سليديرمقالات

الكندير لا ينقذ غابات احترقت… سياسة الوقاية هي التي تمنع سقوطها في الرماد

مبروكة خذير: الرئيسة المديرة التنفيذية لمنصة كوزموس ميديا/ متخصصة في الإعلام و الاتصال البيئي

 

من تحت دخان الحرائق التي التهمت مساحات من غاباتنا، ارتفعت أصوات كثيرة تطالب اليوم باقتناء طائرات إطفاء برمائية من نوع Canadair، باعتبارها الحل الذي كان يمكن أن يغير مسار الكارثة. صورة الطائرة وهي تحلق فوق ألسنة اللهب أصبحت في المخيال الجماعي في هذه الازمة الخانقة رمزاً للإنقاذ، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بجدية أكبر ليس: كم طائرة نحتاج لإطفاء الحرائق؟
بل: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الحريق أقوى من الغابة وأسرع من تدخلنا؟

لأن الدول التي نجحت نسبياً في تقليص خسائر حرائق الغابات لم تبنِ استراتيجيتها فقط على الإطفاء، بل على الوقاية. لم تنتظر النار حتى تلتهم الأشجار، بل استثمرت قبل ذلك في تنظيف الغابات، وتهيئة المسالك، وإدارة الغطاء النباتي، ومراقبة المناطق الحساسة، وتقوية فرق الحراسة.

فالطائرة تأتي بعد الفشل… أما الوقاية فهي محاولة لمنع الفشل.

السيطرة على حريق جبل الشحمة بزغوان الذي اندلع مساء يوم 11 جويلية 2026 بعد أكثر من 40 ساعة من التدخلات المكثفة

ثمن طائرة واحدة أم حماية ملايين الهكتارات؟

لا أحد ينكر أهمية الطائرات البرمائية في مواجهة الحرائق الكبرى. فهي أدوات تدخل حاسمة عندما تصبح النيران خارج السيطرة، لكنها ليست بديلاً عن إدارة غابية قوية.

طائرة Canadair CL-415، التي أصبحت من أشهر طائرات مكافحة الحرائق في العالم، تبلغ كلفة اقتنائها عشرات ملايين الدولارات، وقد تجاوزت أسعار بعض العقود الحديثة حوالي 50 مليون دولار للطائرة الواحدة.

لكن تكلفة الطائرة لا تتوقف عند الشراء. هناك كلفة التشغيل، والصيانة، والتدريب، وقطع الغيار، والبنية اللوجستية الضرورية لضمان جاهزيتها.

فبحسب تقديرات تشغيلية متداولة، يمكن أن تصل كلفة ساعة طيران الطائرات المائية لمكافحة الحرائق إلى حوالي 13 ألف دولار للساعة الواحدة، بينما تبلغ كلفة بعض المروحيات المتخصصة في إطفاء الحرائق حوالي 16 مليون دولار لاقتناء الواحدة، مع كلفة تشغيلية تقارب 3 آلاف دولار لساعة الطيران.

طائرة Canadair CL-415

أما الطائرات الثقيلة التي تلقي مواد مثبطة للنيران، فقد تصل كلفة العملية الواحدة إلى عشرات آلاف الدولارات، وقد تُقدّر بعض عمليات الإلقاء بحوالي 60 ألف دولار حسب نوع الطائرة والحمولة والظروف التشغيلية.

هذه أموال تُنفق بعد اشتعال النار… بعد أن تكون الغابة قد بدأت تدفع الثمن.

في المقابل، تشير دراسات حول إدارة الوقود الغابي وتقليل مخاطر الحرائق إلى أن تدخلات الوقاية، مثل إزالة المواد النباتية الجافة، وتقليل الكتل القابلة للاشتعال، وتهيئة المسالك، يمكن أن تكون أقل كلفة بكثير مقارنة بمصاريف الإطفاء بعد اندلاع الحريق. وتظهر دراسات إدارة الغابات أن برامج معالجة الوقود الغابي تختلف حسب طبيعة المنطقة، لكنها تظل في العادة أقل بكثير من كلفة عمليات الإخماد الكبرى.

إذا افترضنا تكلفة وقائية في حدود 8 إلى 16 دولاراً للهكتار الواحد لأعمال التهيئة والتنظيف وإدارة المخاطر، فإن ثمن طائرة واحدة بقيمة تقارب 50 مليون دولار يمكن أن يعادل نظرياً تكلفة تهيئة وصيانة أكثر من 3.3 مليون هكتار لمدة عام كامل عند احتساب الحد الأدنى من هذه التكاليف.

أي أننا أمام خيار استراتيجي واضح:

هل نستثمر في آلة تطارد النار بعد ولادتها؟ أم نستثمر في أرض تمنع النار من الانتشار؟

أسفر حريق جبل الشحمة بمعتمدية زغوان عن تضرر مساحات شاسعة تجاوزت 1300 هكتار

الغابة لا تحترق فجأة… الغابة تُترك أولاً لتصبح قابلة للاشتعال

الحريق ليس لحظة واحدة. الحريق نتيجة تراكمات طويلة.

يبدأ عندما تتحول الغابة إلى فضاء مهمل.
عندما تتراكم الأغصان اليابسة.
عندما تصبح النفايات البلاستيكية والزجاجية وسط الأشجار مادة قابلة للاشتعال.
عندما تغلق المسالك التي تسمح بالتدخل السريع.
عندما تغيب المراقبة.
وعندما يعرف من يشعل النار أنه قد لا يدفع ثمن جريمته.

لو أننا استثمرنا في الوقاية لما وصلنا إلى هذه المرحلة.

لو أننا نظفنا الغابات طوال السنة لما وجد الحريق وقوده جاهزاً.
لو أننا فتحنا وصنا المسالك الغابية لما بقيت بعض المناطق بعيدة عن تدخل الفرق.
لو أننا طورنا أنظمة الإنذار المبكر والمراقبة لما تحولت شرارة صغيرة إلى كارثة واسعة.

الدول الحديثة في إدارة الحرائق بدأت تتحول من مفهوم إطفاء الحريق إلى مفهوم إدارة مخاطر الحريق، لأن الدراسات العلمية تؤكد أن تقليل المواد القابلة للاشتعال داخل الغابات يساهم في الحد من شدة الحرائق وتقليص خسائرها.

من يحمي الغابة؟ حراس يتراجع عددهم وتتضاعف مسؤولياتهم

لكن أي سياسة وقائية ستبقى حبراً على ورق إذا لم نحافظ على الإنسان الذي يقف في الخط الأول: أعوان الغابات.

هؤلاء الذين يحملون عبء حماية آلاف الهكتارات يعملون اليوم في ظروف صعبة. فعدد الحراس تراجع خلال السنوات الأخيرة بفعل التقاعد، وضعف الانتدابات، مقابل توسع حجم المخاطر.

حراس الغابات الدرع الحامي للغابات في تونس

حراس الغابات… خط الدفاع الأول الذي يضعف كل صيف

وراء كل حريق غابي لا توجد فقط أشجار تحترق، بل هناك أيضاً منظومة حماية تنهك بصمت. هناك رجال ونساء يقفون في الصف الأول لمواجهة الكارثة، لكنهم يفعلون ذلك بإمكانيات لا تتناسب مع حجم المهمة الموكلة إليهم. إنهم أعوان الغابات، العين التي يفترض أن تراقب ملايين الهكتارات، واليد التي يجب أن تتدخل قبل أن تتحول الشرارة إلى جحيم.

في تونس، تواجه هذه المنظومة منذ سنوات مشكلة عميقة: تراجع الموارد البشرية، تقادم المعدات، واتساع الفجوة بين حجم الثروة الغابية وحجم الوسائل المتوفرة لحمايتها.

فوفق معطيات الإدارة العامة للغابات، تراجع عدد أعوان الغابات بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ عددهم حوالي 4000 عون سنة 2026 مقابل نحو 14 ألف عون خلال الفترة 2022-2023، أي فقدان آلاف الأعوان الذين كانوا يمثلون جزءاً أساسياً من منظومة المراقبة والتدخل. كما تقلص عدد الإطارات المختصة إلى حوالي 260 إطاراً فقط، في وقت تمتد فيه مساحة الغابات والمراعي في تونس إلى حوالي 5.3 ملايين هكتار، وهو ما يعني عملياً معدل يقارب عوناً واحداً لكل ألف هكتار.

هذه الأرقام تكشف حجم المفارقة: كيف يمكن لعون واحد أن يحرس مساحة شاسعة، وأن يراقب المخالفات، وأن يتابع عمليات القطع غير القانوني، وأن يتدخل عند اندلاع الحريق، وأن يقوم بأعمال الوقاية والصيانة في نفس الوقت؟

المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الأعوان، بل أيضاً بوسائل العمل. فالأسطول المخصص للتدخل يعاني من التقادم، حيث أشارت معطيات الإدارة العامة للغابات إلى وجود حوالي 140 شاحنة إطفاء مع نقص في السائقين والآليات الثقيلة، إذ لا يتوفر الأسطول إلا على عدد محدود من المعدات الثقيلة المخصصة لفتح المسالك والتدخل.

لكن خلف هذه الأرقام توجد معاناة بشرية لا تظهر في صور الحرائق.
أعوان الغابات لا يعملون فقط في ظروف مناخية قاسية خلال الصيف، بل يخوضون طوال العام معركة صامتة ضد المخالفات والاعتداءات على الملك الغابي. كل مخالفة يحررونها، وكل عملية قطع غير قانونية يوقفونها، قد تجعلهم في مواجهة مباشرة مع أشخاص يرون في الغابة مورداً للاستغلال لا ثروة وطنية يجب حمايتها.

هؤلاء الأعوان يدفعون أحياناً من صحتهم وسلامتهم ثمن تطبيق القانون. يعملون في مناطق جبلية وعرة، بعيداً عن التجهيزات الكافية، وبوسائل اتصال محدودة، ويجدون أنفسهم مطالبين بحماية غابات تمتد على مساحات شاسعة تفوق بكثير قدراتهم البشرية واللوجستية.

إن الاستثمار في حراس الغابات ليس مجرد تحسين ظروف عمل موظفين، بل هو استثمار مباشر في الوقاية. فالعون الموجود في الميدان قبل الحريق يمكن أن يمنع كارثة، بينما الطائرة التي تصل بعد اشتعال النيران قد تساعد في الإخماد، لكنها لا تستطيع إعادة غابة فقدت عقوداً من النمو.

الغابة لا تحتاج فقط إلى طائرات تحلق فوق النار، بل تحتاج إلى رجال ونساء قادرين على حماية الأرض قبل أن تتحول إلى رماد.

لذلك فإن أي استراتيجية حقيقية لمواجهة حرائق الغابات يجب أن تبدأ من إعادة بناء جهاز الغابات: انتدابات جديدة، تكوين مستمر، معدات حديثة، وسائل اتصال فعالة، حماية قانونية للأعوان، وميزانية تجعل الوقاية أولوية لا رد فعل بعد الكارثة.

لأن ضعف الحارس يعني ضعف الغابة… وعندما تضعف الغابة، يدفع المجتمع كله الثمن.

كيف يمكن لعدد محدود من الأعوان مراقبة غابة كاملة؟
كيف نطلب منهم الوقاية والردع والتدخل ونحن لم نوفر لهم دائماً الوسائل الضرورية؟

والأخطر أن هؤلاء الأعوان لا يواجهون الطبيعة فقط، بل يواجهون أيضاً المخالفين والمجرمين.

هناك من يتعرض للتهديد لأنه حرر مخالفة.
هناك من تعرض للاعتداء لأنه حاول حماية الغابة.
وهناك من دفع حياته وهو يؤدي مهمة يعتبرها كثيرون أمراً عادياً، لكنها في الحقيقة دفاع عن ثروة وطنية.

إذا أردنا غابات قوية، علينا أن نبدأ بتقوية من يحرسها.

الغابة ليست ملكاً للدولة فقط… إنها ملك للمجتمع

جزء من الحل يمر أيضاً عبر سكان الغابات.

لا يمكن أن نطلب من إنسان يعيش قرب الغابة أن يحميها وهو لا يرى فيها أي منفعة أو مستقبل. لذلك فإن حماية الغابات تحتاج إلى مشاريع تجعل السكان شركاء: تثمين المنتوجات الغابية، دعم تربية النحل، السياحة البيئية، خلق مواطن رزق مرتبطة بالحفاظ على الطبيعة.

فالإنسان الذي يشعر بالانتماء إلى أرضه يصبح حارساً لها.

أما الفراغ الاقتصادي والاجتماعي، فيفتح الباب أمام من يستغلون الفقر لتحقيق مصالحهم، سواء عبر قطع الأشجار أو إشعال الحرائق أو استغلال الموارد بطريقة غير قانونية.

المشكلة ليست في غياب الطائرة… المشكلة في غياب الوقاية

قد نحتاج يوماً إلى طائرة Canadair، وقد تكون ضرورية لإنقاذ أرواح ومساحات غابية. لكن لا يجوز أن تتحول إلى عنوان وحيد للسياسة.

لأن الطائرة لا تمنع الجريمة.
لا تنظف الغابة.
لا تفتح المسالك.
لا تعوض الحراس.
ولا تعيد شجرة عمرها مئة سنة بعد أن تتحول إلى رماد.

الحل الحقيقي يبدأ قبل الحريق:

قضاء يردع من يشعل النار.
إدارة غابية قوية.
ميزانية وقائية مستدامة.
حراس مجهزون ومحميون.
مسالك مهيأة.
غابات نظيفة.
ومواطن يرى في الطبيعة جزءاً من حياته لا فضاءً مهجوراً.

حريق جبل الشحمة بزغوان

ابدأ بنفسك… قبل أن تطلب من الدولة أن تتحرك

لا ترمِ عقب سيجارة في الغابة.
لا تترك نفاياتك خلفك.
لا تستهِن بشرارة صغيرة.
احمِ الحيوانات والتربة والكائنات الدقيقة التي تشكل هذا النظام البيئي المعقد.

فالغابة لا تختفي في لحظة الحريق فقط.
الغابة تبدأ في الموت عندما نتوقف عن حمايتها.

اليوم، لسنا بحاجة فقط إلى طائرة تطير فوق النار.
نحن بحاجة إلى سياسة تطير فوق الإهمال.

لأن أفضل حريق هو الحريق الذي لم يحدث أبداً.

زر الذهاب إلى الأعلى