
مبروكة خذير–كوسموس ميديا
صحفية وخبيرة في تطوير الإعلام، مؤسسة ورئيسة المديرة التنفيذية لمنصة كوسموس ميديا – تونس، المتخصصة في الصحافة البيئية والتنمية المستدامة.
منظومة الإنذار المبكر ليست مجرد تكنولوجيا تتنبأ بالخطر، بل شبكة متكاملة من المعرفة والجاهزية والتواصل والتمويل، قد تصنع الفارق بين النجاة والفقدان. ومن تونس، أطلق المنتدى العربي الإقليمي لنظم الإنذار المبكر والتأهب للكوارث دعوة لتجاوز مرحلة التعهدات نحو بناء منظومة عربية قادرة على حماية الجميع، دون استثناء.
تخيّل أن عاصفة تقترب، وأن الساعات القليلة المتبقية قبل وصولها قد تكون كافية لإنقاذ مئات الأرواح. تصل البيانات إلى مراكز الرصد، وتتوالى التحذيرات، وتصدر الجهات المختصة إنذارها. لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟ هل تصل الرسالة إلى سكان المناطق المهددة؟ هل يفهمون خطورة الوضع؟ وهل يملكون الوقت والوسائل والإمكانات اللازمة للاستجابة؟
في تلك المسافة الفاصلة بين اكتشاف الخطر ووصول التحذير إلى الإنسان، تتحدد أحيانًا فرص النجاة. فليس كافيًا أن تعرف المؤسسات أن كارثة تقترب، ولا أن تمتلك أحدث تقنيات الرصد والتنبؤ؛ إذ لا تكتمل قيمة الإنذار إلا عندما يصل إلى من يحتاج إليه، في الوقت المناسب، وبالصيغة التي تمكّنه من اتخاذ قرار يحمي حياته وحياة أسرته.
هذه المسافة، بما تختزنه من تحديات تقنية ومؤسسية واجتماعية وإنسانية، كانت في صلب النقاشات التي احتضنتها تونس من 12 إلى 14 أكتوبر 2026، خلال المنتدى العربي الإقليمي لنظم الإنذار المبكر والتأهب للكوارث. وانتهت أعمال المنتدى إلى دعوة عربية للعمل، تضع حماية الأرواح وتعزيز الاستعداد للكوارث في مقدمة الأولويات الإقليمية.

من التنبؤ بالخطر إلى الاستعداد لمواجهته
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت المنطقة العربية معرضة للكوارث والمخاطر المناخية، بل مدى استعداد
دولها ومجتمعاتها للتعامل معها قبل أن تتحول إلى مآسٍ إنسانية وخسائر اقتصادية واجتماعية واسعة.
فالإنذار المبكر، كما يبرز البيان الختامي للمنتدى، لا ينبغي أن يُختزل في أجهزة الرصد أو نشر التحذيرات، وإنما يتطلب منظومة متكاملة تبدأ بمعرفة المخاطر وتحليلها، وتمر بالرصد والتنبؤ وإيصال الإنذارات، وصولًا إلى الاستعداد للاستجابة واتخاذ إجراءات استباقية فعالة.
ويأتي هذا التوجه في سياق مبادرة «الإنذار المبكر للجميع» التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة سنة 2022، بهدف ضمان حماية كل شخص على وجه الأرض بواسطة نظم إنذار مبكر متعددة الأخطار بحلول عام 2027.
ومع اقتراب هذا الموعد، لم يعد التحدي مقتصرًا على إنشاء المنظومات، بل أصبح مرتبطًا بمدى قدرتها على العمل بفاعلية واستدامة، وضمان شمولها لمختلف الفئات والمناطق، وتأمين التمويل اللازم لتطويرها وصيانتها.
فالمنظومة التي تتوقف عند حدود التنبؤ، أو التي تعجز عن إيصال رسائلها إلى المجتمعات الأكثر عرضة للخطر، تظل عاجزة عن تحقيق غايتها الأساسية: حماية الإنسان.

عندما لا يصل الإنذار إلى الجميع
في مواجهة الكوارث، لا يكون الجميع على المسافة نفسها من الخطر، ولا يمتلكون بالضرورة فرصًا متكافئة للنجاة.
ففي المناطق النائية والهشة، قد تتحول محدودية شبكات الاتصال أو ضعف البنية التحتية إلى عائق يحول دون وصول التحذيرات. وقد يجد الأشخاص ذوو الإعاقة أو النازحون أو السكان الذين يصعب الوصول إليهم أنفسهم خارج دائرة المعلومات الضرورية لاتخاذ إجراءات وقائية.
وهنا تبرز إحدى القضايا الأساسية التي شدد عليها البيان الختامي: ضرورة سد الفجوات المتبقية في نظم الإنذار المبكر، وضمان وصول التحذيرات إلى الجميع دون استثناء.
غير أن الشمول لا يتحقق بمجرد إرسال الرسائل إلى الهواتف أو بث التحذيرات عبر وسائل الإعلام. إنه يتطلب فهمًا لخصوصية المجتمعات المحلية، ولغاتها واحتياجاتها وقدرتها على الاستجابة، فضلًا عن توفير قنوات اتصال موثوقة ومتاحة، والاستفادة من المعرفة المحلية وآليات التواصل المباشر.
كما يستدعي إشراك المجتمعات المحلية في التخطيط والاستعداد، بدل الاكتفاء بالتعامل معها باعتبارها مجرد متلقٍّ للتحذيرات.
فالسكان الذين يعيشون في مناطق مهددة ليسوا فقط الأكثر عرضة لتداعيات الكوارث، بل يمكن أن يكونوا أيضًا شركاء أساسيين في رصد المخاطر وفهمها والاستعداد لمواجهتها.

التكنولوجيا وحدها لا تنقذ الأرواح
تفتح التقنيات الحديثة آفاقًا واسعة أمام تطوير نظم الإنذار المبكر، من خلال تحسين الرصد والتنبؤ، وتسريع معالجة البيانات، وتوسيع قنوات التواصل مع السكان.
ويدعو البيان الختامي إلى تعزيز استخدام البث الخلوي والرسائل النصية المرتبطة بالموقع الجغرافي والمنصات الرقمية، إلى جانب التقنيات الناشئة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لدعم نشر الإنذارات والتواصل بشأنها.
لكن هذه الأدوات، مهما بلغت درجة تطورها، تحتاج إلى بنية تحتية قادرة على الصمود، وبيانات موثوقة ومحدثة، وتنسيق بين المؤسسات المعنية، إلى جانب كفاءات قادرة على تحويل المعلومات إلى قرارات وإجراءات عملية.
كما أن فعالية التنبؤ ترتبط بتبادل البيانات بين الدول والمراكز الوطنية والإقليمية والدولية، وتطوير قدرات تحليل المخاطر، مع مراعاة حماية البيانات والخصوصية.
والأهم أن امتلاك التكنولوجيا لا يعفي من معالجة الاختلالات التي تجعل بعض المجتمعات أكثر هشاشة من غيرها. فمخاطر الكوارث لا تتشكل بفعل الظواهر الطبيعية وحدها، بل تتفاقم أيضًا بسبب التدهور البيئي، وأوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وضعف الحوكمة والقدرات المؤسسية.
لذلك، فإن بناء القدرة على الصمود يبدأ قبل وقوع الكارثة بوقت طويل، من خلال سياسات تنموية تأخذ المخاطر في الحسبان، واستثمارات مستدامة في الوقاية والاستعداد، وخطط واضحة للتعامل مع الطوارئ.

الإعلام: من نقل الخبر إلى المساهمة في إنقاذ الأرواح
في خضم هذه المنظومة المتشابكة، يحتل الإعلام موقعًا يتجاوز نقل الأخبار والتغطية الميدانية بعد وقوع الكارثة.
ففي اللحظات الحرجة، قد تكون المعلومة الدقيقة، إذا وصلت في الوقت المناسب، عاملًا حاسمًا في تغيير مسار الأحداث. وفي المقابل، قد يؤدي انتشار المعلومات المضللة أو تأخر التحذيرات أو غموضها إلى إرباك السكان وتعقيد جهود الاستجابة.
لهذا، دعا البيان الختامي إلى إدماج وسائل الإعلام وهيئات البث ضمن الآليات الوطنية للإنذار المبكر والتأهب للكوارث، والاعتراف بدورها شريكًا أساسيًا في نشر الإنذارات الرسمية والتوعية بالمخاطر والتنسيق مع المؤسسات التربوية والتعليمية.
ويعني ذلك أن دور الصحفي لا يبدأ فقط عندما تقع الكارثة، ولا ينتهي بمجرد نقل مشاهد الدمار أو إعلان أعداد الضحايا. بل يشمل أيضًا تبسيط المعلومات العلمية، وشرح طبيعة المخاطر، وتوضيح الإجراءات الوقائية، ومساعدة الجمهور على التمييز بين التحذيرات الرسمية والشائعات.
وتزداد أهمية هذا الدور عندما تتعرض شبكات الاتصال والبنية التحتية للاضطراب، أو عندما تصبح الحاجة إلى المعلومات الدقيقة أكثر إلحاحًا. ومن هنا، يشدد البيان على ضرورة مراعاة مخاطر الكوارث في تخطيط البنية التحتية للاتصالات وقنوات البث وتصميمها وتشغيلها وصيانتها، بما يضمن استمرار وصول المعلومات الموثوقة إلى السكان أثناء الكوارث وبعدها.
إن إشراك الإعلام في منظومة الإنذار المبكر يعني الانتقال من التعامل معه باعتباره قناة لنشر الرسائل إلى الاعتراف به شريكًا في بناء الوعي وتعزيز الاستعداد المجتمعي.
الإنذار الذي لا يتبعه فعل يظل ناقصًا
قد تصل الرسالة في الوقت المناسب، وقد يفهم السكان خطورة الوضع، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم قادرون على الاستجابة.
فهل تتوفر وسائل الإجلاء؟ وهل توجد خطط واضحة للتعامل مع الطوارئ؟ وهل تعرف المؤسسات المحلية مسؤولياتها؟ وهل تمتلك المجتمعات الموارد والإمكانات التي تسمح لها باتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة؟
هذه الأسئلة تكشف أن نجاح نظم الإنذار المبكر لا يُقاس فقط بسرعة إصدار التحذيرات أو دقتها، بل أيضًا بقدرة الأفراد والمؤسسات على الاستجابة لها.
وفي هذا السياق، يدعو البيان إلى تعزيز التخطيط المشترك للطوارئ، وتنظيم تمارين المحاكاة بمشاركة مختلف الأطراف، وتوضيح المسؤوليات وإجراءات التشغيل وقنوات الاتصال، فضلًا عن تأمين التمويل المسبق اللازم للتحرك في الوقت المناسب.
كما يشدد على أهمية وضع أهداف وطنية قابلة للقياس، ومتابعة التقدم المحرز عبر مؤشرات تشمل تغطية الإنذارات وإمكانية الوصول إليها وتوقيتها ودقتها وقابليتها للتنفيذ، إلى جانب تقييم قدرة الأفراد والمؤسسات على الاستجابة.
فالاختبار الحقيقي لأي منظومة إنذار ليس ما تقوله التقارير عن كفاءتها، بل ما تستطيع تحقيقه على أرض الواقع: هل وصلت المعلومة؟ هل فُهمت؟ هل أمكن التصرف بناءً عليها؟ وهل ساهمت في حماية الأرواح وسبل العيش؟

من تونس إلى خارطة طريق عربية
لا تتوقف الدعوة التي خرج بها المنتدى عند تحسين أداء الأنظمة الوطنية، بل تمتد إلى تعزيز التعاون العربي وتنسيق الجهود في مواجهة المخاطر المشتركة، خصوصًا عندما تتجاوز آثار الكوارث الحدود الجغرافية.
وفي هذا الإطار، يدعو البيان إلى تسريع تنفيذ مبادرة «الإنذار المبكر للجميع» وتوسيع نطاقها وضمان استدامتها في المنطقة العربية، من خلال شراكات أوسع، وتبادل الخبرات والمعارف، والاستفادة من العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
كما يطرح الحاجة إلى إعداد خارطة طريق عربية واضحة للإنذار المبكر، مدعومة بقيادة سياسية والتزامات مالية كافية ومستدامة، بما يساعد الدول والمجتمعات المحلية على تعزيز التأهب واتخاذ الإجراءات الاستباقية والحد من مخاطر الكوارث.
ويدعو البيان الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، من خلال آلية التنسيق العربية للحد من مخاطر الكوارث، وبدعم من الجهات المعنية والمنظمات والمؤسسات العربية والأممية والإقليمية والدولية، إلى تنسيق متابعة هذه الدعوة وإعداد خارطة طريق وخطة عمل عربية للإنذار المبكر حتى عام 2030.
إنها خطوة تضع المنطقة أمام استحقاق يتجاوز حدود الاجتماعات والبيانات: تحويل الالتزامات إلى سياسات، والسياسات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى أنظمة قادرة على العمل عندما تصبح كل دقيقة ذات قيمة.

حماية الإنسان تبدأ قبل الكارثة
تضع مخرجات المنتدى العربي الإقليمي في تونس قضية الإنذار المبكر ضمن رؤية أشمل لإدارة مخاطر الكوارث، تقوم على الوقاية والتأهب والتنسيق والتمويل المستدام، ولا تنتظر وقوع الخسائر حتى تتحرك.
لكن نجاح هذه الرؤية سيظل مرهونًا بمدى قدرة الدول والمؤسسات والشركاء على تنفيذ ما تعهدوا به، وضمان ألا تتحول الفجوات التقنية والاجتماعية والمؤسسية إلى حواجز تمنع وصول التحذيرات إلى من يحتاجون إليها.
فالكارثة قد تبدأ بظاهرة طبيعية، لكن حجم خسائرها يتأثر أيضًا بمدى استعداد المجتمعات، وجودة المعلومات المتاحة، وسرعة الاستجابة، وقدرة المؤسسات على العمل معًا.
وفي نهاية المطاف، لا يتعلق الإنذار المبكر بمجرد معرفة ما سيحدث غدًا، بل بامتلاك القدرة على التحرك اليوم لتفادي الأسوأ غدًا.
فحين يدق جرس الإنذار، ينبغي ألا يكون السؤال فقط: هل اكتشفنا الخطر؟ بل أيضًا: هل وصلت الرسالة إلى الجميع، وهل أصبح كل شخص قادرًا على حماية نفسه ومن حوله؟




