مبروكة خذير-كوزموس ميديا – تونس
بين حلم التراث العالمي وشقوق الأرض: هل تنقذ تونس جوهرة المتوسط قبل فوات الأوان؟
في جويلية 2026، ستكون سيدي بوسعيد أمام لحظة مفصلية في تاريخها، عندما تنظر لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، خلال دورتها الثامنة والأربعين بمدينة بوسان الكورية الجنوبية، في ملف ترشيحها للإدراج على قائمة التراث العالمي.
فالملف الذي أودعته تونس في جانفي 2025 تحت عنوان “قرية سيدي بوسعيد: مركز للإلهام الثقافي والروحي في البحر الأبيض المتوسط” لا يختبر فقط القيمة المعمارية والتاريخية للقرية، بل يطرح أيضا سؤالا جوهريا حول قدرتها على الصمود أمام التحديات البيئية المتزايدة.
وتأتي هذه المحطة الدولية في وقت تشهد فيه الهضبة التي تحتضن القرية مؤشرات مقلقة، تمثلت في مظاهر تآكل وانزلاقات أرضية ببعض المنحدرات الساحلية، وهو ما أعاد إلى الواجهة هشاشة هذا الموقع الذي ظل لقرون رمزا للتوازن بين الإنسان والبحر.
ولا يقتصر تقييم اليونسكو على الجمال المعماري أو القيمة التاريخية، بل يشمل أيضا مدى قدرة الدولة على ضمان حماية الموقع واستدامته في مواجهة التغيرات المناخية وارتفاع مستوى سطح البحر والضغوط المتزايدة على المناطق الساحلية.
وبذلك، تتحول معركة سيدي بوسعيد إلى أكثر من مجرد سباق نحو الاعتراف الدولي، لتصبح اختبارا لقدرة تونس على حماية ذاكرة المكان وطبيعته في آن واحد، إذ إن الحصول على صفة التراث العالمي لن يكون نهاية الطريق، بل بداية مسؤولية طويلة الأمد للحفاظ على هذا المشهد الثقافي والطبيعي الفريد.
من قرية الفنانين إلى قائمة التراث العالمي
لا يعود اهتمام اليونسكو بسيدي بوسعيد إلى طابعها المعماري وحده، بل إلى ما تمثله من فضاء ثقافي وروحي استثنائي في المتوسط، احتضن على مدى عقود فنانين ومفكرين وموسيقيين، وحافظ على هوية عمرانية مميزة جعلته أحد أبرز رموز تونس.
وفي جانفي 2025، قدمت تونس ملف ترشيح القرية إلى منظمة اليونسكو، ليدخل مرحلة التقييم قبل أن يُحسم فيه خلال دورة لجنة التراث العالمي سنة 2026.
غير أن إدراج أي موقع على القائمة لا يعتمد على جماله فقط، وإنما على امتلاكه “قيمة عالمية استثنائية”، إلى جانب وجود منظومة فعالة تضمن حمايته واستمراريته للأجيال القادمة.
وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن حماية سيدي بوسعيد من الأخطار التي تهدد الهضبة التي تقوم عليها؟

الهضبة التي بدأت تفقد تماسكها
في السنوات الأخيرة، لم يعد الحديث عن هشاشة هضبة سيدي بوسعيد مجرد فرضيات، بعد تسجيل مؤشرات على تحركات أرضية وتآكل في بعض المنحدرات، خاصة بمحيط قصر النجمة الزهراء، وهو ما دفع السلطات إلى متابعة الوضع بمشاركة مختلف الهياكل المختصة.
وقد كشفت المعاينات عن تشققات في بعض المواقع وتراجع في استقرار أجزاء من التربة، ما استوجب تكثيف عمليات المراقبة.
ورغم أن هذه المؤشرات لا تعني انهيارا وشيكا للهضبة، فإنها تؤكد أن المنحدرات الساحلية تبقى أنظمة جيولوجية حساسة تتأثر بعوامل طبيعية وبشرية، مثل تسرب المياه والانجراف والضغط العمراني والتغيرات المناخية.

عندما يصبح المطر عاملا في عدم استقرار الأرض
قد يبدو المطر مصدرا للحياة، لكنه في المناطق ذات البنية الجيولوجية الهشة قد يتحول إلى عنصر يزيد من احتمالات الانزلاق.
فعندما تتسرب مياه الأمطار إلى الطبقات الأرضية، ترتفع رطوبة التربة، وتضعف بعض الطبقات الطينية، مما يقلل من قدرة المنحدرات على مقاومة الجاذبية ويزيد من احتمال حدوث الانزلاقات.
ومع التغير المناخي، أصبحت الأمطار الغزيرة خلال فترات قصيرة والعواصف البحرية أكثر تكرارا، وهو ما يضاعف الضغوط على المواقع الساحلية، ويجعل سيدي بوسعيد جزءا من تحد عالمي يواجهه عدد متزايد من مواقع التراث.
البحر… مصدر الجمال ومصدر التهديد
ارتبطت هوية سيدي بوسعيد دائما بإطلالتها على خليج تونس، غير أن هذا الموقع الساحلي نفسه يجعلها أكثر عرضة للتآكل.
فالسواحل التونسية تشهد خلال السنوات الأخيرة تراجعا متواصلا نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر، وتراجع الإمدادات الطبيعية من الرواسب، وتأثير المنشآت الساحلية، وتغير ديناميكية الأمواج والتيارات البحرية.
وفي سيدي بوسعيد لا يقتصر الأمر على خسارة أجزاء من الساحل، بل يمتد إلى التأثير في العلاقة الطبيعية والبصرية التي صنعت فرادة هذا المشهد عبر القرون.

هل يشكل التآكل عائقا أمام تصنيف اليونسكو؟
وجود أخطار بيئية لا يعني بالضرورة رفض ملف الترشيح، إذ تواجه العديد من مواقع التراث العالمي تحديات مماثلة.
غير أن ما يهم اليونسكو هو مدى توفر رؤية واضحة لحماية الموقع وإدارته.
ولهذا، فإن نجاح ملف سيدي بوسعيد لا يرتبط فقط بالحفاظ على طابعها العمراني، بل أيضا بوجود إجراءات عملية تشمل:
- دراسات جيولوجية دقيقة للهضبة.
- نظام دائم لمراقبة حركة التربة.
- استراتيجية للتكيف مع التغيرات المناخية.
- حماية الساحل من التآكل.
- تنظيم التوسع العمراني.
- إشراك المجتمع المحلي في جهود المحافظة على الموقع.
أكثر من قرية جميلة
تكمن خصوصية سيدي بوسعيد في العلاقة المتوازنة التي نشأت عبر التاريخ بين الإنسان والطبيعة، وبين العمارة والهضبة والبحر.
ولهذا، فإن الحفاظ على هذه العلاقة يمثل عنصرا أساسيا في مستقبل الموقع، لأن القيمة الحقيقية للقرية لا تكمن في مبانيها فقط، بل في المشهد الطبيعي والثقافي الذي منحها شخصيتها الفريدة.
سيدي بوسعيد أمام لحظة الحقيقة
تقف سيدي بوسعيد اليوم عند مفترق طرق، بين حلم الانضمام إلى قائمة التراث العالمي وواقع بيئي يفرض تحديات متزايدة.
فالرهان لا يقتصر على الحصول على اعتراف دولي، بل يمتد إلى إثبات قدرة تونس على حماية هذا التراث الطبيعي والثقافي من آثار التآكل والتغيرات المناخية.
فالتراث لا يقوم على الحجارة وحدها، بل على الأرض التي تحملها، وعلى التوازن الذي حافظ عليه الإنسان والطبيعة عبر قرون.
ولهذا، فإن أكبر تحد أمام تونس ليس فقط أن تنجح في إدراج سيدي بوسعيد ضمن قائمة التراث العالمي، بل أن تضمن بقاء هذه الجوهرة المتوسطية شاهدة على هذا الانسجام الفريد للأجيال القادمة.




