاركية جمعت 12 صحفيًا وصحفية من مختلف المؤسسات الإعلامية، نظّمتها جمعية القراطن للتنمية المستدامة والثقافة والترفيه في إطار أنشطة المحمية البحرية والساحلية بالجزَيْرات الشمالية لأرخبيل قرقنة، بالشراكة مع وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي، وتحت إشراف الصحفي مالك الخالدي.

الورشة، التي جاءت ضمن مشروع “صوت البحر”، لم تكن مجرد تدريب صحفي تقليدي، بل مساحة للتفكير الجماعي في واقع الجزيرة وتحدياتها البيئية والإنسانية، ومحاولة لخلق صلة مباشرة بين الصحفيين والمجتمع المحلي، عبر الإنصات إلى أصوات البحارة والحرفيين والفاعلين المحليين النساء منهم والرجال والذين ترتبط حياتهن/هم اليومية بالبحر.

الوصول إلى صوت البحر!

تقول منسقة المشروع ملاك سوسي، إن فكرة الورشة انطلقت من قناعة بأن الصحافة قادرة على لعب دور محوري في نقل قضايا قرقنة من الداخل، وفي بناء سرديات أكثر قربا من واقع الجزيرة وتعقيداتها البيئية والاجتماعية.

وأوضحت في تصريح لكوسموس ميديا، أن العمل على المحمية البحرية والساحلية لا يمكن أن يظل محصورا في المقاربة التقنية أو البيئية فقط، بل يحتاج أيضا إلى إشراك الإعلام باعتباره فضاء لإيصال صوت السكان المحليين.

وأضافت: “أردنا أن يكتشف الصحفيون قرقنة والقضايا الموجودة فيها، وأن يحاولوا الوصول إلى صوت البحر… وإلى أصوات النساء والرجال الذين يعيشون هذه التحديات يوميا”.

ويمتد مشروع “صوت البحر”، وفق سوسي، من مارس إلى أوت 2026، ويهدف إلى خلق فضاءات إعلامية ومحتويات صحفية تتيح للمجتمع المحلي التعبير عن قضاياه وتوثيق علاقته التاريخية بالبحر.

كما أشارت إلى أن اختيار المشاركين لم يكن سهلا، إذ حرصت الجمعية على ضمان تنوع المؤسسات الإعلامية المشاركة بين الصحافة المكتوبة والمسموعة والرقمية والإعلام البديل، بهدف إنتاج معالجات مختلفة قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع.

المحمية البحرية.. تصرف مشترك لا “احتكار إداري”

من جهته، يؤكد رئيس مصلحة المحميات البحرية والساحلية بالوسط والجنوب بـوكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي أحمد بن حميدة، أن العمل على المحميات البحرية لا يمكن أن يكون “حكرا على الإدارة”، بل يقوم أساسا على مبدأ التصرف المشترك بين المؤسسات العمومية والجمعيات المحلية والمجتمع المدني.

و اعتبر في تصريح لكوسموس ميديا على هامش فعاليات الورشة، أن نجاح أي محمية يظل رهين قدرتها على تحقيق توازن بين المحافظة على المنظومات البيئية وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان، خاصة في جزيرة تعتمد بشكل شبه كلي على البحر.

وقال في هذا السياق: “لا يمكن حماية البيئة بإقصاء الإنسان… نحن نبحث دائما عن معادلة تضمن الحفاظ على الموارد البحرية، وفي الوقت نفسه تحافظ على رزق البحارة وعلى طرق عيشهم وتقاليدهم”.

كما شدد على أهمية إشراك البحارة في إدارة المحميات البحرية، باعتبارهم يمتلكون معرفة دقيقة بالمجال البحري وبالتغيرات التي يعرفها النظام البيئي، مضيفًا أن البحّار “ليس مجرد مستغل للبحر، بل هو جزء من المنظومة البيئية نفسها”.

ويرى بن حميدة أن المجتمع المدني المحلي يمثل شريكا أساسيا في هذا المسار، بحكم معرفته الدقيقة بالمنطقة وبالفاعلين المحليين، وهو ما يسهّل عمل الإدارة ويساهم في تحسين التصرف في المحميات البحرية والساحلية.

متحف العباسية.. ذاكرة قرقنة الحيّة

ضمن البرنامج الميداني للورشة، زار المشاركون متحف العباسية، حيث استقبلهم الدكتور عبد الحميد الفهري، الذي قدّم قراءة معمقة في تاريخ الجزيرة وعلاقتها بالبحر.

ويصف الفهري المتحف بأنه فضاء ثقافي وبحثي متكامل، يضم مركز دراسات حول الجزر، ومتحفا إثنوغرافيا يوثق الحياة اليومية “للقراقنة” وعلاقتهم بالبحر والبر، إلى جانب فضاءات مخصصة للباحثين والطلبة.

وقال في معرض حديثه للصحفيين: “هذا المتحف لا يهتم فقط بالأشياء، بل بحياة الإنسان القرقني… بعلاقته بالبحر، وبأنشطته اليومية، وبطرق العيش التي تشكلت داخل الجزيرة”.

ويبرز المتحف خصوصية أنماط الصيد التقليدي في قرقنة، مثل “الشرْفية” و”الدْرينة العرجون” وغيرها من الأدوات، باعتبارها ممارسات تقوم على استغلال مستدام للموارد البحرية وتحترم التوازن البيئي للمنظومة البحرية.

ويشرح الفهري أن البحّار القرقني كان يعتمد تاريخيا على أدوات ومواد طبيعية ويصطاد بكميات محدودة تسمح بتجدد الثروة السمكية وعدم الإضرار بالبيئة البحرية، مضيفًا: “البحّار كان يترك الوقت للحوت حتى يتجدد.. وكانت طرق الصيد التقليدية أقل ضررا على الموائل البحرية والمنظومة البيئية البحرية ككل”.

غير أن هذه الممارسات تواجه اليوم تهديدات متزايدة بسبب التحولات الاقتصادية وانتشار المواد البلاستيكية ووسائل الصيد الحديثة الملوثة، إلى جانب تراجع استعمال المواد الطبيعية التقليدية.

ووصف الدكتور عبد الحميد الفهري هذا التحول بأنه “صراع بين أدوات نظيفة وصديقة للبيئة، وأدوات حديثة لكنها مؤذية للبحر”، معتبرا أن منطق الربح السريع ساهم في الإضرار بالتوازن البيئي الذي حافظت عليه الأجيال السابقة لعقود طويلة.

برط القراطن.. حيث يتقاطع الحنين بالقلق

ومن بين أبرز محطات الورشة الميدانية، كانت الزيارة إلى برط القراطن، أحد الفضاءات البحرية التي تندرج ضمن المحمية البحرية والساحلية بالجزيرات الشمالية لأرخبيل قرقنة.

هناك، التقت “كوسموس ميديا” بعدد من البحارة من مختلف الفئات العمرية؛ شيوخ وكهول وشباب، في مشهد اختلطت فيه الذاكرة بالقلق، والحنين بأسئلة المستقبل.

بعض البحارة، مثل العم ناجي و العم جمعة، استعادوا صورة البحر في عقود سابقة، حين كانت المياه “تجود بخيراتها”، وكانت الثروة السمكية أكثر وفرة وتنوعا، فيما تحدث آخرون بحسرة عن التغيرات التي عرفها النظام البيئي البحري خلال السنوات الأخيرة، من تراجع المخزون السمكي إلى اختفاء بعض الأنواع البحرية التي كانت جزءا من الحياة اليومية في قرقنة.

ولم تخلُ النقاشات من نبرة نقدية تجاه بعض الممارسات التي ساهمت، بحسب عدد من البحارة، في الإضرار بالمنظومة البحرية، سواء عبر الصيد العشوائي أو استعمال وسائل وتقنيات يعتبرونها “مؤذية للبحر” ولا تراعي خصوصية البيئة البحرية الهشة في الأرخبيل.

وفي المقابل، عبّر كلّ البحارة عن دعمهم لفكرة المحمية البحرية، معتبرين أن نجاحها يظل مرتبطا بمدى قدرتها على فرض احترام القوانين وتطبيق إجراءات رقابية صارمة على المخالفات البيئية

ويرى عدد منهم خاصة من فئة الشباب أن “القرارات الردعية” تبقى عنصرا أساسيا لضمان فعالية المحمية وحماية الثروة البحرية من الاستنزاف، خاصة في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وتزايد الممارسات غير المستدامة داخل المجال البحري.

لكن، ورغم اختلاف وجهات النظر، بدا واضحا خلال هذه اللقاءات أن البحر ما يزال يمثل بالنسبة إلى أهالي قرقنة أكثر من مجرد مورد اقتصادي؛ إنه جزء من الذاكرة الجماعية ومن الإحساس بالانتماء إلى الجزيرة.

الصحافة البيئية.. من التغطية إلى التأثير

على امتداد ثلاثة أيام، لم تقتصر الورشة على الجلسات النظرية أو الزيارات الميدانية، بل تحولت إلى مساحة للتفكير في دور الإعلام في الدفاع عن الحقوق البيئية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المحلية للمناطق الساحلية.

ففي قرقنة مثلا، تبدو الصحافة البيئية أكثر من مجرد نقل للمعلومة؛ إنها محاولة لإعادة ربط الإنسان بالبحر، وتوثيق ذاكرة جماعية مهددة بالتآكل، وطرح أسئلة تتعلق بالحق في الموارد، والاستدامة، ومستقبل الأجيال القادمة داخل جزيرة ما تزال حياتها معلّقة بإيقاع البحر.

كما كشفت الورشة أن حماية البحر لا يمكن أن تتحقق فقط عبر القوانين أو المشاريع التقنية أو إعلان منطقة ما كمحمية بحرية، بل تحتاج أيضا إلى بناء وعي جماعي جديد، يُنصت إلى السكان المحليين، ويأخذ بعين الاعتبار معارفهم وتجاربهم اليومية، ويؤمن بأن العدالة البيئية تبدأ أولا من حماية الإنسان وحقه في العيش داخل بيئة سليمة ومتوازنة.

زر الذهاب إلى الأعلى