سليديرمقالات

من حلول مقاومة النفايات إلى حماية المساحات الخضراء

ثلاثة مشاريع تونسية تتقاسم جائزة مايكل فيليب كراكنيل للبيئة

فتحية خذير –كوسموس ميديا

في وقت تتزايد فيه التحديات البيئية التي تواجه تونس، من تراكم النفايات والتلوث إلى تدهور المساحات الخضراء والضغط على الموارد الطبيعية، اختارت جائزة مايكل فيليب كراكنيل للبيئة تسليط الضوء على مبادرات تونسية تبحث عن حلول عملية لهذه الإشكاليات، انطلاقًا من الميدان وليس من الأفكار النظرية وحدها.
وتوّجت الدورة الأولى من الجائزة، التي أطلقتها مؤسسة «إندا البين عربية» (Enda inter-arabe)، ثلاثة مشاريع بيئية تونسية هي Soli Green الذي يقوده حسام حمدي، وZigofiltre الذي يحمله محمد رماح، وJninet El Hafsia الذي يقف وراءه فراس الخليفي. وقد توزعت بينها جوائز مالية بقيمة إجمالية تبلغ 100 ألف دينار تونسي، في مبادرة تهدف إلى دعم الحلول البيئية القائمة وتعزيز قدرتها على التوسع وتحقيق أثر أوسع في المجتمع.
وأقيم حفل الإعلان عن النتائج وتسليم الجوائز يوم 8 أكتوبر 2026 بالمتحف الوطني بباردو، في مناسبة لم تكن مخصصة للاحتفاء بالفائزين فحسب، بل أيضًا للتعريف بتجارب تونسية تسعى إلى تحويل الالتزام البيئي إلى مشاريع قابلة للتطبيق والتطوير.

100 ألف دينار لدعم حلول بيئية تونسية

تتمثل إحدى أبرز خصائص جائزة مايكل فيليب كراكنيل للبيئة في أنها لا تكتفي بتكريم أصحاب الأفكار الجديدة، وإنما تستهدف المبادرات التي انطلقت بالفعل على أرض الواقع وأثبتت قدرتها على الاستجابة لحاجة بيئية ملموسة.

وتندرج الجائزة ضمن توجه يسعى إلى مساندة المبادرات المحلية والجمعيات والمؤسسات الناشئة والفاعلين في المجتمع المدني، ممن يعملون على تطوير حلول مستدامة للتحديات البيئية، مع توفير الإمكانات التي تسمح لهذه التجارب بتعزيز نتائجها وتوسيع نطاق تدخلها.

وقد رُصدت للدورة الأولى ميزانية إجمالية قدرها 100 ألف دينار تونسي، موزعة على ثلاثة فائزين:

  • الجائزة الأولى: 50 ألف دينار تونسي، لفائدة مشروع Soli Green.

  • الجائزة الثانية: 30 ألف دينار تونسي، لفائدة مشروع Zigofiltre.

  • الجائزة الثالثة: 20 ألف دينار تونسي، لفائدة مشروع Jninet El Hafsia.

ولا يقتصر الرهان على التمويل المالي، إذ تتضمن فلسفة الجائزة أيضًا تقديم دعم غير مالي يهدف إلى تعزيز قدرات أصحاب المشاريع، ومساعدتهم على تطوير مبادراتهم وتحسين استدامتها وإتاحة فرص أكبر لتكرارها في مناطق أخرى. وبذلك، تتحول الجائزة من مجرد مكافأة مالية إلى أداة محتملة لدعم الابتكار البيئي وتعزيز حضور المشاريع التي تقدم حلولًا قابلة للتطبيق.

جائزة مايكل فيليب كراكنيل للبيئة موزعة على ثلاثة فائزين

الدورة الأولى بالأرقام: 200 ترشح من مختلف جهات البلاد

لم يكن اختيار الفائزين الثلاثة نتيجة مسار قصير، بل جاء بعد مراحل متتالية من استقبال الملفات وفحصها وتقييمها، في مؤشر على تنوع المبادرات البيئية التي تشهدها تونس، وعلى اهتمام متزايد بإيجاد حلول عملية للمشكلات البيئية.

فقد انطلقت الدورة الأولى يوم 4 جويلية 2026، وسجلت 200 ترشح، من بينها 171 ملفًا أُودعت في الآجال المحددة، قادمة من الولايات التونسية الأربع والعشرين. وبعد عمليات الفرز، خضع 93 ملفًا لتقييم فني، ثم عُرضت 33 مبادرة على لجنة التحكيم، قبل اختيار عشرة مشاريع نهائية دُعي أصحابها إلى تقديم مبادراتهم والدفاع عنها خلال جلسات استماع انتظمت يوم 19 سبتمبر 2026.

 

وتكشف هذه الأرقام عن اتساع قاعدة المبادرات التي تحاول الاستجابة للتحديات البيئية، كما تعكس أهمية الانتقال من مرحلة المبادرة المحلية إلى مرحلة التقييم والتطوير والبحث عن التمويل.

ومن أبرز المعطيات التي كشفت عنها نتائج التقييم أن:

  • 53% من المشاريع التي خضعت للتقييم الفني تتعلق بالنفايات والاقتصاد الدائري.

  • نحو 30% من المشاريع ترتبط بالمياه والقدرة على الصمود أمام التغيرات المناخية.

  • 12% من المشاريع تركز على الزراعة والتربة والتنوع البيولوجي.

  • تمثل الشركات الناشئة ورواد الأعمال وأصحاب المبادرات الفردية 69% من الترشحات، وفق المعطيات التي نشرتها «Managers».

وتشير هذه النسب إلى أن إدارة النفايات والاقتصاد الدائري يحتلان حيزًا مهمًا من اهتمام أصحاب المبادرات البيئية في تونس، إلى جانب قضايا المياه والتكيف المناخي. كما تبرز دور ريادة الأعمال في البحث عن حلول تتجاوز التوعية إلى تطوير خدمات ومنتجات ومشاريع قابلة للتطبيق.

لجنة تحكيم ومعايير لاختيار المشاريع

مرّ اختيار الفائزين عبر لجنة تحكيم ضمت خبرات في مجالات البيئة والتنمية الترابية والبحث الأكاديمي وريادة الأعمال والابتكار.

وبحسب المعطيات المنشورة من «إندا البين عربية»، ترأس اللجنة سمير المدب، وشارك فيها كل من سميرة النفزي، ومنير مجدوب، وحمدي التزاوي، وميساء السندلي، وغادة الطياري.

ولم يقتصر التقييم على جدة الفكرة أو قدرتها على إثارة الاهتمام، بل شمل مجموعة من المعايير، من بينها مدى ارتباط المشروع بحاجات المنطقة التي ينشط فيها، ومستوى الابتكار، والأثر البيئي والاجتماعي والاقتصادي، ونضج المبادرة وإمكانية تنفيذها، فضلًا عن قدرتها على التوسع أو تكرار التجربة في مناطق أخرى.

كما أولت عملية التقييم أهمية لمشاركة السكان المحليين والشركاء في تنفيذ المبادرات، بما يعزز فرص استمراريتها بعد انتهاء فترة التمويل.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في المشاريع البيئية، لأن نجاحها لا يقاس فقط بمدى جاذبية الفكرة، وإنما أيضًا بقدرتها على الاستمرار وتحقيق نتائج قابلة للقياس، وإشراك المواطنين في حماية محيطهم.

حسام حمدي ومشروع Soli Green: استعادة الغابات عبر زراعة الأشجار

Soli Green: يراهن المشروع على استعادة الغطاء الغابي وتعزيز زراعة الأشجار المحلية، مع ربط حماية البيئة بمشاركة المواطنين وخلق فرص اقتصادية على المستوى المحلي.

حصل حسام حمدي على الجائزة الأولى بقيمة 50 ألف دينار تونسي عن مشروع Soli Green، الذي تحمله مبادرة Tounes Clean Up، ليكون صاحب أعلى تتويج في الدورة الافتتاحية للجائزة.

ويتمثل أحد الأهداف المعلنة للمشروع في زراعة 12 مليون شجرة من الأصناف المحلية بحلول سنة 2035. ووفق تصريحات حسام حمدي خلال حفل التتويج، بلغ عدد الأشجار التي تمت زراعتها بالفعل نحو 2.2 مليون شجرة. كما يطمح المشروع إلى تعبئة ألف امرأة وأكثر من خمسة آلاف متطوع للمساهمة في تنفيذ أهدافه.

وتتجاوز أهمية هذا التوجه مجرد زيادة عدد الأشجار المزروعة، إذ ترتبط استعادة الغطاء الغابي بمقاومة تدهور التربة والتصحر، ودعم التنوع البيولوجي، وتعزيز قدرة النظم البيئية على مواجهة آثار التغيرات المناخية.

لكن الأثر الحقيقي لبرامج التشجير لا يتوقف عند عدد الشتلات التي تُغرس، بل يرتبط أيضًا بنسبة بقائها ونموها، واختيار الأنواع الملائمة للظروف المناخية المحلية، وتوفير المياه اللازمة خلال مراحلها الأولى، فضلًا عن حماية المساحات المستهدفة من الحرائق والرعي الجائر والتدهور.

ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين التشجير وإشراك المجتمعات المحلية في إدارة الموارد الطبيعية. فحين تتحول الغابات إلى مورد يرتبط بفرص العمل والأنشطة الاقتصادية المستدامة، تصبح حمايتها جزءًا من مصالح السكان اليومية، وليس مجرد نشاط ظرفي مرتبط بحملة بيئية.

ويطمح Soli Green، وفق المعطيات المنشورة، إلى ربط المبادرات الغابية بمشاركة السكان في الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالغابات التونسية، وهو توجه يجمع بين استعادة النظم البيئية والتنمية المحلية.

وتمنح الجائزة الأولى للمشروع فرصة لتعزيز هذه المقاربة، وتوسيع نطاقها، وتطوير قدرتها على تعبئة المتطوعين والفاعلين المحليين. غير أن بلوغ هدف 12 مليون شجرة يظل مرتبطًا بمدى توفر الموارد اللازمة للمتابعة والصيانة والري والحماية، وهي عناصر حاسمة لضمان استدامة النتائج على المدى الطويل.

محمد رماح ومشروع Zigofiltre: اعتراض النفايات قبل وصولها إلى شبكات التطهير

Zigofiltre: يقوم المشروع على تركيب مرشحات عند مداخل شبكات تصريف المياه وفتحات التطهير، بهدف حجز النفايات ومنع انتقالها إلى قنوات الصرف.

أما الجائزة الثانية، وقيمتها 30 ألف دينار تونسي، فكانت من نصيب محمد رماح عن مشروع Zigofiltre المرتبط بمؤسسة Wayout، وهو مشروع يعالج مشكلة يومية غالبًا ما تبدو بسيطة، لكنها قد تتسبب في أضرار بيئية وخدماتية متراكمة: وصول النفايات إلى شبكات تصريف المياه والتطهير.

وتقوم الفكرة على تركيب مرشحات عند فتحات تصريف المياه ومداخل شبكات التطهير، بهدف اعتراض النفايات الصلبة قبل انتقالها إلى داخل القنوات. ويستهدف هذا الحل الحد من وصول الأوساخ والمخلفات إلى الشبكات، بما قد يساهم في تقليص الانسدادات وتسهيل عمليات التنظيف والصيانة، فضلًا عن الحد من انتقال بعض النفايات إلى الأوساط المائية.

وفي تصريح نقلته صحيفة «Ilboursa»، أوضح محمد رماح أن العمل على المشروع انطلق منذ ست سنوات، معتبرًا أن التتويج يمثل اعترافًا بجهد طويل في تطوير المبادرة.

وتكمن أهمية هذا النوع من الحلول في التدخل عند نقطة مبكرة من مسار التلوث. فالنفايات التي تُلقى في الشوارع قد تنتقل بفعل الرياح أو مياه الأمطار إلى البالوعات وقنوات التصريف، ثم تصل إلى مجارٍ مائية أو مناطق ساحلية، إذا لم يقع اعتراضها أو جمعها في الوقت المناسب.

ويمكن للمرشحات أن تؤدي دورًا وقائيًا، لكن فاعليتها تتطلب صيانة دورية وإزالة النفايات المتراكمة، حتى لا تتحول هي نفسها إلى مصدر انسداد أو تعطل لتدفق المياه. كما تتوقف نتائجها على نوعية المواد التي تستطيع حجزها، وطريقة تثبيتها، ومدى ملاءمتها للبنية التحتية الموجودة.

ويطرح المشروع بذلك مقاربة عملية لإدارة جزء من مشكلة النفايات، تقوم على الجمع بين الحل التقني والصيانة المنتظمة والسلوك المدني المسؤول.

فحتى أكثر أنظمة الترشيح تطورًا لن تعوض الحاجة إلى الحد من إلقاء النفايات في الشوارع، وتحسين عمليات الجمع والفرز، وتطوير منظومة متكاملة للتصرف في المخلفات. غير أن التدخل في نقاط التصريف قد يشكل حلقة إضافية في هذه المنظومة، خصوصًا في المناطق التي تعاني من تراكم النفايات أو انسداد قنوات المياه.

ويمثل حصول Zigofiltre على الجائزة الثانية فرصة لدعم تطوير المشروع وتعزيز حضوره، مع أهمية متابعة مدى انتشار هذه المرشحات، وفاعليتها في ظروف الاستخدام الفعلية، وحجم النفايات التي تستطيع اعتراضها، بما يسمح بتقييم أثرها البيئي بصورة أدق.

فراس الخليفي ومشروع Jninet El Hafsia: المساحات الخضراء في قلب الحياة اليومية

Jninet El Hafsia: يندرج المشروع ضمن المبادرات التي تسعى إلى إبراز أهمية المساحات الخضراء ودورها في تحسين المحيط العمراني وتعزيز الصلة بين السكان والبيئة.

وتحصل فراس الخليفي، صاحب مشروع Jninet El Hafsia الذي تحمله مؤسسة Blue Fish، على الجائزة الثالثة بقيمة 20 ألف دينار تونسي.
ويأتي هذا التتويج ضمن توجه الجائزة إلى تكريم المبادرات التي تسعى إلى حماية البيئة وتحسين الإطار المعيشي، مع إبراز أهمية الفضاءات الخضراء في المناطق الحضرية.
فالمساحات الخضراء ليست مجرد عنصر جمالي يضفي على المدن منظرًا أفضل، بل تؤدي وظائف بيئية متعددة؛ إذ توفر موائل لبعض الكائنات الحية، وتساعد على تحسين المشهد الحضري، ويمكن أن تساهم في تخفيف تأثير الحرارة في المناطق المبنية، بحسب طبيعة الغطاء النباتي وحجمه وموقعه.
كما توفر الحدائق والفضاءات الخضراء أماكن للتلاقي الاجتماعي والترفيه، وتمنح السكان فرصًا أكبر للتفاعل مع الطبيعة، خصوصًا الأطفال والشباب الذين يعيشون في مناطق عمرانية كثيفة.
وتتضاعف أهمية هذه الفضاءات في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع المساحات الطبيعية داخل المدن، حيث تصبح حماية الحدائق القائمة وإحداث مساحات جديدة جزءًا من النقاش حول التخطيط الحضري والتكيف مع التغيرات المناخية.
غير أن استدامة المساحات الخضراء تظل مرتبطة بحسن اختيار النباتات، وترشيد استهلاك المياه، وتوفير الصيانة اللازمة، وضمان مشاركة السكان في حمايتها. فالحديقة التي لا تتوفر لها موارد مائية ملائمة أو آليات صيانة منتظمة قد تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها البيئية بمرور الوقت.
ومن المهم الإشارة إلى أن المعطيات المنشورة حول التتويج تؤكد اسم المشروع وصاحبه والجهة الحاملة له وقيمة الجائزة، لكنها لا تقدم تفاصيل تقنية كافية عن مساحة التدخلات المنجزة أو عدد المستفيدين أو النتائج البيئية المقاسة. لذلك، فإن تقييم الأثر الفعلي لمشروع Jninet El Hafsia يتطلب الاطلاع على بيانات إضافية من الجهة الحاملة للمبادرة.
ومع ذلك، فإن إدراجه ضمن المشاريع الثلاثة المتوجة يسلط الضوء على أهمية المساحات الخضراء باعتبارها جزءًا من الحلول البيئية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، وليس فقط القضايا الكبرى المتعلقة بالمحميات والغابات والموارد الطبيعية.

جائزة تحمل اسم مايكل فيليب كراكنيل: استمرارية إرث بيئي وتنموي

مايكل فيليب كراكنيل، المؤسس المشارك لمؤسسة «إندا البين عربية»، والذي ارتبط اسمه بمسار طويل من العمل في تونس في مجالات التنمية والعدالة الاجتماعية والتعليم والبيئة.

لا يمكن فهم خلفية هذه الجائزة دون العودة إلى شخصية مايكل فيليب كراكنيل، المؤسس المشارك لمؤسسة «إندا البين عربية»، والذي ارتبط اسمه بمسار طويل من العمل في تونس في مجالات التنمية والعدالة الاجتماعية والتعليم والبيئة.

وقد أُطلقت الجائزة تكريمًا لذكراه واستمرارًا للقيم التي دافع عنها، والمتمثلة في البحث عن حلول عملية تستجيب لحاجات المجتمعات، وربط التنمية بتحسين ظروف العيش وحماية الموارد الطبيعية.

وتعود بعض الاهتمامات البيئية الأولى لكراكنيل وإسمة بن حميدة إلى بدايات تسعينيات القرن الماضي، حين شملت تدخلاتهما موضوعات مثل حديقة وبحيرة أريانة، والنباتات الطبية، ومقاومة التصحر. ثم تطورت أنشطة المؤسسة لتشمل مجالات أخرى، من بينها التمويل الأصغر والتكوين والتعليم والإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

ومن خلال إطلاق جائزة تحمل اسمه، تسعى المؤسسة إلى إعادة وضع البيئة ضمن أولويات العمل التنموي، مع إفساح المجال أمام جيل جديد من أصحاب المبادرات الذين يمكنهم مواصلة هذا المسار وتطوير حلول تتناسب مع التحديات الراهنة.

وفي هذا السياق، تبرز فكرة أساسية: لا تستطيع مؤسسة واحدة معالجة جميع المشكلات البيئية بمفردها، مهما كانت خبرتها أو مواردها. لذلك، يصبح دعم الجمعيات والشركات الناشئة والمبادرات المحلية وسيلة لتوسيع دائرة الفاعلين، وتوزيع الجهود، وتحويل الخبرات المتراكمة إلى مشاريع مستقلة وأكثر قدرة على الاستمرار.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية في تونس، حيث تتوزع التحديات البيئية بين مناطق تعاني من تراكم النفايات، وأخرى تواجه ضغطًا على الموارد المائية، ومناطق تحتاج إلى حماية غطائها الغابي وتنوعها البيولوجي، فضلًا عن المدن التي تبحث عن حلول لتحسين جودة الحياة والتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة.

ومن هنا، لا يقتصر إرث كراكنيل الذي تسعى الجائزة إلى إحيائه على تخليد اسم مؤسس، بل يمتد إلى محاولة بناء ديناميكية جديدة تدعم الفاعلين الذين يختارون العمل على الأرض بدل الاكتفاء بالتشخيص.

من التمويل إلى الأثر: ماذا تعني هذه الجوائز للمشاريع البيئية؟

تمنح الجوائز المالية للمبادرات الثلاث فرصة لتعزيز إمكاناتها، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن تحويل التمويل إلى نتائج بيئية واجتماعية قابلة للقياس؟

في حالة Soli Green، يتمثل أحد المؤشرات المهمة في عدد الأشجار التي تستمر في النمو بعد غرسها، والمساحات التي استعادت غطاءها النباتي، وعدد الأشخاص الذين يشاركون في حماية الموارد الغابية أو يستفيدون اقتصاديًا من الأنشطة المرتبطة بها.

أما Zigofiltre، فيمكن تقييم أثره من خلال عدد المرشحات المركبة، وحجم النفايات التي يجري اعتراضها، ومعدل الانسدادات التي يمكن الحد منها، وكلفة الصيانة، ومدى إمكانية اعتماد الحل في أحياء أو مدن أخرى.

وبالنسبة إلى Jninet El Hafsia، تبرز مؤشرات مثل المساحات الخضراء التي تمت المحافظة عليها أو تطويرها، وعدد المستفيدين، واستهلاك المياه، وتنوع النباتات، ومدى استمرارية الصيانة.

ولا تعني هذه المؤشرات أن الجائزة اشترطت نشر نتائج محددة بهذه الصيغة، وإنما تمثل أمثلة على كيفية متابعة الأثر البيئي للمشاريع بعد حصولها على التمويل.

فالتحدي لا يكمن في تنفيذ النشاط الأول فحسب، بل في ضمان استمرار نتائجه، وتحديد ما نجح وما يحتاج إلى تعديل، ثم تبادل الخبرات مع مبادرات أخرى يمكنها الاستفادة من التجربة.

كما أن الدعم المالي، على أهميته، يحتاج إلى أن يترافق مع خبرة فنية، وشراكات مع البلديات والجهات المعنية، وتواصل فعال مع المواطنين، حتى لا تبقى المبادرات محصورة في نطاق جغرافي ضيق.

نحو جائزة إفريقية ابتداءً من 2027

ومن أبرز الإعلانات التي رافقت حفل التتويج توجه «إندا البين عربية» إلى توسيع نطاق الجائزة ليشمل المبادرات الإفريقية ابتداءً من سنة 2027، وفق ما نقلته وسائل إعلام تونسية عن إسمة بن حميدة، المؤسسة المشاركة للمؤسسة.

ويأتي هذا التوجه بعد تلقي ترشح من مالي خلال الدورة الأولى، لم يكن بالإمكان إدراجه ضمن المنافسة لأن الجائزة كانت مخصصة للمبادرات التونسية. وقد ساهمت هذه التجربة في طرح إمكانية توسيع المشاركة لتشمل بلدانًا إفريقية أخرى.

ويمكن لهذه الخطوة، إذا تُرجمت إلى آليات واضحة في الدورات المقبلة، أن تفتح المجال أمام تبادل التجارب بين رواد المبادرات البيئية في القارة، وتعزيز التعاون بين الجمعيات والشركات الناشئة والفاعلين المحليين.

فالمشكلات البيئية لا تتوقف عند الحدود الوطنية؛ إذ تتقاطع قضايا التصحر وشح المياه والتلوث والنفايات والتنوع البيولوجي في عدد من البلدان الإفريقية، وإن اختلفت ظروفها ودرجة تأثيرها من منطقة إلى أخرى.

ومن شأن المنافسة الإقليمية أو القارية أن تتيح فرصًا للتعلم المتبادل، وأن تساعد على نقل الحلول الناجحة إلى سياقات أخرى، شريطة مراعاة الخصائص المحلية وتوفير التمويل والشراكات المناسبة.

ومع ذلك، يظل نجاح هذا التوسع مرتبطًا بالتفاصيل التي ستُعتمد في الدورة المقبلة، بما في ذلك شروط الترشح ومعايير التقييم والبلدان المعنية وحجم التمويل المتاح. وحتى الآن، يمثل الإعلان عن الانفتاح الإفريقي توجهًا مستقبليًا معلنًا، وليس دليلًا على اكتمال ترتيبات الدورة الجديدة.

«دليل المواطن العالمي»: البيئة ضمن رؤية أوسع للمواطنة

وشهدت المناسبة أيضًا تقديم النسخة التونسية من كتاب «دليل المواطن العالمي»، من تأليف الصحفي والاقتصادي الإيطالي الأرجنتيني روبرتو سافيو وجوليانو ريتزي.

ويتضمن الكتاب 19 فصلًا تتناول قضايا عالمية معاصرة، من بينها العنصرية والتفاوتات الاجتماعية وقضايا النوع الاجتماعي وتأثير التكنولوجيا الجديدة على الأجيال المقبلة. وقد تُرجم إلى الفرنسية والعربية، مع تكييفه للسياق التونسي.

وتعتزم «إندا البين عربية» توزيع الكتاب على دور الشباب والجامعات والمعاهد الثانوية، بهدف تشجيع النقاش حول القضايا العالمية، وتعزيز وعي الشباب بقدرتهم على المشاركة في إحداث التغيير.

ورغم أن تقديم الكتاب يمثل نشاطًا موازيا لحفل الجائزة، فإنه ينسجم مع فكرة أوسع تقوم على الجمع بين دعم المشاريع العملية ونشر المعرفة وتشجيع المواطنة الفاعلة.

فالمشكلات البيئية لا ترتبط بالتقنيات والتمويل وحدهما، بل تتأثر أيضًا بالسلوك الفردي، والسياسات العامة، ومستوى المشاركة المجتمعية، وقدرة المواطنين على فهم أثر القرارات اليومية في الموارد الطبيعية وجودة الحياة.

ومن هذا المنطلق، يمكن للتوعية البيئية والتعليم والمبادرات المحلية أن تشكل عناصر متكاملة في بناء استجابة أكثر استدامة للتحديات التي تواجه البلاد.

البيئة في تونس: من المبادرات المحلية إلى الحلول المستدامة

تكشف الدورة الأولى من جائزة مايكل فيليب كراكنيل عن تنوع المقاربات التي يمكن اعتمادها في معالجة المشكلات البيئية: من زراعة الأشجار واستعادة الغطاء الغابي، إلى الحد من وصول النفايات إلى شبكات تصريف المياه، وصولًا إلى الاهتمام بالمساحات الخضراء وتحسين المحيط العمراني.

وتتجاوز أهمية هذه المبادرات اختلاف مجالاتها، لأنها تطرح سؤالًا مشتركًا حول قدرة الفاعلين المحليين على تحويل الأفكار إلى حلول قابلة للتنفيذ، ثم المحافظة على نتائجها وتوسيع نطاقها.

لكن نجاح هذه التجارب لن يُقاس بعدد الجوائز الممنوحة وحده، ولا بحجم التمويل الذي تحصل عليه، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس ومستمر في البيئة المحيطة بها.

ويشمل ذلك نشر بيانات واضحة عن النتائج، وتقييم الأثر بعد فترة من تنفيذ المشاريع، وتعزيز الشراكات مع البلديات والمؤسسات العمومية والمجتمع المدني، إضافة إلى إشراك المواطنين في تحديد الحاجات والأولويات.

كما أن توسيع نطاق المبادرات الناجحة يتطلب الانتباه إلى الفوارق بين المناطق، لأن الحل الذي ينجح في مدينة أو غابة معينة قد يحتاج إلى تعديل قبل نقله إلى منطقة أخرى تختلف من حيث المناخ أو البنية التحتية أو الموارد المتاحة.

ومن هنا، يمكن للجائزة أن تؤدي دورًا يتجاوز التكريم، إذا أصبحت منصة لتبادل الخبرات بين أصحاب المشاريع، ومتابعة تطورها، وتوثيق النتائج التي تحققها، وإتاحة المجال أمام مبادرات أخرى للاستفادة منها.

ثلاث مبادرات، ورهان واحد

في دورتها الأولى، منحت جائزة مايكل فيليب كراكنيل للبيئة اعترافًا بثلاث تجارب تونسية مختلفة في أهدافها ووسائل عملها، لكنها تلتقي عند محاولة تقديم استجابة عملية لتحديات بيئية قائمة.

فقد حصد Soli Green الجائزة الأولى عن مبادرة تستهدف استعادة الغطاء الغابي عبر زراعة الأشجار المحلية وتعبئة المجتمع، فيما نال Zigofiltre الجائزة الثانية عن حل تقني يهدف إلى اعتراض النفايات قبل دخولها إلى شبكات تصريف المياه. أما Jninet El Hafsia، فقد حاز الجائزة الثالثة ضمن المبادرات المعنية بالبيئة والمساحات الخضراء.

وبين التمويل الذي رُصد للمشاريع الثلاثة، والاهتمام الذي حظيت به المبادرات من مختلف الولايات، والتوجه المعلن نحو توسيع الجائزة إفريقيًا، تبرز فرصة لتحويل هذه الدورة إلى نقطة انطلاق لدعم حلول بيئية أكثر استدامة.

ويبقى الرهان الأساسي هو ما سيحدث بعد حفل التتويج: هل ستتمكن المبادرات من توسيع نطاق تدخلاتها؟ وهل ستتحول الجوائز إلى نتائج بيئية يمكن قياسها وتوثيقها؟ وهل ستنجح التجارب التي أثبتت جدواها في الانتقال من المبادرات المحدودة إلى حلول أوسع انتشارًا؟

تلك هي الأسئلة التي ستحدد، في نهاية المطاف، القيمة الحقيقية للجائزة. فحماية البيئة لا تتحقق بالتكريم وحده، بل بالقدرة على مواصلة العمل بعده، وبناء شراكات مستدامة، وتحويل الأفكار إلى نتائج تحافظ على الموارد الطبيعية وتحسن حياة المواطنين.

وفي هذا المعنى، فإن الرسالة الأبرز للدورة الأولى ليست فقط أن ثلاثة مشاريع فازت بجوائز مالية، بل أن المبادرات المحلية يمكن أن تشكل جزءًا من الإجابة عن التحديات البيئية في تونس، متى توفرت لها الإمكانات اللازمة، والمساندة الفنية، والقدرة على الاستمرار والتطور.

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى