تحقيقاتسليدير

عندما يصبح «البروتين الأخضر» مصدر قلق للأهالي

مبروكة خذيركوسموس ميديا-تحقيق ميداني | منزل بوزلفة

بين مشروع يقوم على تحويل المخلفات العضوية إلى بروتين حيواني، وأهالٍ يقولون إنهم وجدوا أنفسهم أمام وحدة صناعية قريبة من مساكن ومؤسسات حساسة، تتسع في منزل بوزلفة أسئلة الروائح والمياه والنفايات والسلامة البيولوجية. المشروع يحمل عنوان الاقتصاد الدائري، لكن سكان المنطقة يريدون قبل كل شيء أن يعرفوا ماذا يحدث فعلاً على الأرض، ومن يراقب، وماذا سيحدث إذا أثبتت التحاليل وجود خطر.

في منزل بوزلفة، لا يبدأ الحديث عن المشروع من المختبرات ولا من الأرقام التي ترافق الاستثمار في البروتين المستخرج من الحشرات، بل من المكان نفسه.

هنا، حيث تمتد الضيعات وتتشابك المساكن مع الأنشطة الفلاحية والصناعية، صار وجود وحدة تعالج المواد العضوية وتنتج البروتين من الحشرات موضوعاً يتردد في حديث الأهالي منذ أسابيع طويلة. بعضهم يتحدث عن روائح، وبعضهم عن حركة الشاحنات التي يمكن أن تنقل المواد العضوية إلى الوحدة، وآخرون يتوقفون عند موقع المشروع وقربه، بحسب تقديراتهم، من مساكن ومؤسسات عمومية، فيما يتساءل الجميع تقريباً عن طبيعة ما سيخرج من هذه العملية الصناعية، وما إذا كانت المنطقة قادرة على استيعاب نشاط بهذا الحجم.

لا يقول الأهالي، في حديثهم إلى كوسموس ميديا، إنهم ضد الاستثمار أو ضد فكرة تثمين النفايات. على العكس، كثير من المخاوف التي عبّروا عنها تبدأ من نقطة أخرى أكثر بساطة: لماذا هنا؟

عبد القادر بن ضيف الله، أحد أبناء المنطقة الذين يتابعون الملف، يقول إن الوحدة توجد، وفق تقديره، على مسافة تقارب 70 متراً من المستشفى الجهوي، وهو ما يراه معطى يستوجب التثبت الدقيق من شروط تركيز النشاط ومن مدى احترامه للضوابط المتعلقة بالمؤسسات والمناطق المحيطة. بالنسبة إليه، القضية لا تتعلق فقط بنوعية التكنولوجيا المستخدمة، وإنما بالمكان الذي اختير لها وبالبيئة المحيطة بها.

ويقول بن ضيف الله إن السؤال الذي يطرحه الأهالي هو ما إذا كانت دراسة المشروع قد نظرت بالجدية نفسها إلى موقعه وإلى محيطه القريب، كما نظرت إلى الجانب التقني والاستثماري منه.

في المقابل، تقول جيهان الخضايري إن القلق لدى عدد من سكان المنطقة يتجاوز مسألة الروائح إلى ما تعتبره مخاوف مرتبطة بسلامة السكان وطبيعة النشاط الصناعي وموقعه. وتشير، وفق المعطيات التي بحوزتها، إلى وجود مساكن على مسافة تقارب 100 متر من الوحدة، وتتحدث عن مخاوف من حركة الشاحنات التي ستنقل المواد العضوية، وعن منطقة فلاحية تواجه أصلاً ضغوطاً بيئية واقتصادية.

وتقول الخضايري إن سكان منزل بوزلفة لا يريدون أن تتحول المنطقة إلى مكان تُنقل إليه الأعباء البيئية تحت عناوين الاستثمار والاقتصاد الدائري، وتشير إلى عريضة قالت إن عدد الممضين عليها بلغ نحو خمسة آلاف مواطن. ويبقى هذا الرقم، كما هو حال المسافات التي يذكرها الأهالي، بحاجة إلى التثبت من أصل العريضة وتاريخها والجهة التي بادرت بها وعدد الإمضاءات الموثقة.

📍 منزل بوزلفة | وقفة احتجاجية ضد تركيز مصنع لإنتاج البروتينات من الحشرات

من المخلفات العضوية إلى البروتين

خلف هذه المخاوف توجد تقنية تبدو، في ظاهرها، جزءاً من التحول الذي يشهده قطاع الصناعات الغذائية والأعلاف نحو تثمين المخلفات العضوية.

الفكرة تقوم على استخدام مواد عضوية كمادة غذائية ليرقات الحشرات، ثم جمع اليرقات وتجفيفها ومعالجتها للحصول على مسحوق غني بالبروتين يمكن أن يستخدم خصوصاً في أعلاف الأسماك والحيوانات. ولا تتوقف العملية عند البروتين، إذ يمكن أن تنتج عنها أيضاً زيوت ومواد موجهة إلى استعمالات فلاحية. لكن تحويل المخلفات لا يعني اختفاءها.

المادة العضوية تدخل إلى عملية إنتاجية جديدة، وخلال هذه العملية تظهر مواد متبقية ومياه صرف وروائح وانبعاثات، ويصبح التحكم في كل مرحلة من مراحل المعالجة جزءاً أساسياً من السلامة البيئية والصحية للمشروع. طبيعة المواد التي تدخل إلى الوحدة، وظروف تخزينها، وطريقة تغذية الحشرات، ودرجات الحرارة والرطوبة، ثم التجفيف والمعالجة والتخلص من المخلفات، كلها عوامل يمكن أن تحدد في النهاية طبيعة المخاطر أو محدوديتها.

وهنا تحديداً يتوقف الجدل في منزل بوزلفة عند تفاصيل لا يمكن حسمها بالانطباعات.

فالمواد العضوية، إذا كانت ملوثة بمبيدات أو معادن ثقيلة أو سموم فطرية أو ملوثات أخرى، يمكن أن تطرح أسئلة حول مصير تلك الملوثات خلال السلسلة الإنتاجية، بحسب نوع الحشرة والمادة المستعملة وظروف التربية والمعالجة. كما أن المخاطر الميكروبيولوجية ترتبط بطبيعة المخلفات وبكيفية معالجتها قبل دخولها في العملية الإنتاجية وبعدها.

لذلك لا يكفي أن يقال إن المشروع يثمن النفايات. ما يهم بيئياً هو أي نفايات تدخل، وكيف تعالج، وما الذي يبقى بعدها، وأين يذهب، وكيف تتم مراقبته.

الروائح التي لا يمكن تجاهلها ولا تفسيرها وحدها

من أكثر النقاط التي يكررها الأهالي حديثهم عن الروائح.

وجود الرائحة في حد ذاته لا يثبت وجود خطر صحي أو تلوث، لكن الرائحة قد تكون مؤشراً على عمليات تحلل أو تخمر للمواد العضوية، ويمكن أن تنتج عنها مركبات مثل الأمونيا وكبريتيد الهيدروجين والمركبات العضوية المتطايرة، بحسب طبيعة المواد وظروف المعالجة.

لهذا السبب، فإن الشكوى من الرائحة لا ينبغي أن تتحول آلياً إلى حكم بأن هناك خطراً، لكنها في المقابل لا يمكن أن تُختزل في كونها مجرد إزعاج للسكان.

في منزل بوزلفة، السؤال العملي هو ما إذا كانت الروائح تقاس فعلاً، وكيف تقاس، وفي أي نقاط، وفي أي ظروف، ومن يحتفظ بنتائج القياسات، وكيف تتم معالجة شكاوى الأهالي إذا تكررت.

وتزداد حساسية هذا الجانب عندما يكون النشاط محاطاً بمساكن ومؤسسات عمومية، لأن المسألة لا تعود مرتبطة فقط بما يحدث داخل المنشأة، بل بما يصل إلى محيطها.

ماذا يحدث للمياه والمخلفات؟

المياه تمثل جانباً آخر من الملف. تشير  المعطيات الواردة في الملف إلى موافقة الديوان الوطني للتطهير على إمكانية تصريف المياه الصناعية في شبكة التطهير العمومي. لكن السماح بالتصريف في الشبكة لا يعني، في حد ذاته، أن المياه خالية من الإشكالات؛ فالسؤال الذي يظل قائماً هو طبيعة هذه المياه، وحمولتها العضوية، وما يمكن أن تحتويه من مركبات أو ملوثات، وما إذا كانت تخضع لمعالجة أولية قبل التصريف، ومن يجري التحاليل، وكم مرة، وما هي نتائجها.

الأمر نفسه ينطبق على المخلفات الصلبة وشبه الصلبة التي تنتج عن العملية.

فالاقتصاد الدائري لا يصبح دائرياً لمجرد تحويل مادة من شكل إلى آخر. الجزء الذي لا يدخل في المنتج النهائي يحتاج هو أيضاً إلى مسار واضح: التخزين، والمعالجة، والنقل، والتثمين أو التخلص النهائي، مع تحديد الجهة المسؤولة عن كل مرحلة.

وهذه من النقاط التي يقول الأهالي إنهم يريدون بشأنها معلومات واضحة، لا سيما مع توقع ارتفاع حجم النشاط.

مشروع يتوسع… وموقع يحتاج إلى إجابات

المعطيات المتعلقة بالمشروع تشير إلى أن النشاط لم يعد مجرد وحدة صغيرة لتثمين بقايا الفواكه والخضر.

ففي سنة 2022، ارتبط المشروع بترخيص لتوسيع النشاط باتجاه إنتاج البروتين الحيواني، بطاقة تصل إلى 31.3 طناً يومياً، مع توقع بلوغ نحو 12 ألف طن سنوياً في أفق سنة 2027.

وهذا الرقم مهم في فهم طبيعة المخاوف المحلية، لأن النقاش لا يتعلق فقط بما يجري اليوم داخل الوحدة، وإنما بما يمكن أن يصبح عليه النشاط مع ارتفاع قدرته الإنتاجية وحجم المواد العضوية الداخلة إليه وحركة النقل المرتبطة به.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن شركة NextProtein، وهي شركة فرنسية-تونسية تأسست سنة 2015، تقف وراء هذا النشاط. وقد أعلنت الشركة خلال السنوات الماضية عن تطوير إنتاج البروتين المستخرج من الحشرات انطلاقاً من المخلفات العضوية، كما ارتبط اسمها بخطط لتوسيع نشاطها الصناعي في تونس.

وفي نهاية سنة 2025، أعلنت الشركة عن جولة تمويل بحوالي 18 مليون يورو بقيادة SWEN Capital Partners وBritish International Investment، في إطار دعم توسعها الصناعي، بما في ذلك موقع إنتاج ثانٍ في تونس.

تجربة قرمبالية تفتح باب المقارنة

ليست هذه أول مرة يثير فيها نشاط الشركة المرتبط بتثمين المخلفات العضوية نقاشاً حول الروائح.

فالموقع الموجود في قرمبالية ارتبط بدوره، وفق المعطيات المتوفرة في الملف، بشكاوى وتحركات محلية تتعلق بالروائح الناتجة عن معالجة أو تخمير المواد العضوية.

لكن تجربة قرمبالية لا يمكن استخدامها دليلاً على أن وحدة منزل بوزلفة تسببت بالضرر نفسه. المقارنة تصبح مفيدة فقط إذا كانت هناك معطيات قابلة للمقارنة: طبيعة المواد المعالجة، حجم النشاط، نتائج قياسات الروائح والانبعاثات، نتائج التحاليل، تقارير التفقد، وطريقة معالجة الشكاوى.

وهو ما يجعل ملف منزل بوزلفة بحاجة إلى أرقام ونتائج ميدانية أكثر من حاجته إلى المواقف المتقابلة.

من يراقب المشروع اليوم؟

المعطيات التي حصلت عليها كوسموس ميديا من الوكالة الوطنية لحماية المحيط تفيد بأن المشروع حاصل على الموافقة البيئية، وأن الوحدة في منزل بوزلفة تخضع للمتابعة، مع وجود اهتمام خاص بالملف وتنسيق بين عدد من الهياكل، من بينها الصحة والفلاحة والهياكل المكلفة بالاستثمار والصناعة والسلطات الجهوية والمحلية.

وتقول الوكالة إن المتابعة الميدانية والنتائج المخبرية ستكون أساس تقييم الوضع، وإنها لا تنطلق من موقف مسبق تجاه المشروع.

هذه النقطة مهمة، لأن الموافقة البيئية ليست نهاية المتابعة. النشاط الصناعي، بمجرد دخوله مرحلة التشغيل، ينتقل إلى اختبار أكثر واقعية: هل ما يحدث على الورق هو نفسه ما يحدث في الميدان؟

هل يتم احترام الشروط المحددة؟ هل المخلفات تذهب فعلاً إلى المسار المعلن؟ هل المياه المستعملة تستجيب للمعايير قبل تصريفها؟ هل توجد قياسات للروائح والانبعاثات؟ وهل توجد إجراءات واضحة للتعامل مع أي تجاوز؟

وتتوزع المسؤولية هنا بين أكثر من جهة. الوكالة الوطنية لحماية المحيط تتابع الجانب البيئي، ووزارة الصحة معنية بالجوانب المرتبطة بالصحة والسلامة، فيما تدخل وزارة الفلاحة والهياكل المعنية بالمياه والموارد الفلاحية بحسب طبيعة المواد والنشاط، ويضطلع الديوان الوطني للتطهير بدور في ما يتعلق بالمياه الصناعية، بينما ترتبط السلطات الجهوية والمحلية بمسائل الموقع والتهيئة والمتابعة على المستوى المحلي.

كثرة المتدخلين لا تعني بالضرورة وجود متابعة فعالة. ما يهم بالنسبة إلى السكان هو أن تكون المسؤوليات واضحة وأن تكون نتائج المتابعة قابلة للاطلاع والفهم.

مخاوف في منزل بوزلفة من مشروع مصنع البروتينات من الحشرات

الحشرة نفسها جزء من المعادلة

هناك جانب آخر أقل حضوراً في النقاش المحلي، لكنه أساسي في أي مشروع يقوم على تربية الحشرات على نطاق صناعي: ماذا يحدث إذا خرجت الحشرات من منظومة الاحتواء؟

الإجابة لا تتعلق بالخوف من الحشرات في حد ذاته، وإنما بنوع الحشرة المستخدمة وقدرتها على البقاء والتكاثر خارج المنشأة، وبطبيعة التدابير المعتمدة لمنع الهروب، وبوجود خطة للتدخل إذا وقع ذلك.

كما أن طبيعة المادة التي تتغذى عليها الحشرات مهمة، لأن السلامة البيولوجية لا تنفصل عن السلامة الغذائية والبيئية للمنتج النهائي والمخلفات الناتجة عنه.

وفي دول أخرى، وخصوصاً في الإطار الأوروبي، تخضع المواد التي يمكن استخدامها كغذاء للحشرات الموجهة لإنتاج الأعلاف لضوابط دقيقة. وهذا يوضح أن مفهوم الاقتصاد الدائري لا يلغي قواعد السلامة، بل يجعلها أكثر أهمية، لأن تحويل المخلفات إلى مورد اقتصادي يتطلب معرفة دقيقة بمصدرها ومكوناتها ومسارها داخل العملية الصناعية.

منزل بوزلفة: الأهالي يستعينون بالخبرة المستقلة ويكشفون مستور مشروع “معمل الحشرات” قرب المستشفى

لم تعد الشكوك مجرد همسات يتبادلها المتساكنون في مجالسهم الخاصة، بل تحولت إلى ملف علمي وتقني موثق يضع الجهات الرسمية والقائمين على المشروعات الصناعية أمام مسؤولياتهم البيئية والصحية.

فأمام حالة التوجس القائم والتكتم التي أحاطت بمشروع توسعة وحدة تثمين النفايات العضوية وتربية يرقات “ذبابة الجندي الأسود” لإنتاج البروتينات الموجهة للأعلاف والزيوت (التابع لشركة Next Protein)، لم يقف أهالي منطقة منزل بوزلفة مكتوفي الأيدي. وبحثاً عن الحقيقة بعيداً عن الضمانات الإدارية الصامتة، قررت مجموعة من المتساكنين والمجتمع المحلي التوجه إلى خبير بيئي متخصص لإجراء تقييم موثوق ومستقل ومراجعة الشروط البيئية ومدى خطورة النشاط على منطقتهم.

وقد تحصلنا على نسخة حصرية من المذكرة النقدية التي صاغها الخبير بناءً على الوثائق الإدارية المتاحة والمعطيات العلمية المنشورة، لتكشف المذكرة عن حقائق ومخاطر بيئية وصحية وفلاحية لا تزال طي الكتمان.

نسخة حصرية من المذكرة النقدية

رقابة على الورق وحقيقة على الميدان

تروي المذكرة في تفاصيلها الأولى أن مشروع التوسعة، وإن تحصل على رأي بالموافقة المبدئية من الوكالة الوطنية لحماية المحيط (ANPE) مقترناً بشروط مجحفة وصارمة، إلا أن “العقدة تكمن في المنشار”؛ أي في مدى قدرة الأجهزة الرقابية المحلية والجهوية على متابعة هذا النشاط بشكل يومي ومستمر.

فالمشروع يتعامل يومياً مع أطنان من النفايات العضوية القابلة للتحلل سريعاً، وهو ما يتطلب قياسات دقيقة ومستمرة للانبعاثات، والروائح، والسوائل المتسربة، والجراثيم المحمولة جواً، وهو ما يتجاوز الإمكانيات التقليدية للإدارات العمومية الحالية.

قنبلة موقوتة بجانب المرفق الصحي والمزارع

أكثر ما يثير الصدمة في تفاصيل المذكرة المنسوخة هو الموقع الجغرافي للمشروع، حيث يقع على مقربة مباشرة من المستشفى العمومي بمنزل بوزلفة ومناطق سكنية، إضافة إلى تطويقه ببيئة فلاحية متخصصة في زراعة القوارص.

وترصد المذكرة أربعة مخاطر رئيسية تهدد المنطقة:

  1. الجسيمات البيولوجية الدقيقة (Bioaerosols): إن المواد العضوية المتحللة تطلق في الهواء بكتيريا وفطريات قد تتجه مباشرة نحو أروقة المستشفى والسكان المحليين، مما يستوجب وضع قياسات هوائية دقيقة قبل تشغيل المشروع.
  2. غبار تجفيف وطحن اليرقات: عملية معالجة اليرقات لتحويلها إلى مسحوق بروتيني تولد غباراً يحتوي على مادة “الكيتين” وبقايا أجزاء الحشرات، وهي مواد مسببة للحساسية وأمراض التنفس إذا تسربت إلى المحيط الخارجي.
  3. جذب الآفات الفلاحية: رغم أن ذبابة الجندي الأسود لا تضر المحاصيل مباشرة، إلا أن سوء إدارة تخزين النفايات الرطبة يمثل بيئة جذابة لآفات خطيرة كـ “ذبابة الغلال” وذبابة المنازل، مما يهدد صابة القوارص والإنتاج الفلاحي بالمنطقة.
  4. خطر هروب الحشرات وتلوث التربة والمياه: أي خلل في أجهزة الاحتواء والأبواب المزدوجة قد يؤدي لهروب آلاف الحشرات، إضافة إلى خطر تسرب المياه الصناعية والعصارة العضوية (الرشح) إلى التربة الرملية والمياه الجوفية.

مرور شاحنات النفايات عبر وسط المدينة وغياب الدراسات الشاملة

ولم تتوقف المذكرة عند حدود المخاطر الصحية، بل كشفت عن ثغرة كبرى تمنع إعطاء موافقة نهائية للمشروع؛ وهي الغياب التام لدراسة تقييم الأثر البيئي والاجتماعي والاقتصادي الشاملة (ESIA).

فالوصول إلى موقع المشروع يتطلب مرور العشرات من شاحنات نقل النفايات العضوية يومياً عبر وسط مدينة منزل بوزلفة، مما سيتسبب في شلل مروري وانبعاث روائح كرهة تؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة والقيمة العقارية للمنطقة.

📢 شعارات واحتجاجات… ماذا يقول أهالي منزل بوزلفة؟

مطالب الأهالي: لا تشغيل بدون ضمانات شفافة

ختم الخبير مذكرته بالتأكيد على أنه “لا يمكن في الوضع الراهن القبول بانطلاق المشروع أو الشروع في تشغيله”، داعياً إلى تجميد الفكرة فوراً إلى حين إنجاز “خط أساس بيئي” شامل للمياه والتربة والهواء، وفرض تدقيق بيئي مستقل ونظام رقابة إلكتروني محكم لا يخضع للتلاعب.

اليوم، وبعد أن أصبحت هذه المذكرة بين أيدي المتساكنين ومكونات المجتمع المدني، ينتظر أهالي منزل بوزلفة ردوداً واضحة من السلطات المعنية، متسائلين: هل سترجح الجهات المسؤولة كفة صحة المواطن وسلامة الفلاحة التونسية، أم سيبقى مشروع “معمل الحشرات” مغامرة غير محسوبة العواقب؟

منزل بوزلفة لا تريد إجابة عامة

في نهاية الجولة، يعود النقاش إلى النقطة التي بدأ منها: المكان. و في وقفة احتجاجية انتظمت الخميس 17 سبتمبر عبر الأهالي ع رفضهم القاطع لتركيز المصنع.

الأهالي الذين تحدثوا إلى كوسموس ميديا لا يطرحون فقط سؤالاً حول الحشرات أو البروتين. هم يتحدثون عن مستشفى، ومساكن، ومدرسة، ومؤسسة تعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة، وطرقات يمكن أن تمر منها شاحنات محملة بالمواد العضوية، وعن منطقة فلاحية تقول شهاداتهم إنها تعاني أصلاً من ضغوط بيئية متراكمة.

ولهذا فإن حسم الملف لا يمكن أن يتم عبر وضع السكان في جهة والمشروع في جهة أخرى، ولا عبر تقديم الاقتصاد الدائري باعتباره ضمانة تلقائية للسلامة البيئية، كما لا يمكن تحويل مخاوف الأهالي وحدها إلى دليل على وجود مخالفة. فما يفصل بين الأمرين هو الوثيقة والقياس.

دراسة التأثيرات البيئية، ورخصة النشاط، والتصنيف القانوني للمنشأة، ونتائج تحاليل المياه، وقياسات الروائح والانبعاثات، ومسار المخلفات، وإجراءات السلامة البيولوجية، وخطة حركة الشاحنات، وتقارير الزيارات والتفقد، كلها عناصر يمكن أن تنقل النقاش من دائرة المخاوف إلى دائرة الوقائع.

أما اليوم، وفي الوقت الذي يواصل فيه الأهالي طرح أسئلتهم وتبحث فيه السلطات عن معطيات ميدانية ومخبرية، فإن القضية تظل مفتوحة على اختبار حقيقي: هل تستطيع هذه التكنولوجيا أن تثبت على الأرض، في قلب منطقة مأهولة وفلاحية، أن ما يسمى «بروتيناً أخضر» لا ينقل عبء النفايات من مكان إلى آخر، ولا يحول التثمين إلى مصدر جديد للمخاطر؟

الإجابة لن تأتي من اسم المشروع ولا من شعارات الاقتصاد الدائري، كما لن تأتي من مخاوف الأهالي وحدها، وإنما من ما ستقوله المراقبة الميدانية والوثائق والنتائج المخبرية، ومن مدى استعداد الجهات المسؤولة لنشر هذه المعطيات ومحاسبة المشروع إذا أثبتت النتائج وجود تجاوز أو خطر على السكان والبيئة.


مراجع أساسية للتحقق العلمي والقانوني:
  • الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء EFSA خلصت إلى أن المخاطر البيولوجية والكيميائية والبيئية المرتبطة بالحشرات تختلف بحسب نوع الحشرة، والركيزة/الغذاء، ومرحلة الإنتاج والمعالجة.
  • مراجعات علمية حديثة تؤكد أن الأثر البيئي لتربية الحشرات على نطاق صناعي يعتمد بشدة على نوع الركيزة والطاقة وحجم الإنتاج وإدارة المخلفات، وأن بعض الفوائد البيئية قد تكون مبالغاً فيها إذا نُقلت نتائج التجارب الصغيرة مباشرة إلى الصناعة واسعة النطاق.
  • دراسة حديثة حول الأمن الحيوي في مزارع الحشرات تحذر من أن مخاطر الهروب والتأثيرات البيئية طويلة المدى ما زالت غير مدروسة بما يكفي، وتدعو إلى تقييم المخاطر ووضع خطط احتواء مسبقة.
  • المفوضية الأوروبية تضع قيوداً واضحة على المواد التي يمكن استعمالها لتغذية الحشرات الموجهة لإنتاج الأعلاف، وهو ما يعكس أهمية التحكم في الركيزة المستخدمة.
  • في تونس، تخضع المؤسسات المصنفة الخطرة أو غير الصحية أو المزعجة للأمر الوزاري المؤرخ في 15 نوفمبر 2005 والنصوص المنظمة لإجراءات فتح واستغلال هذه المؤسسات.
  • كما تنظم النصوص التونسية تصريف المياه الصناعية إلى شبكة التطهير العمومي، مع شروط تتعلق بالتحاليل والحدود القصوى وقدرة منظومة المعالجة على استقبال هذه المياه، وإمكانية فرض معالجة أولية.
زر الذهاب إلى الأعلى