سليديرمقالات

تكاثر التماسيح وتصاعد المخاطر على المجتمعات التي تعيش على ضفاف النهر

إبراهيم عبدالمالك محمد – كوزموس ميديا – السودان 

عند الفجر، حين لا يزال ضباب النيل يغطي سطح الماء كغطاء رمادي رقيق، تنزل الحاجة زينب أحمد إلى الشاطئ بخطى مترددة. تحمل جردلها الفارغ بحذر وترقب قبل أن تنزل الي ضفاف النهر. تقول وهي تتفحص مجري النيل صرنا نخاف من نهرنا. النيل الذي ارتوينا منه أصبح خطرا على حياتنا.

منذ ثلاث سنوات، وبعد أن فقدت جارتها زوجها أثناء استحمامه بعد يوم شاق من العمل في مزرعته، لم تعد زينب – ولا كثيرات من نساء القرية – ينزلن الماء دون أن يمسحن أولًا بأعينهن كل بقعة بها أعشاب قريبة من الشاطئ.

نهر كان مصدرًا للحياة وأصبح مصدرًا للخوف

في قرى متناثرة على ضفاف النيل بالولاية الشمالية، أصبحت حوادث مهاجمة التماسيح للبشر حديث كل بيت. الصيادون يتحدثون عنها وهم يرممون شباكهم بحذر، والأمهات يحذّرن أطفالهن قبل أن يلعبوا قرب الماء، والمزارعون يتفقدون حقولهم المحاذية للنهر بحذر مضاعف.

يقول محمد الطاهر وهو صياد منذ أكثر من عشرين عامًا، إن التماسيح لم تكن يومًا بهذه الجرأة كنّا نعرف أماكنها ونتجنبها، وهي كانت تتجنبنا. الان أصبحت قريبة من الشاطئ ولاتخاف من المراكب وسط الناس. ولم تعد تخاف من الإنسان بل أصبحت تهاجمه دون تردد.

عندما يلتقي الإنسان والتمساح بحثًا عن الغذاء

يربط خبراء البيئة هذا التغير في سلوك التماسيح بتحولات مناخية طالت النيل خلال العقد الأخير من خلال تذبذب حاد في منسوب المياه بين فيضانات استثنائية وفترات جفاف طويلة، وتراجع في أعداد الأسماك التي تشكل الغذاء الرئيسي للتماسيح خاصة في الثلاث سنوات الأخيرة التي هجر المواطنون مزارعهم بسبب الحرب التي دفعت الكثير للهجرة والنزوح.

عوامل تراجع مناسيب النيل وقلة الغذاء الطبيعي في أعماق النهر اضطرت التماسيح إلى التمدد نحو مناطق ضحلة وقريبة من الشواطئ بحثًا عن فريسة بديلة، وهي المناطق نفسها التي يرتادها البشر يوميًا لجلب الماء وغسل الملابس وسقي الماشية وصيد الأسماك والسياحة، بهذا يتحول النهر – مصدر الحياة الأول لهذه المجتمعات – إلى مساحة صراع صامت بين الانسان والتماسيح للبحث عن الغذاء.

يوضح أحد العاملين في مجال الحياة البرية بالمنطقة أن التذبذب المتكرر للنيل يدفع الأسماك للهجرة أو النفوق في مناطق واسعة، فتتبعها التماسيح لتتغذي عليها بحثًا عن البقاء كما يمارس الإنسان نشاطه لتأمين غذائه مما يشكّل مركز صراع محتدم من اجل البقاء.   فيما تشير دراسات علمية وتقارير دولية صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن هذا النمط من “الصراع بين الإنسان والحياة البرية” يتصاعد في مناطق عديدة من أفريقيا كلما تعرضت الموارد الطبيعية لضغط مناخي واقتصادي متزايد.

وتشير تقارير إعلامية حديثة من داخل السودان قد سُجّلت في الأشهر الأخيرة حالات هجوم مميتة طالت مزارعين على ضفاف النيل في الولاية الشمالية، من بينها حادثة جزيرة “ساي” التي راح ضحيتها مزارع اقتحمه تمساح ضخم أثناء عمله قرب الشاطئ في إشارة إلى أن تمدد هذه الحوادث شمالًا يتزامن مع تصاعد الحديث عن تغير بيئي واسع يطال مجرى النهر بأكمله.

وقد نبّه الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، عبر مجموعة متخصصة تُعنى بالتماسيح، إلى أن هذا النوع من الصراع ليس ظاهرة عابرة بل نمط متكرر يستدعي أطرًا واضحة لإدارته: من توثيق دقيق للحوادث (زمانها ومكانها وظروفها)، إلى برامج توعية مجتمعية، وصولًا إلى دراسة الحلول الممكنة لتقليل نقاط التماس بين البشر والتماسيح دون الإضرار بالتوازن البيئي للنهر.

كما أشار تحقيقًا علميًا نشرته الجزيرة نت في 10 أغسطس 2026 نقلا عن عدد من الخبراء أن السودان يفتقر حاليًا إلى دراسة بيئية حديثة وشاملة عن تماسيح النيل، وهو ما يجعل الحديث عن زيادة إحصائية في الهجمات بحاجة إلى بيانات ميدانية أكثر ودراسات أعمق.

ويقول الدكتور محمد المكي علي البدوي الأستاذ بقسم الحياة البرية، كلية الموارد الطبيعية والدراسات البيئية – جامعة سنار، في دراسة بحثية نشرتها قناة العربية الحدث في 20 يوليو 2026 ان أسباب ظهور التماسيح في المناطق المأهولة بالسودان، وفقا للمادة المنشورة، فإن الدراسة تربط الظاهرة بعوامل منها:

*موسم تكاثر التماسيح.

*تذبذب مناسيب المياه.

*تغير الظروف البيئية.

*اتساع التداخل بين الإنسان وموائل التماسيح.

*نقص الإحصاءات الخاصة بأعداد التماسيح وتوزيعها في السودان. وقلة البيانات المتداولة.

سد النهضة… متغير يحتاج إلى مزيد من الدراسة

 نشرت وكالة رويترز في 10 اغسطس 2026 تقريرا عن هجمات التماسيح في السودان يقول ليس غريبا أن يتم رصد تماسيح في مياه نهر النيل بالسودان، فوجودها يعد أمرا طبيعيا، لكن المختلف هذه الأيام انتشارها بأعداد أكبر من المعتاد، ما أدى إلى زيادة فرص هجماتها على البشر.

ووثقت العديد من التقارير الصحفية هجمات غير معتادة كان آخرها ما حدث في جزيرة “صاي” شمال السودان، حين باغت تمساح ضخم المزارع الشاب عمر محمد عبد الخالق أثناء تأدية عمله على الضفاف، كما تم رصد أعداد كبيرة منها في ضاحية “الكلاكلة” جنوب العاصمة الخرطوم.

والأسباب الكلاسيكية التي تستخدم دوما لتفسير هجمات التماسيح تربطها بـ “التغذية والتكاثر”، لكن بعض التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي بدأت تربط بين زيادة وتيرتها وتداعيات سد النهضة، باعتباره المتغير الجديد في منظومة نهر النيل.

يري أحد الخبراء أن متغير سد النهضة يستحق الاهتمام والدراسة، هو الدكتور كورماك برايس، باحث ما بعد الدكتوراة في الصحة البيئية للزواحف بجامعة “نورث ويست” في جنوب أفريقيا، والذي قال للجزيرة نت “مع مشروع بهذا الحجم والنطاق، من السذاجة الاعتقاد بأنه لن يؤثر على سلوك وتحركات وأعداد جميع أنواع الحياة البرية تقريبا في المناطق المحيطة، وخاصة تلك المائية أو شبه المائية، مثل التماسيح”.

ويستند هذا الراي، إلى العديد من الدراسات التي أجريت في أقاليم أخرى، ووثقت تأثير مشروعات السدود على سلوك التماسيح، إذ تعتمد هذه الكائنات على الدورة الطبيعية لارتفاع وانخفاض المياه في اختيارها لأماكن التعشيش، ونجاح فقس البيض وانتقال الصغار إلى المياه، وعندما يغير السد توقيت أو شدة الفيضانات، قد تتأثر هذه العمليات البيئية بشكل مباشر. كما كشفت دراسة ميدانية تناولت تأثير إنشاء سد سانتو أنطونيو الكهرومائي على سلوك التماسيح بنهر ماديرا في منطقة الأمازون البرازيلية.

و أيضا خلصت مراجعة عالمية أجريت لنتائج 338 بحثا من أنحاء العالم، إلى أن السدود تعيق هجرة الأسماك وتقلل أعداد العديد من الأنواع وتغير تركيب المجتمعات السمكية وتقلل الاتصال بين مناطق التغذية والتكاثر، وهذا يعني أن الفرائس المتاحة للمفترسات النهرية، ومنها التماسيح، قد تتغير كما ونوعا.

ولكن لأن النتائج قد تختلف باختلاف نوع السد، وطريقة تشغيله، وطبيعة النهر، ونوع التمساح، فإن كورماك يرى أن “هذا المتغير يحتاج للدراسة لمعرفة تأثيراته، ومن ثم تحديث إرشادات الوعي والتثقيف للبشر لتحجيم فرص احتكاكهم بالتماسيح”.

التماسيح لا تستهدف البشر عادةً… فكيف يحدث الصراع؟

يوضح الخبير بجامعة “نورث ويست” في جنوب أفريقيا، أنه “من النادر جدا أن تستهدف التماسيح البشر أو تعتبرهم فريسة محتملة في ظل وجود أنواع أخرى وفيرة من الفرائس، ويمكن للبشر والتماسيح التعايش مع الوعي والتثقيف حول كيفية التصرف على ضفاف الأنهار والأراضي الرطبة التي تتواجد فيها التماسيح، وقد ثبت ذلك في دول مثل الهند وأستراليا وجنوب أفريقيا، التي تركز على أنشطة التوعية بالتماسيح للمجتمعات المحلية في مناطق انتشارها

في الولاية الشمالية يجد سكان هذه القرى أنفسهم في مأزق حقيقي حيث ان الابتعاد عن النهر يعني فقدان مصدر رزقهم وحياتهم، والاقتراب منه يعني المخاطرة بأرواحهم. يقول الشيخ حسن، أحد كبار القرية التمساح حيوان مثله مثل باقي الكائنات، يبحث عن غذائه. ونحن ليس لدينا نهر اخر نذهب اليه ولابد من ايجاد طريقة نتعايش بها أو نجد من يساعدنا لحل هذا الصراع.

و يطالب الأهالي بحلول عملية كتحصين نقاط جلب المياه والصيد بحواجز بسيطة ووضع علامات تحذير و توعية مجتمعية بأوقات وأماكن نشاط التماسيح، ودعم فني من الجهات المختصة لدراسة أنماط الهجرة الجديدة لهذه الكائنات في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.

توصيات عملية لتفادي هجمات التماسيح

انطلاقًا من قواعد بيانات دولية ترصد حوادث التماسيح حول العالم (مثل قاعدة بيانات “كروكبايت” التي أسسها باحثون من جامعات أسترالية بالتعاون مع خبراء دوليين)، ومن إرشادات وكالات حكومية معنية بالحياة البرية في مناطق تشهد كثافة عالية للتماسيح، يمكن تلخيص أبرز التوصيات العملية لتقليل فرص الهجوم في النقاط التالية:

  • الابتعاد عن حافة الماء قدر الإمكان، والاحتفاظ بمسافة أمان لا تقل عن عدة أمتار من الشاطئ، لأن التمساح قادر على مباغتة الفريسة حتى من مسافة قريبة من اليابسة.
  • عدم استخدام نفس نقطة جلب الماء أو الصيد بشكل متكرر ومنتظم، لأن التماسيح تراقب سلوك البشر وتتعلم أماكن وأوقات تواجدهم المعتاد، وقد تكمن في الموقع نفسه.
  • تجنّب الاقتراب من الماء عند الفجر والغسق وأثناء الليل، وهي الأوقات التي يكون فيها نشاط الصيد لدى التماسيح في ذروته.
  • توخي حذر إضافي في موسم الجفاف، إذ تشير الدراسات الميدانية إلى أن هذا الموسم تحديدًا يشهد أعلى معدلات الهجمات، بسبب تراجع مصادر الغذاء الطبيعية للتماسيح وازدحام البشر والمواشي عند نقاط المياه المتبقية.
  • الإشراف اللصيق على الأطفال ومنعهم من اللعب أو الاقتراب من الشاطئ بمفردهم.
  • عدم التخلص من مخلفات الصيد أو ذبائح الحيوانات في النهر أو قربه، لأن ذلك يجذب التماسيح إلى مناطق تجمّع البشر ويعوّدها على الاقتراب منها.
  • استخدام حواجز فيزيائية بسيطة (مثل الأسوار الشبكية أو المنصات المرتفعة) عند نقاط جلب المياه والغسيل الأكثر استخدامًا، وهو إجراء أوصت به دراسات عن التخفيف من الصراع
  • الإبلاغ الفوري عن أي مشاهدة لتمساح قريب من مناطق سكنية أو زراعية إلى الجهات المختصة، لتوثيق الحادثة والمساعدة في رسم خريطة لأنماط الحركة الجديدة لهذه الكائنات.

ويُجمع خبراء الحياة البرية على أن الحل الجذري لا يكمن فقط في تعديل سلوك البشر، بل يتطلب أيضًا دراسات ميدانية متخصصة لرصد أعداد التماسيح ومسارات هجرتها الجديدة في النيل، بالتوازي مع خطط تكيّف مناخي تخفف الضغط على الموارد المائية والسمكية التي يتنازع عليها الطرفان: نهر واحد، وحياتان تتقاسمانه

قصة التماسيح والبشر على ضفاف النيل بالولاية الشمالية ليست فقط عن خطر يتهدد الأرواح، بل هي مرآة لأزمة أعمق: كوكب يتغير مناخه، وموارد تتقلص، وكائنات – بشرية وغير بشرية – تتصارع من أجل حقها في البقاء على ضفاف نهر واحد لم يعد يتسع كما كان للجميع.

 هذه القصة أنتجت في إطار النسخة الثانية من دبلوم صحافة المناخ، الذي تنظمه مدرسة المناخ بدعم من مجتمع التحقق العربي.

زر الذهاب إلى الأعلى