سليديرمقالات

من دفءِ العائلة إلى زرقة البحر: علياء بوستة… امرأة تُربّي الأمل وتحرس الحياة

سهير بولعابة– كوسموس ميديا

في مدينةٍ يلامس فيها البحر تفاصيل الحياة اليومية، اختارت علياء بوستة أن تكون أكثر من مجرد امرأة تعمل قرب الموج؛ اختارت أن تكون صوتًا للحياة، ووجهًا مضيئًا لامرأة تونسية جمعت بين العلم والمسؤولية العائلية والنضال البيئي في آنٍ واحد.

علياء ليست فقط خريجة جامعية اقتحمت مجالًا بحريًا صعبًا، بل هي أيضًا زوجة وأمّ تحمل على كتفيها مسؤولية أسرة كاملة، دون أن تتخلى عن رسالتها تجاه البحر والطبيعة. فمن داخل بيتها تبدأ الحكاية، وهناك تُزرع أولى بذور الوعي.

أمّ تُربّي أبناءها على حبّ البحر

قبل أن تكون علياء ناشطةً في حماية الثروة البحرية، كانت أمًّا تؤمن أن التربية الحقيقية لا تقتصر على الدراسة والأخلاق فقط، بل تشمل أيضًا غرس احترام الطبيعة في نفوس الأطفال. لذلك تحرص دائمًا على أن ينشأ أبناؤها وهم يدركون قيمة البحر، وخطورة التلوث، وأهمية الحفاظ على الثروة السمكية للأجيال القادمة.

تحدّث أبناءها عن البحر كما تتحدث الأم عن فردٍ من العائلة؛ تعلمهم أن رمي النفايات في الشاطئ ليس تصرفًا عابرًا، بل جرحٌ في جسد الطبيعة، وأن صغار الأسماك التي تُصاد بطريقة عشوائية تعني مستقبلًا بحريًا مهددًا بالفقر والانقراض.

وهكذا تحوّل بيتها الصغير إلى مساحة وعي يومي، تُمارس فيه التربية البيئية ببساطة وصدق ومحبة.

من جلسات النساء… تولد ثقافة جديدة

لم تحتفظ علياء بأفكارها داخل أسوار منزلها فقط، بل نقلتها إلى محيطها الاجتماعي، حيث أصبحت تشارك نساء منطقتها حلقات نقاش وجلسات حوارية عفوية، تتحدث فيها عن البيئة والبحر والنظافة والصيد العشوائي وأثر التلوث على صحة العائلات ومستقبل أبنائهم.

كانت تؤمن أن التغيير الحقيقي يبدأ من الناس البسطاء، ومن الأحاديث اليومية التي تُقال بصدق داخل الأحياء والموانئ والمجالس النسائية. لذلك حرصت على أن تكون قريبة من النساء، تستمع إليهن كما تنصحهن، وتشاركهن هموم الحياة والبحر معًا.

ومع الوقت، تحولت تلك اللقاءات البسيطة إلى مساحة لنشر ثقافة بيئية جديدة، قوامها الوعي والمسؤولية الجماعية، بعيدًا عن الخطابات الجافة والشعارات الفارغة.

امرأة تجمع بين الرقّة والقوة

ورغم مسؤولياتها العائلية وضغوط العمل، بقيت علياء محافظة على هدوئها ورقتها الإنسانية. تتعامل بلطف وصبر، لكن هذا الهدوء يتحول إلى صلابة واضحة عندما يتعلق الأمر بحماية البحر أو رفض التجاوزات التي تهدد البيئة.

فهي تدرك أن الدفاع عن الطبيعة ليس رفاهية، بل واجب أخلاقي تجاه الوطن والأبناء والمستقبل.

علياء بوستة… حكاية امرأة تشبه الوطن

ما يجعل تجربة علياء بوستة ملهمة حقًا، ليس فقط نجاحها في مجال صعب، بل قدرتها على تحقيق هذا التوازن النادر بين دورها كأمّ وزوجة وامرأة عاملة وناشطة بيئية تحمل قضية تؤمن بها.

إنها نموذج لامرأة تونسية صنعت تأثيرها بهدوء، وآمنت أن حماية البحر تبدأ من البيت، ومن كلمة تُقال لطفل، أو نصيحة تُهمس في جلسة نسائية، أو موقف شجاع يُدافع عن زرقة المتوسط في وجه العبث والتّلوث.

زر الذهاب إلى الأعلى