مبروكة خذير- كوسموس ميديا– تونس
لم يكن الذئب الذي عُذّب حتى الموت في ولاية قبلي يعرف شيئًا عن القانون، ولا عن مواسم الصيد، ولا عن المناطق المحمية، ولا عن الصراع القديم بين الإنسان والطبيعة. كان يعرف شيئًا واحدًا فقط: أن يهرب عندما يُطارد، وأن يدافع عن حياته عندما يُحاصر.
لكن ذلك الذئب، الذي انتهت حياته بهذه الطريقة الوحشية، كشف لنا شيئًا أكبر من جريمة الاعتداء على حيوان بري. كشف هشاشة منظومة كاملة يفترض أن تكون مهمتها حماية ما تبقى لنا من ثروتنا الحيوانية والغابية.
وأنا أتابع قصة هذا الذئب، لم أتوقف فقط عند بشاعة المشهد، بل عند السؤال الذي لا أجد له جوابًا مقنعًا: من يحمي من يحرس الغابة؟
في تونس، هناك أعوان تابعون للإدارة العامة للغابات يخرجون إلى الجبال والغابات والمناطق الريفية والمحمية لمراقبة المخالفات والتصدي للصيد غير القانوني. يعملون في مساحات شاسعة، وسط مسالك وعرة وتضاريس صعبة، وفي مناطق لا يمكن فيها أحيانًا حتى التعويل على شبكة الهاتف.
ومع ذلك، وبحسب شهادات متداولة من داخل فرق التصدي للصيد الجائر، فقدت هذه الفرق إحدى أهم وسائل العمل الميداني: أجهزة اللاسلكي التي كانت تسمح لها بالتواصل فيما بينها، بعد أن طُلب منها تسليمها.
قد يبدو الأمر تفصيلًا إداريًا لمن ينظر إليه من مكتب مكيف، لكنه ليس كذلك بالنسبة إلى عون يوجد في أعماق غابة، يراقب مخالفة ويحتاج إلى استدعاء زملائه أو طلب تعزيزات، ثم يكتشف أن هاتفه لا يلتقط الشبكة وأن جهاز اللاسلكي لم يعد بحوزته.
في تلك اللحظة، لا يعود الاتصال مجرد وسيلة للتواصل، بل يصبح جزءًا من سلامته الشخصية.
والأمر لا يتوقف هنا. فمنذ سنوات قليلة، طُلب من فرق التصدي للصيد الجائر، وفق ما يرويه أعوان في الميدان، تسليم أسلحتها. وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة: كيف يمكن لعون أن يتدخل ضد صياد يمارس نشاطًا غير قانوني ويحمل بندقية، بينما يجد العون نفسه أعزل؟

أنا لا أدافع عن استعمال السلاح خارج القانون، ولا أدعو إلى تحويل الغابة إلى فضاء للمواجهة المسلحة. أنا أتحدث عن مسؤولية الدولة في حماية أعوانها وتمكينهم من أداء مهامهم ضمن القانون، وبوسائل آمنة وفعالة.
فالصيد الجائر ليس مجرد مواجهة بين عون وصياد. إنه نشاط يستفيد من اتساع المساحات الغابية وصعوبة التضاريس وضعف المراقبة، وقد يجد المخالف نفسه مجهزًا بسيارة وبندقية ومعدات تسمح له بالتحرك في مناطق يصعب الوصول إليها، بينما يواجه العون إمكانيات لوجستية محدودة ووسائل اتصال غير كافية.
أي معادلة هذه؟
نطلب من أعوان الغابات أن يحموا التنوع البيولوجي، وأن يحرسوا المحميات، وأن يراقبوا الصيد، وأن يتدخلوا عند وقوع المخالفات، وأن يعودوا في نهاية اليوم سالمين.
لكن هل نسأل فعلًا عن الثمن الذي يدفعونه مقابل هذه المهمة؟
كم من عون تعرض للتهديد أو الاعتداء أثناء أداء عمله؟ كم منهم واجه صيادين مسلحين؟ وكم مرة تعرض أعوان أو رؤساء فرق للصيد للاعتداء الجسدي أو لإطلاق النار، وهم في وضعية لا تسمح لهم حتى بالدفاع عن أنفسهم؟
هذه ليست أسئلة هامشية. حماية أعوان الدولة ليست امتيازًا، بل مسؤولية الإدارة تجاه موظفيها، خصوصًا عندما يكونون في الصف الأول لحماية ملك عام وثروة وطنية.
والأخطر أن ضعف وسائل الردع والرقابة لا يدفع ثمنه الأعوان وحدهم. تدفع ثمنه الغابة، وتدفع ثمنه الحيوانات، وتدفع ثمنه تونس.
الصيد الجائر ليس مجرد قتل حيوان في مكان بعيد لا يراه أحد. إنه استنزاف صامت لمنظومة بيئية هشة أصلًا. وكلما ضعفت الرقابة، أصبحت الغابات والمناطق الرطبة والمناطق المحمية أكثر عرضة للاستغلال خارج القانون.
والحيوانات التي تختفي من هذه المنظومات لا تعود بسهولة. بعض الأنواع تحتاج سنوات طويلة حتى تستعيد أعدادها، وبعضها قد لا يستعيدها أصلًا.
لذلك، فإن صورة الذئب الذي عُذّب حتى الموت يجب ألا تختزل في غضب عابر على مواقع التواصل الاجتماعي. يجب أن تكون مناسبة لفتح ملف أكبر بكثير: ملف حماية الحياة البرية في تونس، ومن يحميها ومن يحمي من يتولى حمايتها.
لدينا نصوص قانونية، ولدينا محميات، ولدينا إدارة عامة للغابات، ولدينا أعوان يعملون في الميدان.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل لدينا قوانين؟
السؤال هو: هل لدينا الإمكانيات لتطبيق هذه القوانين؟
لأن أجمل نص قانوني في العالم لا يستطيع وحده أن يوقف صيادًا في أعماق غابة لا توجد فيها تغطية هاتف، ولا وسيلة اتصال، ولا دورية قادرة على الوصول بسرعة.
ولا يمكن أن نطلب من عون الغابات أن يكون عين الدولة في الغابة، ثم نتركه يعمل بوسائل لا تتناسب مع حجم المهمة الموكولة إليه.
أنا أكتب هذا الكلام ليس فقط دفاعًا عن ذئب مات بطريقة وحشية، وإنما دفاعًا عن منظومة كاملة: عن العون الذي يدخل الغابة في الصباح ولا يعرف ما الذي ينتظره، عن الغابة التي لا تستطيع أن تتحدث عندما تُنهب، وعن الحيوان الذي لا يستطيع أن يشتكي عندما يُقتل، وعن حقنا جميعًا في أن تبقى لنا حياة برية لا تتحول غاباتنا ومحمياتنا فيها إلى فضاءات مفتوحة لمن يملك أقوى بندقية وأفضل سيارة.
ربما كان الذئب آخر ضحية رأيناها.
لكن السؤال الذي تركه وراءه أكبر بكثير من جثته:
إذا كنا لا نوفر لمن يحرسون الغابة وسائل الاتصال والحماية والتنقل والتدخل، فمن الذي قرر أن حماية الغابة لا تستحق أن نُنفق عليها؟
قد نختلف حول الصيد، وحول قوانينه، وحول العقوبات. لكن لا أعتقد أننا نختلف حول شيء واحد:
من يريد حماية الحياة البرية، يجب أولًا أن يحمي من يقف في الصف الأول للدفاع عنها.
والذئب الذي مات لا يحتاج منا إلى الرثاء فقط.
يحتاج إلى أن تتحول قصته إلى سؤال، والسؤال إلى تحقيق، والتحقيق إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى تغيير حقيقي.
حتى لا تكون جريمة هذا الذئب مجرد فيديو آخر نشاهده، نغضب منه، ثم ننساه.




