تحت شعار “تحرّك اليوم… يدوم الأثر غدًا”، احتضنت مدينة الثقافة بالعاصمة تظاهرة وطنية كبرى بمناسبة اليوم العالمي للبيئة، الذي يوافق 5 جوان من كل سنة، في حدث امتدّ على مدى يومين وجمع مختلف الفاعلين في الشأن البيئي.
وجاء تنظيم هذه التظاهرة بمبادرة من الوكالة الوطنية لحماية المحيط ووزارة البيئة، في إطار سعيهما إلى تحويل هذه المناسبة من محطة احتفالية ظرفية إلى فضاء للحوار والتفكير المشترك حول مستقبل البيئة في تونس، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات العمومية والخبراء والباحثين ومكونات المجتمع المدني، إلى جانب الفنانين والإعلاميين والشباب.

وفي قلب مدينة الثقافة، تحوّلت الفضاءات إلى ورشات مفتوحة للنقاش والتفاعل، حيث تراوحت الأنشطة بين مداخلات علمية ولقاءات حوارية وعروض لتجارب بيئية ناجحة، إضافة إلى ورشات موجّهة للأطفال والشباب، في محاولة لترسيخ الوعي البيئي لدى الأجيال الصاعدة باعتبارهم الفاعل الأساسي في أي تحول مستقبلي نحو الاستدامة.
وفي هذا السياق، أكدت الوكالة الوطنية لحماية المحيط أن هذه التظاهرة هدفت إلى الدفع نحو الانتقال من مستوى الوعي البيئي إلى الفعل البيئي الفعلي، عبر تشجيع السلوكيات المستدامة وتثمين المبادرات المحلية التي حققت نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، صرّح محمد الناصر جلجالي، المدير العام للوكالة الوطنية لحماية المحيط، لمنصة كوزموس ميديا، بأن الاحتفال باليوم العالمي للبيئة لم يقتصر على طابعه الرمزي، بل مثّل فرصة لإعادة طرح الإشكاليات البيئية بعمق وتقييم مدى تقدّم البرامج والمبادرات الوطنية في هذا المجال. وأضاف أن الهدف الأساسي يتمثل في الدفع نحو إحداث تغيير فعلي ومستدام في السلوك البيئي للمواطن، باعتبار أن أي سياسة بيئية لا يمكن أن تحقق نتائج ملموسة دون انخراط فعلي للمجتمع.

وأفاد جلجالي، في تصريحه ذاته، بأن الوكالة تعمل على تعزيز مقاربة تشاركية تجمع مختلف الفاعلين من مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والخبراء، إلى جانب الشباب، من أجل دعم التحول نحو سلوكيات أكثر استدامة. كما أشار إلى أن التحديات البيئية المتزايدة، وعلى رأسها ندرة المياه وتداعيات التغير المناخي، تفرض تسريع نسق العمل وتوسيع نطاق المبادرات التوعوية والميدانية، بما يضمن ترسيخ ثقافة بيئية دائمة وليست ظرفية.
وجاء في تصريحات المدير العام للوكالة أن تثمين ما تحقق من برامج ومبادرات خلال السنوات الأخيرة يُعدّ مسألة مهمة لإلهام الآخرين وبناء مبادرات تشاركية.

وأشار المسؤول ذاته إلى أن تونس، ورغم تعدد المشاريع والمبادرات البيئية، ما تزال تواجه تحديات متزايدة تتعلق أساسًا بندرة المياه، وتفاقم فترات الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب آثار التغيرات المناخية والتصحر، وهي تحديات تفرض مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الظرفية نحو سياسات مستدامة وطويلة المدى.
كما أوضح أن تصنيف تونس في المرتبة 66 من بين 167 دولة وفق بعض المؤشرات البيئية الدولية، عكس وجود جهود قائمة، لكنه أبرز في المقابل حجم التحديات التي لا تزال مطروحة، خاصة فيما يتعلق بترسيخ الوعي البيئي وتحويله إلى ممارسة يومية.
وفي موازاة ذلك، أعلنت الوكالة عن جملة من المبادرات المستقبلية الهادفة إلى تعزيز المسار البيئي الوطني، من بينها مشاريع تشجير كبرى وحملات تحسيسية مشتركة مع عدد من الوزارات، على غرار التربية والتعليم العالي والثقافة والفلاحة، إضافة إلى برامج ميدانية تستهدف دعم المشاركة المجتمعية في حماية البيئة.

ورغم تعدد المبادرات، ظلّ الرهان الأساسي، وفق الكثيرين، مرتبطًا بقدرة هذه السياسات على إحداث تغيير حقيقي في السلوك اليومي للمواطن، باعتبار أن التحول البيئي لا يُقاس فقط بعدد البرامج، بل بمدى ترسخ ممارسات بسيطة مثل ترشيد استهلاك المياه، وفرز النفايات، وحماية المساحات الخضراء.
وفي ظل التحديات المتصاعدة التي واجهتها البلاد، من ضغط على الموارد المائية إلى التغيرات المناخية المتسارعة، برز السؤال حول مدى قدرة الفعل البيئي في تونس على الانتقال من مستوى المبادرات إلى مسار مستدام يرسّخ ثقافة بيئية جديدة داخل المجتمع.

يبقي المؤكد أن حماية البيئة لم تعد خيارًا ثانويًا، بل أصبحت رهانًا وطنيًا يتطلب تضافر الجهود بين الدولة والمجتمع، من أجل بناء نموذج تنموي أكثر توازنًا واستدامة.
ن.ع.




