سليديرمقالات

الألواح الشمسية في تونس: هل يتحوّل الحل الطاقي إلى مشكلة بيئية؟

كوسموس ميديا– تونس 

في الوقت الذي تتسارع فيه تونس نحو تعزيز مكانتها ضمن مسار التحول الطاقي العالمي الذي يرنو إلى الاستدامة، تبرز الطاقة الشمسية كإحدى لبنات هذا التوجّه، مدفوعةً بالطلب المتزايد على الكهرباء وبضغوط متصاعدة لتقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وما تخلّفه من عجز اقتصادي وتداعيات بيئية.

وفي المقابل، يطرح هذا التوسع المتسارع إشكالية جديدة تتعلق بمصير ملايين الألواح الشمسية عند وصولها إلى نهاية عمرها الافتراضي. فبينما تُصنَّف الطاقة الشمسية اليوم ضمن أبرز تجليات التنمية المستدامة، باعتبارها محاولة للتوفيق بين حاجيات الحاضر ومصير الأجيال القادمة، تكشف التجربة العملية أن الاستدامة لا تتوقف عند مرحلة الإنتاج فحسب، بل تمتد أيضًا إلى ما بعد مرحلة الاستعمال. مسألة ما تزال تتسم بالضبابية في تونس، رغم تسارع وتيرة الاستثمار في هذا القطاع.

 توسّع سريع حفزه العجز الطاقي والأزمات البيئية

تمثل التنمية المستدامة أحد أهمّ شواغل العالم اليوم وتعد المسائل المتعلقة باستخدام الطاقات المستدامة أحد ركائز هذا التحدي. لا سيما في ظل تنامي الأنشطة الاقتصادية في العالم بشكل عام حيث قررت العديد من المؤسسات العالمية تحويل مساعيها نحو تَلافي الآثار الجانبية التي يمكن أن تنتج عنها هذه الأنشطة لا الآثار الاقتصادية فقط وإنما الآثار البيئية أيضا لتصبح مختلف أنشطتها تسعى نحو الاستدامة.

 ويشمل هذا المسار العديد من العناصر المتدخلة في الحياة اليومية على غرار الاستدامة الطاقية. ثمّ إنّ في الآونة الأخيرة كما على مدار التاريخ كغيرها من البلدان، تتضاعف حاجة البلاد التونسية للعنصر الطاقي نظرا لتنامي الاستخدامات والحاجات إليه في مختلف الأنشطة بيد أن الاعتماد على الطاقات التقليدية يضع البلاد أمام تحديات عديدة فضلاً عن عدم استقرار أسعارها في الأسواق العالمية والمشاكل البيئية المتسببة فيه. كل ذلك أدّى إلى انخراط تونس بدورها في هذا المسار العالمي وبدأت بالعمل على تطوير سياساتها في الاستخدام الرشيد للطاقة اضافة إلى تبنّي سياسة تهدف إلى رفع نسبة إدماج الطاقات المتجددة في المنظومة الكهربائية إلى حدود 35% بحلول سنة 2030، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري بشكل تدريجي.

ترجم هذا التوجه من خلال سلسلة من المشاريع القانونية والسياسات العمومية، حيث صادق مجلس النواب مؤخرًا على عدد من مشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية ليدخل هذا القطاع مرحلة توسع مؤسساتي واستثماري متسارع. ورغم أن المعطيات الرسمية لا تُقدَّم عادة بعدد الألواح، بل بقدرة الإنتاج، فان التقديرات تشير وفق البيانات الصادرة عن وزارة الطاقة والوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة في تونس، إلى أن القدرة الإجمالية للطاقة الشمسية الكهروضوئية في البلاد تبلغ حوالي 900 ميغاواط خلال سنة 2025، وباعتبار أن كل ميغاواط من الطاقة الشمسية يُقابل حوالي 2000 لوح شمسي، يمكن تقدير العدد الإجمالي للألواح المركبة في تونس بما يتراوح بين 1.5 و2 مليون لوح شمسي تقريبًا دون احتساب المشاريع المصادق عليها مؤخرا.  

ويُضاف إلى ذلك الارتفاع الكبير في واردات تونس من الألواح الشمسية، إذ احتلت المرتبة الثامنة ضمن قائمة أكثر الدول العربية استيرادًا للألواح الشمسية الصينية، كما سجلت أعلى نسبة نمو في الواردات بلغت 420%، لترتفع من 0.05 جيغاواط خلال الربع الأول من سنة 2025 إلى 0.26 جيغاواط خلال الفترة نفسها.

ماذا بعد انتهاء عمر الألواح الشمسية ؟

إلى حدّ اليوم ورغم التسارع الملحوظ في وتيرة الاستثمار في الطاقة الشمسية داخل تونس، تبدو مسألة إعادة تدوير ألواحها خارج دائرة الجاهزية الفعلية. إذ تتكوّن هذه الألواح من مواد متعددة تشمل الزجاج والألمنيوم والسيليكون، إلى جانب كميات صغيرة من معادن مثل الفضة والنحاس، فضلًا عن مواد بلاستيكية مخصّصة للعزل والحماية. وفي هذا السياق، تشير الدراسات إلى إمكانية استرجاع ما يزيد عن 90% من مكوناتها  خاصة الزجاج والألمنيوم وبعض المعادن الثمينة. غير أن دراسات علمية منشورة سنة 2024 في مجلة ساستينابيليتي تؤكد أن عملية إعادة التدوير تظل معقدة تقنيًا، إذ تتطلب تفكيكًا دقيقًا وفصلًا متقدمًا بين المكونات المختلفة مثل الزجاج والسيليكون والمعادن، ما يجعلها مكلفة في غياب أطر مؤسساتية وتشريعية داعمة.

ولئن تستخدم هذه المكونات في إنتاج طاقة نظيفة، فإن عمر الألواح الافتراضي لا يتجاوز عادة 20 إلى 30 سنة، قبل أن تبدأ كفاءتها في التراجع تدريجيًا، لتتحول في النهاية إلى نفايات صناعية تحتاج إلى معالجة خاصة. وفي هذا السياق، لا تزال تونس تفتقر إلى منظومة صناعية متخصصة وإطار قانوني دقيق ينظم دورة حياة هذه الألواح بعد انتهاء استخدامها، على عكس التجربة الأوروبية التي تعتمد منذ سنوات على توجيه النفايات الكهربائية والإلكترونية، بما في ذلك الألواح الشمسية، ضمن منظومة إلزامية لإعادة الجمع والتدوير.

ورغم وجود تقنيات متقدمة في العديد من الدول، لا تزال عملية إعادة التدوير معقدة ومكلفة، بسبب صعوبة فصل المواد المكوِّنة للوحات، وتعدد طبقاتها، وتداخل معادنها. اذ تمر عملية إعادة تدوير الألواح الشمسية بعدة مراحل تقنية دقيقة تبدأ أولًا بمرحلة الجمع والنقل، حيث يتم استرجاع الألواح المنتهية الصلاحية من مختلف المواقع ونقلها إلى مراكز متخصصة في المعالجة. بعد ذلك تأتي مرحلة تفكيك المكونات الأساسية، والتي تشمل إزالة الزجاج إطارات الألومنيوم وصناديق التوصيل بهدف فرزها بشكل منفصل. ثم يخضع اللوح لعملية التكسير أو فصل الطبقات، وهي مرحلة تقنية تهدف إلى تفكيك البنية الداخلية للوحة وفصل مكوناتها المختلفة عن بعضها البعض. في المرحلة الموالية، يتم إخضاع المواد الناتجة إلى عمليات فرز متقدمة تعتمد على تقنيات مثل الفصل المغناطيسي والفرز من أجل عزل كل مادة على حدة. وبعد ذلك تمر المواد المسترجعة بمرحلة معالجة خاصة وفق طبيعتها الكيميائية والفيزيائية، بما يسمح بإعادة إدماجها في سلاسل إنتاج جديدة. وفي النهاية، تُعاد تثمين هذه المواد عبر تحويلها إلى منتجات صناعية جديدة، في إطار نموذج الاقتصاد الدائري الذي يسعى إلى تقليص النفايات وتعزيز إعادة الاستخدام.

وفي السياق الأوروبي، شهدت فرنسا خلال السنوات الأخيرة تطورًا في هذا القطاع، حيث تم إنشاء مراكز متخصصة لمعالجة الألواح الشمسية المستعملة، من بينها أول مصنع في مدينة روسي الذي بدأ نشاطه سنة 2018 بطاقة معالجة تصل إلى نحو 4000 طن سنويًا من الألواح الكهروضوئية، ما يعكس تصاعد الاهتمام الصناعي بإعادة تدوير هذا النوع من النفايات في إطار التحول الطاقي.

تُبرز التجارب الدولية السابقة ضرورة إرساء منظومة متكاملة لإعادة تدوير الألواح الشمسية، وهو ما يتطلب تطوير البنية التحتية اللازمة والتفكير في مرحلة ما بعد الاستخدام الأولي، بما يحدّ من مخاطر التخزين العشوائي أو التخلص غير المنظم من هذه الألواح. إذ يؤدي ذلك إلى تداعيات بيئية على المدى البعيد، خصوصًا في حال تسرب بعض المواد إلى التربة أو المياه الجوفية. وفي هذا السياق، لا تُقاس نجاعة التحول الطاقي فقط بقدرة الإنتاج النظيف، بل أيضًا بمدى قدرة المنظومة على إدارة نفاياتها المستقبلية. فكيف ستتعامل تونس مع هذه المسألة؟

 هل تمتلك تونس اليوم البنية اللازمة لإدارة وإعادة تدوير هذه النفايات في المستقبل؟ (غرافيك و عمل الصحفي ثامر عويني)

🖼️ هذا الغرافيك من انتاج و إنجاز الصحفي ثامر عويني، بالتعاون مع: فرص خضراء، Climatic Peace، وإذاعة راديو ويب فوشانة.

زر الذهاب إلى الأعلى