سهير بولعابة- كوسموس ميديا
في أقصى الوسط الشرقي التونسي، حيث تتوسّط جزيرة قرقنة زرقة المتوسّط كأرخبيلٍ يحرس ذاكرة البحر، لا تبدو الحياة منفصلة عن الأمواج، بل تتشكّل على إيقاعها اليومي. هنا، لا يُنظر إلى البحر باعتباره مجرّد مصدر رزق أو فضاء للصيد، بل ككائن حيّ يسكن وجدان الأهالي ويحمل حكاياتهم وملامح هويتهم الممتدّة عبر الأجيال.
وفي هذا العالم البحري العريق، تبرز المرأة القرقنية بصورة تختلف عن الصور النمطية المعتادة؛ امرأة تشقّ طريقها بين الشباك والقوارب والحقول، تحفظ أسرار البحر كما تحفظ تفاصيل بيتها، وتشارك بصمتٍ وإصرار في حماية الثروة البحرية وصناعة لقمة العيش. فهي ليست مجرّد مرافقة للبحّار، بل جزء أصيل من دورة الحياة البحرية، وحارسة لذاكرة الصيد التقليدي الذي اشتهرت به الجزيرة.
ورغم هذا الحضور العميق، ظلّ دور “نساء قرقنة البحّارات” طويلًا بعيدًا عن الأضواء، تُخفيه العادات الاجتماعية أحيانًا، ويغيب عنه الاعتراف الاقتصادي والمؤسساتي أحيانًا أخرى. غير أنّ هذا الصمت كان يخفي وراءه علاقة استثنائية نسجتها النساء مع البحر؛ علاقة تقوم على المعرفة والخبرة والصبر، وتمتدّ من إصلاح شباك الصيد والمشاركة في بعض الرحلات البحرية، إلى تثمين المنتوج البحري والمساهمة في إعالة الأسرة وحماية البيئة البحرية.
في هذا الحوار، تفتح السيدة شرف مرابط، العضوة الناشطة بالجمعية القرقنية للتنمية المستدامة والثقافة والترفيه، نافذة على هذا العالم النسائي البحري المنسيّ، لتروي كيف تحوّلت نساء قرقنة من عاملات في الظل إلى “عيون ساهرة” على المحمية البحرية، وكيف أصبح التمكين الاقتصادي والتكوين الجماعي مدخلًا نحو الاستقلال المالي والاعتراف المجتمعي، ضمن تجربة تمزج بين حماية البيئة وصون التراث وتمكين النساء في آنٍ واحد.
س: بدايةً، ما الدور الجديد الذي أصبحت جمعيتكم تضطلع به داخل أرخبيل قرقنة؟
شرف مرابط:
منذ سنة 2023 شهدت الجمعية نقلة نوعية مهمة، بعد أن أصبحت رسميًا الجهة المتصرّفة في المحمية البحرية والساحلية للجزر الشمالية لأرخبيل قرقنة، وذلك بالشراكة مع وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي.
هذه المسؤولية الجديدة وسّعت من نطاق عملنا بشكل كبير؛ إذ أصبحنا نعمل على حماية الثروات البحرية الفريدة بالمنطقة، وفي مقدمتها نبتة “البوسيدونيا” البحرية النادرة، إلى جانب حماية الأخطبوط ودعم البحّارة التقليديين للحفاظ على طرق الصيد المستدامة.
هدفنا الأساسي اليوم هو تحقيق توازن حقيقي بين حماية البيئة البحرية وتثمين الموارد الطبيعية بطريقة تعود بالنفع الاقتصادي والاجتماعي على البحّار وعائلته.
س: عندما يُذكر “البحّار”، يتبادر إلى الذهن الرجل غالبًا، لكنك تؤكدين وجود “نساء بحّارات”. من هنّ؟
شرف مرابط: (تبتسم)
قرقنة عُرفت تاريخيًا بنسائها القويات وبعلاقتهن الخاصة بالبحر. وعندما أتحدث عن “نساء بحّارات”، فأنا لا أقصد فقط المرأة التي تركب “الفلوكة” وتبحر للصيد، بل أتحدث عن منظومة متكاملة من العمل والمعرفة والخبرة.
فالمرأة القرقنية حاضرة في كل حلقات سلسلة الصيد التقليدي؛ فهي التي تُجهّز شباك الصيد وتصلحها، وتشارك أحيانًا في رحلات الصيد، كما تتولى استخراج المنتوج البحري وبيعه وتثمينه. إنها شريك فعلي في الاقتصاد البحري المحلي، وليست مجرد عنصر مساعد كما يُصوَّر أحيانًا.
س: رغم هذا الدور الواسع، لا يزال حضور المرأة في قطاع الصيد يبدو خافتًا اجتماعيًا. لماذا؟
شرف مرابط:
هذا بالضبط ما نحاول تغييره من خلال اعتماد “مقاربة النوع الاجتماعي” داخل المحمية.
في الثقافة السائدة، غالبًا ما يُختزل حضور المرأة في البحر في صورة “المرافقة” للرجل؛ فنسمع عبارات من قبيل: “خرجت مع والدها أو شقيقها”، بينما الحقيقة أنها تمتلك معرفة دقيقة بالبحر وخبرة تراكمت منذ الطفولة.
النساء هنا يقلن دائمًا: “نعرف البحر أكثر مما نعرف بيوتنا”. هذه ليست مجرد عبارة شاعرية، بل واقع حقيقي. فالمرأة القرقنية تختزن ذاكرة البحر بتفاصيلها الدقيقة؛ تحفظ المواسم، والتيارات، وتغيّرات البيئة البحرية، وتنقل هذه المعرفة شفهيًا من جيل إلى آخر.
عندما تتحدث امرأة في السبعين من عمرها عن البحر، فإنها تستعيد خمسين عامًا من التفاصيل الدقيقة وكأنها حدثت بالأمس.
س: هل تمتلك هؤلاء النساء اعترافًا رسميًا بممارستهن للمهنة؟
شرف مرابط:
خلال زياراتنا الميدانية الأخيرة لمنطقة “العطايا”، فوجئنا بعدد النساء اللواتي يمتلكن وثائق رسمية لممارسة الصيد البحري.
ووفق المعطيات المتوفرة لدينا داخل نطاق المحمية، توجد قرابة عشر نساء يمتلكن رخص صيد رسمية للقوارب مسجلة بأسمائهن، إلى جانب أكثر من مئة امرأة يمتلكن “دفتر صيد” رسمي.
لكن الأرقام الحقيقية قد تكون أكبر، لأن عشرات النساء يمارسن الصيد يوميًا ضمن النشاط العائلي التقليدي دون تسجيل رسمي أو اعتراف إداري كامل.
س: كيف تستفيد المحمية البحرية من هذا الحضور النسائي المكثف في البحر؟
شرف مرابط:
نحن نعتبر النساء البحّارات “العيون الساهرة” للمحمية في عرض البحر.
ففي كثير من الأحيان، ترصد النساء تغيّرات بيئية أو ممارسات تهدد الثروة البحرية قبل أي جهة أخرى، بحكم وجودهن الدائم وقربهن من تفاصيل الحياة البحرية اليومية.
كما نعتمد عليهن كثيرًا في نشر الوعي البيئي داخل العائلات والمجتمع المحلي؛ فالمرأة القرقنية تملك تأثيرًا كبيرًا داخل محيطها الاجتماعي، وهي قادرة على ترسيخ ثقافة حماية البحر لدى الأبناء والجيران والعائلات.
س: المرأة القرقنية لا تعمل في البحر فقط، أليس كذلك؟
شرف مرابط:
بالفعل. المرأة في قرقنة معروفة بنشاطها الكبير وتعدد مهاراتها.
فإلى جانب عملها البحري، تعمل في الفلاحة وزراعة الزيتون والعنب والعناية بالبذور، كما تمارس تربية الماشية والدواجن. وهناك أيضًا من تتقن التطريز التقليدي والحرف اليدوية.
المرأة هنا لا تعتمد على مصدر دخل واحد، بل تبني اقتصادًا يوميًا متنوعًا يجمع بين البحر والأرض والحرفة.
س: ماذا قدمت الجمعية لتثمين هذه الأنشطة ودعم النساء اقتصاديًا؟
شرف مرابط:
منذ سنة 2025 بدأنا تنظيم دورات تدريبية موجهة خصيصًا للنساء، ركزت أساسًا على بناء القدرات وتعزيز الوعي بالقيمة الاقتصادية لعملهن.
الكثير من النساء لم يكنّ يدركن أن الأعمال التي يقمن بها يوميًا — مثل إصلاح شباك الصيد أو جني الزيتون — تُعد أعمالًا ذات قيمة مالية حقيقية، وليست مجرد “واجبات منزلية” أو أعمالًا ثانوية.
كنا نعمل على ترسيخ فكرة أساسية:
كل جهد تبذله المرأة له قيمة اقتصادية يجب أن تُحتسب وتعود بالنفع المباشر عليها.
س: وكيف ينعكس ذلك فعليًا على مداخيل النساء؟
شرف مرابط:
في إصلاح شباك الصيد مثلًا، يمكن للمرأة أن تتحصل على مقابل مالي محترم عن كل قطعة شباك تقوم بتركيبها أو إصلاحها، ومع تكرار العمل يوميًا يصبح الأمر مصدر دخل حقيقي وليس هامشيًا.
الأمر نفسه ينطبق على بقية الأنشطة التقليدية؛ فعندما تُثمَّن هذه الأعمال اقتصاديًا، تصبح المرأة أكثر قدرة على تحقيق استقلالها المالي والمساهمة بفاعلية في دعم أسرتها.
س: ما الأثر الاجتماعي الذي لمستمُوه بعد هذه اللقاءات والدورات؟
شرف مرابط:
هذا الجانب يُعد من أجمل النتائج التي حققناها.فخلال أكثر من 21 حصة تدريبية، لم تكتف النساء بالتعلّم فقط، بل تشكّلت بينهن علاقات تضامن وتبادل خبرات حقيقية.
الأجمل أن النساء بدأن، بشكل تلقائي ومستقل عن الجمعية، بتنظيم لقاءات دورية فيما بينهن؛ حيث تقوم كل امرأة بإيصال مهاراتها وخبراتها إلى الأخريات.
لقد تحولت هذه اللقاءات إلى مساحة نسائية جماعية للتعلّم والمشاركة والدعم المتبادل، وأصبحت النساء ينتظرنها بشغف كبير.
س: وماذا عن الأثر النفسي لهذه الأنشطة؟
شرف مرابط:
للأسف، كثيرًا ما يُختزل دور المرأة في الإنتاج والعمل فقط، بينما تُهمَل حاجتها النفسية والاجتماعية.
هذه اللقاءات وفرت للنساء متنفسًا حقيقيًا بعيدًا عن أعباء البحر والمنزل. أصبحت مساحة للراحة والتواصل وتبادل الحديث والتخفيف من ضغوط الحياة اليومية.
في النهاية، المرأة تحتاج أيضًا إلى وقت لنفسها، وإلى فضاء تشعر فيه بأنها مرئية ومسموعة ومقدّرة.
س: ما الخطوة القادمة التي تطمحون إليها؟
شرف مرابط:
نأمل مستقبلًا أن تتمكن النساء من تأسيس هيكل قانوني وتنظيمي خاص بهن، سواء في شكل مجمع تنموي أو جمعية مستقلة.
وجود هذا الهيكل سيسمح لهن بالحصول على التمويل، وتنظيم المعارض، وتسويق منتجاتهن التقليدية بشكل مباشر، بما يضمن الاستدامة والاستقلالية بعيدًا عن الارتباط المؤقت بالمشاريع أو الجمعيات.
هدفنا النهائي هو أن تصبح المرأة القرقنية قادرة على إدارة مشاريعها وقيادة مسارها الاقتصادي بنفسها.
س: كلمة أخيرة…
شرف مرابط:
اليوم لم نعد نتحدث عن مجرد أفكار نظرية، بل عن تغيير حقيقي بدأ يتجسد على أرض الواقع.
المرأة القرقنية أصبحت أكثر وعيًا بقيمتها، وأكثر إيمانًا بقدرتها على الإنتاج والاستقلال المالي والاجتماعي.
ونحن فخورون جدًا بهذا التحول، وسنواصل دعم هذه التجربة حتى تظل نساء قرقنة حافظات للبحر، وللذاكرة، ولإرث الجزيرة العريق.
حاورتها: سهير بولعابة




