سليديرمقالات

البيئة: القصة التي تُعيد كتابة كل شيء

يوم البيئة العالمي: لماذا لم تعد البيئة قضية بيئية فقط؟

 

 

أ. ضياء بوكتيلة

باحث في علم الوراثة والجينوميات التطبيقية للأنظمة الزراعية والبيئية

يشتغل على قضايا سيادة الموارد البيولوجية وحوكمة المعرفة العلمية

 

 

 

عندما يُذكر يوم البيئة العالمي، يتبادر إلى الأذهان فوراً التلوث والنفايات والتشجير والتغير المناخي. غير أن التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم تدفعنا إلى مراجعة هذه الصورة التقليدية. لقد تجاوزت البيئة اليوم حدود الملفّات القطاعية التي تعني المختصين والجمعيات البيئية، لتصبح أحد المحددات الرئيسية لمستقبل المجتمعات والدول..

لقد غادرت البيئة هامش السياسات العمومية لتستقر في قلبها. فالماء والغذاء والصحة والطاقة والاستثمار والاستقرار الاجتماعي، بل وحتى الأمن القومي والسيادة الاقتصادية والقدرة على التخطيط للمستقبل، أصبحت جميعها مرتبطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بحالة الأنظمة البيئية وقدرتها على الاستمرار.

 ولم يعد السؤال المطروح هو كيف نحمي البيئة، بل كيف نحمي مستقبلنا من خلال حماية البيئة.

الاقتصاد يبدأ من البيئة

غالباً ما يُنظر إلى الاقتصاد باعتباره عالماً مستقلاً تحكمه الأسواق والاستثمارات والمؤشرات المالية. لكن الحقيقة أن كل نشاط اقتصادي يعتمد في نهاية المطاف على موارد طبيعية وخدمات بيئية توفرها النظم الطبيعية.

فالزراعة تعتمد على الماء والتربة والتنوع البيولوجي. والسياحة تعتمد على جودة المشاهد الطبيعية والسواحل والموارد البيئية. وحتى الصناعة تعتمد على المياه والطاقة والمواد الأولية المستخرجة من البيئة.

وعندما تتراجع الموارد المائية أو تتدهور الأراضي الزراعية أو تزداد الظواهر المناخية المتطرفة، لا تواجه الدول أزمة بيئية فحسب، بل أزمة إنتاج وتراجعاً في النمو وفرص العمل والاستثمار.

لذلك لم تعد البيئة مجرد متغير يؤثر في الاقتصاد، بل أصبحت شرطاً وجودياً لاستمراره.

الصحة تبدأ من البيئة

لم تعد العلاقة بين البيئة والصحة تقتصر على التلوث أو الأمراض المرتبطة بالنفايات، بل أصبحت تُفهم اليوم في إطار مقاربة الصحة الواحدة

التي تؤكد الترابط الوثيق بين صحة الإنسان وصحة الحيوان وسلامة النظم البيئية. (One Health)

وهي مقاربة تزداد حضوراً في السياسات الصحية والبيئية الدولية خلال السنوات الأخيرة.

فقد أظهرت التجارب العالمية أن جودة الهواء والماء والغذاء والتوازنات البيئية تؤثر مباشرة في صحة الأفراد والمجتمعات.

إن موجات الحر المتزايدة ترتبط بارتفاع معدلات الوفيات والأمراض القلبية والتنفسية، كما أن تغيّر المناخ يساهم في توسع نطاق أمراض منقولة بالنواقل مثل الملاريا وفيروس غرب النيل إلى مناطق جديدة. كذلك يؤدي تراجع جودة الموارد المائية وتلوثها إلى زيادة مخاطر الأمراض المنقولة عبر الماء مثل الكوليرا والتهابات الجهاز الهضمي الحادة. كما أن تدهور النظم البيئية قد يؤثر على الأمن الغذائي، مما ينعكس بدوره على سوء التغذية وضعف المناعة.

وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار في حماية البيئة جزءاً أساسياً من الوقاية الصحية، ويغدو إدماج مقاربة الصحة الواحدة في السياسات العمومية ضرورة لمواجهة التحديات الصحية المعاصرة بطريقة شاملة ومستدامة.

الأمن الغذائي يبدأ من البيئة

تُقاس قوة الدول عادة بمؤشراتها الاقتصادية أو العسكرية، لكن السنوات الأخيرة أظهرت أن الأمن الغذائي أصبح أحد أهم عناصر الاستقرار الوطني.

ولا يمكن تحقيق أمن غذائي مستدام دون أنظمة بيئية قادرة على دعم الإنتاج الزراعي. فالجفاف والتصحر وتدهور الأراضي، إلى جانب التآكل الوراثي وفقدان التنوع الجيني للمحاصيل والسلالات المحلية، ليست مجرد مشكلات بيئية، بل عوامل تهدد مباشرة قدرة الدول على إنتاج غذائها وتأمين احتياجات سكانها.

وهكذا يتضح أن الأمن الغذائي لا يُبنى في الحقول وحدها، بل يقوم على استقرار الأنظمة البيئية التي تُغذيها، ومن ثم فإن اختلال البيئة يعني بالضرورة اختلال قدرة المجتمعات على تأمين غذائها.

الأمن المائي يبدأ من البيئة

بالنسبة إلى تونس، يمثل الماء المثال الأكثر وضوحاً على الترابط بين البيئة والتنمية. فبلادنا تعد من بين الدول التي تعاني من ندرة مائية هيكلية، حيث لا يتجاوز نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة نحو 400 متر مكعب سنوياً وفق التقديرات الدولية الحديثة، وهو مستوى يقل كثيراً عن عتبة الندرة المائية المعتمدة دولياً.

هذه الأرقام لا تعني فقط نقصاً في المياه، بل تعني تحديات متزايدة أمام الزراعة والصناعة والسياحة والتنمية الجهوية.

والأهم من ذلك أن أزمة المياه لا تُختزل في ندرة مورد طبيعي فحسب، بل تعكس أيضاً تراجع قدرة الأنظمة البيئية على تنظيم الدورة المائية وتجديد الموارد والحفاظ على توازنها. ورغم أن جزءاً من الضغوط المائية يرتبط بعوامل مناخية يصعب التحكم فيها، فإن استعادة النظم البيئية وتحسين إدارة الموارد الطبيعية يمكن أن يساهما في تعزيز القدرة على الصمود والحد من تفاقم العجز المائي.

ولذلك فإن إدارة الموارد المائية لم تعد قضية تقنية أو قطاعية، بل أصبحت تجسيداً واضحاً لحقيقة أساسية مفادها أن الأمن المائي يبدأ من البيئة.

حتى الجينات تبدأ من البيئة

لم تعد الجينات تُفهم اليوم باعتبارها “برنامجاً ثابتاً” منفصلاً عن محيطه، بل أصبحت تُدرك كمنظومة ديناميكية تتفاعل باستمرار مع الوسط البيئي الذي تعيش فيه الكائنات الحية. فالتعبير الجيني، وآليات التكيف، وحتى القدرة على الصمود أمام الإجهادات مثل الجفاف والحرارة والملوحة، هي في جوهرها استجابات بيولوجية مشروطة بالبيئة أكثر من كونها خصائص معزولة داخل المادة الوراثية.

وفي النظم الزراعية، يظهر هذا الترابط بشكل أكثر وضوحاً: فصنف نباتي قد يُظهر أداءً إنتاجياً جيداً في بيئة معينة، لكنه يفقد هذه القدرة في بيئة أخرى إذا تغيرت شروط الماء أو التربة أو المناخ. وهذا يعني أن القيمة الحقيقية للموارد الوراثية لا تكمن في تسلسلها الجيني فقط، بل في فهم تفاعلها مع الظروف البيئية المختلفة.

من هنا، تصبح دراسة الأوميكس في سياق بيئي واقعي أداة لفهم أعمق لقدرة الأنواع على التكيف، ولم يعد السؤال العلمي يقتصر على “ما هو الجين؟”، بل أصبح يشمل أيضاً: “متى وكيف ولماذا يُعبَّر هذا الجين في بيئة معينة؟”. بهذا المعنى، فإن البيئة ليست فقط إطاراً خارجياً يؤثر في الحياة، بل هي جزء من عملها الداخلي.

وهذا الترابط العميق بين البيئة والحياة لا يقتصر على الكائنات الحية وحدها، بل يمتد أيضاً إلى إنتاج المعرفة نفسها.

المعرفة تبدأ من البيئة

أحد التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم يتمثل في الانتقال من اقتصاد يعتمد أساساً على استغلال الموارد إلى اقتصاد يعتمد على إنتاج المعرفة حول تلك الموارد.

فالبيانات البيئية، والمعلومات الجينومية، والخرائط الرقمية للموارد الطبيعية، أصبحت أدوات لصناعة القرار وصياغة السياسات واستشراف المستقبل. ولذلك فإن الاستثمار في البحث العلمي البيئي لم يعد ترفاً أكاديمياً، بل أصبح استثماراً مباشراً في التنمية والسيادة والقدرة على التنافس.

من مراقبة الطبيعة إلى التنبؤ بمستقبلها

إذا كانت التحديات البيئية تتعقد يوماً بعد يوم، فإن الأدوات العلمية المتاحة لفهمها تشهد بدورها ثورة غير مسبوقة.

فبعد عقود كان فيها العلماء يكتفون بوصف الظواهر البيئية ومراقبة تغيراتها، أصبح بالإمكان اليوم استخدام الجينوميات، وتقنيات الأوميكس، والاستشعار عن بعد، والذكاء الاصطناعي لفهم النظم البيئية بصورة أكثر دقة والتنبؤ بمساراتها المستقبلية.

لقد دخلت العلوم البيئية عصر التوقع والاستباق المبنيين على البيانات. وأصبح من الممكن رصد مؤشرات الإنذار المبكر للتدهور البيئي، وتقييم قدرة الأنواع على التكيف، وتوجيه السياسات العمومية اعتماداً على معطيات علمية متقدمة بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل المتأخرة.

السيادة البيئية: مفهوم يتبلور في صمت

طوال عقود ارتبط مفهوم السيادة بالحدود السياسية، وبالتحكم في الموارد الطبيعية التقليدية مثل الطاقة والمعادن والمياه. غير أن التحولات البيئية والمناخية العميقة التي يشهدها العالم اليوم بدأت تفرض إعادة تعريف أوسع لهذا المفهوم، ليشمل ما يمكن تسميته بالسيادة البيئية.

فالدول لم تعد تواجه تحديات تتعلق بامتلاك الموارد فقط، بل بقدرتها على الحفاظ على توازن أنظمتها البيئية واستدامتها، وعلى إدارة التفاعلات المعقدة بين الماء والتربة والمناخ والتنوع الحيوي داخل حدودها. لقد أصبحت البيئة نفسها عنصراً من عناصر السيادة، لأنها تحدد بشكل مباشر هامش الحركة الاقتصادي والاجتماعي للدول.

وفي هذا السياق، لم تعد المعرفة البيئية مجرد أداة تقنية، بل أصبحت جزءاً من بنية القرار الاستراتيجي. فالدول التي تمتلك بيانات دقيقة حول مواردها الطبيعية، وتفهم ديناميكيات أنظمتها البيئية، وتستثمر في نماذج التنبؤ البيئي، تكون أكثر قدرة على تقليل المخاطر وتعزيز صمودها أمام الصدمات.

وهكذا، فإن السيادة البيئية لا تعني فقط حماية الطبيعة، بل تعني أيضاً القدرة على إدارة العلاقة المعقدة بين المجتمع ومحيطه البيئي بمختلف مكوناته الحيوية وغير الحيوية بطريقة تضمن الاستدامة، والاستقرار، والاستقلالية في القرار التنموي.

ما الذي يجب أن يتغير؟

التحدي الحقيقي لا يكمن في مضاعفة الخطابات البيئية أو الاحتفاء بالمناسبات الدولية، بل في إعادة دمج البعد البيئي داخل جميع السياسات العمومية.

فالسياسات الزراعية يجب أن تُصاغ في ضوء استدامة الموارد الطبيعية.

والسياسات الاقتصادية ينبغي أن تأخذ في الاعتبار كلفة التدهور البيئي.

والسياسات الطاقية والصحية والتربوية أيضاً لم تعد بمنأى عن هذا التحول، إذ يجب أن تدمج البعد البيئي في رؤاها وممارساتها.

كما أن البحث العلمي والابتكار يجب أن يصبحا جزءاً أساسياً من الاستجابة للتحديات البيئية.

لقد أصبح من الضروري الانتقال من إدارة آثار الأزمات إلى إدارة أسبابها، ومن منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق.

البيئة هي القصة الكبرى

ربما يكون أكبر تحول عرفه القرن الحادي والعشرون هو اكتشاف أن القضايا التي اعتدنا التعامل معها باعتبارها منفصلة ليست سوى فصول مختلفة من قصة واحدة.

فقصة الماء هي قصة البيئة. وقصة الغذاء هي قصة البيئة. وقصة الصحة هي قصة البيئة. وحتى قصة الاقتصاد والتنمية والاستقرار هي في جوهرها قصة بيئة.

لهذا السبب لم تعد البيئة قضية بيئية فقط. لقد أصبحت الإطار الذي يتحدد داخله مستقبل الدول والمجتمعات. وكل رؤية تنموية لا تضع هذا المعطى في قلب تفكيرها ستصطدم، عاجلاً أم آجلاً، بحدود الواقع البيئي الذي لا يقبل المساومة.

زر الذهاب إلى الأعلى