تونس – كوسموس ميديا
وصلت إلى كوسموس ميديا خلال الأيام الأخيرة تنبيهات من عدد من سكان منطقة سيدي الظريف، مرفقة بصور تُظهر أشجاراً من الغابة وقد تم قطعها وترك جذوعها في المكان.
المشاهد أثارت استغراب الأهالي، خصوصاً مع تواصل عملية القطع، في منطقة اعتاد سكانها النظر إليها باعتبارها واحدة من المساحات الخضراء المميزة في الضاحية الشمالية للعاصمة.
يقول سكان من المنطقة إنهم لم يفهموا في البداية أسباب هذه العملية ولا المعايير التي تم على أساسها اختيار الأشجار التي وقع قطعها. وبالنسبة إليهم، فإن رؤية عدد من الأشجار المقطوعة داخل الغابة تطرح أسئلة تتجاوز المشهد نفسه: لماذا يتم قطع الأشجار الآن؟ ما طبيعة الأشجار التي تستهدفها العملية؟ وهل يتعلق الأمر بأشجار مريضة فعلاً أم أن العملية تشمل أشجاراً أخرى؟
وتعبر شهادات السكان عن قلق واضح من أن تتحول عملية القطع إلى تراجع في الغطاء النباتي في منطقة تحتاج، وفق تصورهم، إلى المزيد من التشجير والحماية، لا إلى إزالة الأشجار.
لكن خلف هذه الصور التي أثارت القلق، توجد رواية أخرى تقدمها الإدارة العامة للغابات.

الإدارة العامة للغابات: العملية قانونية ووقائية
في إطار التثبت من المعطيات التي وصلت إلى كوسموس ميديا، تم التواصل مع الإدارة العامة للغابات، التي أكدت أن عملية القطع الجارية في غابة سيدي الظريف قانونية وتتم في إطار رخصة لقطع عدد من أشجار الصنوبر الموجودة بالمنطقة.
وبحسب الإدارة، فإن الأشجار المعنية تعاني من ظاهرة التيبّس/التدهور (dépérissement)، ولذلك فإن عملية القطع لا تندرج، وفق التفسير الرسمي، في إطار إزالة الغطاء الغابي لفائدة نشاط عمراني أو تغيير صبغة المنطقة، وإنما في إطار تدخل وقائي يهدف إلى التعامل مع الأشجار المتضررة وحماية بقية الغابة.
وهنا يكمن جوهر المسألة: ما يبدو للسكان عملية قطع للأشجار، تعتبره إدارة الغابات جزءاً من عملية إدارة وصيانة للصحة الغابية.
وتنص مجلة الغابات التونسية على أن الثروة الغابية تمثل ثروة وطنية، وأن حمايتها وتنميتها من الأهداف الأساسية للسياسة الوطنية، كما تنظم المجلة استغلال المنتجات الغابية وعمليات القطع وشروط تنفيذها. وتخضع عمليات الاستغلال لشروط وقيود تحدد، من بين أمور أخرى، الأشجار التي يمكن قطعها وكيفية تنفيذ عملية القطع.

“لكننا نحتاج إلى الأشجار أكثر من أي وقت مضى”
بالنسبة إلى سكان سيدي الظريف، لا ينتهي السؤال بمجرد التأكد من وجود ترخيص.
فهم يرون أن المنطقة ذات قيمة بيئية وجمالية خاصة، وأن غابة سيدي الظريف ليست مجرد مجموعة من الأشجار يمكن النظر إليها كل واحدة على حدة، وإنما منظومة خضراء داخل منطقة عمرانية كثيفة.
وتقع سيدي الظريف بين سيدي بوسعيد والمرسى، وتوجد على ربوة تتميز بموقعها وإطلالتها على المنطقة المحيطة. وتشير مراجع حول المناظر الطبيعية في تونس إلى أن التلّ الواقع بسيدي الظريف مغطى بغابة مزروعة، وأن الغطاء النباتي في المنطقة ارتبط أيضاً بدور في الحد من انجراف التربة بفعل مياه الأمطار.
كما تشير وثائق بيئية رسمية سابقة إلى تدخلات لحماية غابتي سيدي الظريف والمرسى، من بينها تهيئة المسالك وإحداث المناطق العازلة للحرائق.
لذلك، فإن قلق السكان لا يتعلق فقط بعدد الأشجار التي تم قطعها، وإنما بما إذا كانت العملية، في نظرهم، ستُتبع بإجراءات تضمن تجدد الغطاء النباتي والحفاظ على الوظائف البيئية للغابة.
ماذا يعني «تيبّس الأشجار»؟
مصطلح التيبّس أو التدهور الغابي (dépérissement) لا يعني بالضرورة وجود «مرض واحد» محدد. فهو وصف لحالة تتراجع فيها حيوية الشجرة تدريجياً، وقد تظهر في شكل جفاف أجزاء من التاج أو الأغصان، تغير في الأوراق، ضعف عام ثم موت أجزاء من الشجرة أو الشجرة بأكملها.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن ظاهرة التدهور يمكن أن تكون نتيجة تفاعل عدة عوامل، من بينها الجفاف والإجهاد المناخي والحشرات والعوامل المرضية، وأن الأشجار التي تكون في حالة ضعف تصبح أكثر عرضة لهجمات بعض الآفات، ومن بينها خنافس القلف أو السُّكوليت (Scolytinae).
وفي تونس، وثقت دراسات علمية علاقة بين خنافس القلف والفطريات وأشجار الصنوبر الحلبي (Pinus halepensis) في عدد من المناطق الغابية.
وفي هذا السياق، لا تبدو عملية إزالة بعض الأشجار المتضررة بالضرورة متناقضة مع هدف حماية الغابة. فقد أشارت منظمة الأغذية والزراعة في تجربة تونسية مرتبطة بغابات الصنوبر الحلبي في القصرين إلى أن ضعف الأشجار، المرتبط خصوصاً بالجفاف والعوامل المناخية، يمكن أن يترافق مع انتشار آفات مثل خنافس القلف، وأن التدخلات الحرجية، بما فيها القطع المدروس للأشجار المصابة، يمكن أن تكون جزءاً من استراتيجية للحد من انتشار الآفة.
لكن هذه المعطيات لا تعني تلقائياً أن كل عملية قطع للأشجار المصابة تكون مناسبة في كل غابة. فنجاعة التدخل ترتبط بالتشخيص، وتحديد الأشجار المتضررة، وطريقة القطع، والتصرف في الأخشاب المصابة، ومتابعة المنطقة بعد التدخل.
عندما يصبح القطع جزءاً من الوقاية
قد يبدو قطع شجرة سليمة ظاهرياً أمراً غير مفهوم للعين المجردة، خصوصاً إذا كانت الأعراض موجودة في أجزاء من التاج أو الجذور أو إذا كانت الإصابة في مراحلها الأولى.
توصي الممارسات المتعلقة بصحة الغابات بالمراقبة المستمرة لاكتشاف العلامات المبكرة للتدهور، مثل جفاف أجزاء من التاج أو ظهور ثقوب في اللحاء، والتدخل السريع عند وجود آفات يمكن أن تنتشر من شجرة إلى أخرى. وفي الحالة التي تناولتها منظمة الأغذية والزراعة في تونس، أشير أيضاً إلى استخدام المصائد والمراقبة والتدخلات الحرجية كوسائل للحد من انتشار خنافس القلف.
و تزداد أهمية هذه الإجراءات في ظل الضغوط التي تواجهها غابات الصنوبر في تونس. فقد أشارت منظمة الأغذية والزراعة إلى أن غابات الصنوبر الحلبي في تونس تتأثر بعوامل مثل الجفاف وندرة المياه والحرائق وتدهور النظم الغابية، وهي عوامل يمكن أن تضعف قدرة الأشجار على مقاومة الآفات.

السؤال الذي يبقى مطروحاً في سيدي الظريف
بين الروايتين، تبدو الحاجة واضحة إلى مزيد من المعطيات الميدانية.
فالسكان يريدون أن يعرفوا كم عدد الأشجار التي ستشملها العملية؟ وكيف تم تحديدها؟ وما طبيعة الضرر الذي أصابها؟ وهل تم إجراء تشخيص صحي للأشجار؟ وما مصير الأخشاب المقطوعة؟ وهل ستتم إعادة التشجير أو التجديد الطبيعي للمساحات التي ستخضع للقطع؟
أما الإدارة العامة للغابات فتقدم العملية باعتبارها تدخلاً قانونياً ووقائياً يهدف إلى حماية الأشجار الأخرى والحد من مخاطر استمرار التدهور.
وهنا يمكن أن يتحول مطلب السكان من مجرد الاعتراض على القطع إلى مطلب أكثر دقة: الحق في معرفة الخطة الغابية التي تحكم العملية.
فإذا كان القطع ضرورياً لحماية الغابة، فإن نشر المعطيات حول عدد الأشجار المستهدفة، ومساحة القطعة المعنية، ونتائج التشخيص، وطريقة التخلص من الأشجار المصابة، وخطة التجديد أو التشجير اللاحقة، يمكن أن يوضح الصورة ويجيب عن جزء كبير من مخاوف الأهالي.
من “لماذا تقطعون الأشجار؟” إلى “كيف نحمي الغابة؟”
عملية القطع في سيدي الظريف فتحت نقاشاً يتجاوز الأشجار التي ظهرت في الصور.
السكان يرون جذوعاً وأغصاناً مقطوعة ويتساءلون عن جدوى إزالة الأشجار في فترة تتزايد فيها الدعوات إلى التشجير ومقاومة آثار التغير المناخي.
والإدارة العامة للغابات تنظر إلى الأشجار المتضررة من زاوية مختلفة: شجرة مريضة أو متيبسة قد لا تكون مجرد شجرة فقدت جزءاً من حيويتها، وإنما قد تصبح، في بعض الحالات، عاملاً في استمرار انتشار الضرر داخل الغابة.
وبين هذين المنظورين، تبدو الحاجة الأساسية هي الشفافية العلمية: تشخيص واضح، أرقام دقيقة، تحديد للأشجار المعنية، احترام للرخصة ولشروط القطع، ثم متابعة لما سيحدث للموقع بعد انتهاء العملية.
فحماية الغابة لا تعني بالضرورة ترك كل الأشجار في مكانها مهما كانت حالتها، كما أن الوقاية لا تعني أن يصبح القطع هدفاً في حد ذاته.
في سيدي الظريف، يبقى السؤال الأهم ليس فقط «لماذا قُطعت هذه الأشجار؟»، وإنما أيضاً: «ماذا ستفعل الإدارة بعد قطعها لضمان بقاء الغابة وتجددها؟”
وهذا هو السؤال الذي ينتظر سكان المنطقة إجابة واضحة عنه في تصريحاتهم لمنصة كوسموس ميديا.




