سليديرمقالات

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل إدارة المباني

قيادة المُلّاك والحوكمة مفتاح التحول نحو منشآت أكثر ذكاءً واستدامة

سارة صميدة: مهندسة معمارية مختصة في البناء الاخضر و معتمدة من مجلس البناء الأخضر الامريكي- كوسموس ميديا

 

من البيانات الموثوقة إلى التوأم الرقمي، ناقش خبراء في مؤتمر ومعرض Greenbuild 2026 دور الذكاء الاصطناعي ونمذجة معلومات البناء في تطوير إدارة الأصول، وتحسين الأداء التشغيلي، وتعزيز القرارات المستدامة على المدى الطويل.

في إطار فعاليات المؤتمر والمعرض الدولي للبناء الأخضر Greenbuild 2026، المنعقد يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، تناولت جلسة بعنوان «قيادة المُلّاك في عصر الذكاء الاصطناعي: من الذكاء الموثوق إلى التطبيق في السوق» التحولات التي يشهدها قطاع البناء وإدارة المرافق في ظل التطور المتسارع للتقنيات الرقمية. وسلطت الجلسة الضوء على دور الذكاء الاصطناعي ونمذجة معلومات البناء (BIM) والتوأم الرقمي في تحسين إدارة الأصول، مع التأكيد على أن تحقيق الاستفادة الفعلية من هذه الأدوات يظل مرتبطًا بوجود حوكمة واضحة للبيانات، ومعايير مشتركة، وقيادة واعية باحتياجات المباني ومستخدميها.

المُلّاك في صدارة التحول الرقمي

أكد المشاركون أن التحول الرقمي في قطاع البناء لا ينبغي أن تقوده الحلول التقنية وحدها، بل يجب أن ينطلق من احتياجات مُلّاك المباني والمنشآت وأهدافهم الاستراتيجية. فهؤلاء هم المسؤولون عن تحديد متطلبات المعلومات، وضمان جودة البيانات، وفرض شروط واضحة تتيح تبادلها وتكاملها بين الأنظمة المختلفة.

وفي هذا السياق، استعرض مايك بوردينارو، ممثل شبكة قيادة الأصول (Asset Leadership Network)، رسالة الشبكة وتعاوناتها، بما في ذلك العمل مع ائتلاف المباني الأكثر ذكاءً (Coalition for Smarter Buildings). كما أشار إلى جهود مرتبطة بإدارة المرافق في مبنى الكابيتول، حيث يجري اعتماد شهادة ISO 55000 الخاصة بإدارة الأصول.

وشدد بوردينارو على أن إدارة المباني العامة ترتبط بمسؤولية الحفاظ على القيمة التي تقدمها هذه المنشآت للمجتمع، باعتبار أن المواطنين هم المستفيدون النهائيون من أدائها. ومن ثم، فإن تحسين كفاءة المباني، وضمان استمرارية أدائها، وتعزيز المساءلة في إدارتها، ينبغي أن تكون من الأولويات الأساسية للمؤسسات المالكة.

كما أشار إلى تطور دور القيادة في مكتب مهندس مبنى الكابيتول (Architect of the Capitol)، من التركيز على التخطيط إلى تبني مقاربة أكثر شمولًا لإدارة الأصول، تقوم على الحوكمة والشهادات وتحسين الأداء.

وتكشف هذه الرؤية عن تحول جوهري في مفهوم ملكية المباني؛ إذ لم تعد المسؤولية تقتصر على إنشاء المنشأة وتسليمها، بل أصبحت تشمل إدارة أدائها وقيمتها طوال دورة حياتها.

الذكاء الاصطناعي بين الإمكانات التقنية ومتطلبات الحوكمة

رغم الإمكانات الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات ودعم القرارات التشغيلية، فإن المشاركين حذروا من التعامل معه بوصفه حلًا مستقلًا لجميع التحديات. فالنتائج الموثوقة تتطلب بيانات منظمة وقابلة للتبادل، إلى جانب قواعد واضحة تحدد المسؤوليات وآليات الاستخدام.

وتتمثل إحدى أبرز العقبات في عدم تحديد متطلبات البيانات منذ المراحل الأولى للمشاريع، أو عدم تضمينها بوضوح في العقود. وقد يؤدي ذلك إلى صعوبة دمج المعلومات بعد تسليم المباني، ويحد من قدرة الأنظمة الرقمية على تقديم تحليلات دقيقة وقابلة للاستخدام.

ومن هذا المنطلق، أكد المتحدثون ضرورة أن يتولى المُلّاك تحديد معايير المعلومات المطلوبة، وضمان توافقها بين الأنظمة، ومتابعة الالتزام بها. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في محدودية التكنولوجيا، بل قد تكون في غياب التنسيق والحوكمة بين الأطراف المعنية.

وتبرز هنا أهمية معايير إدارة الأصول، ومنها ISO 55000، بوصفها أطرًا تساعد المؤسسات على تنظيم عملياتها وتحديد مسؤولياتها وتحسين إدارة الأصول ضمن رؤية طويلة الأمد.

جامعة برينستون: الانتقال من الصيانة الدورية إلى الإدارة الاستباقية

قدم كاميرون كريستنسن، المتخصص في إدارة المرافق والأصول، تجربة جامعة برينستون في تطوير مقاربة تعتمد على التقييم المستمر لحالة المباني واتخاذ القرارات استنادًا إلى البيانات.

وأوضح أن الجامعة تتجه نحو إدارة استراتيجية للأصول، مدعومة بنظام مؤسسي لإدارة المعلومات ومؤشرات لتقييم الحالة الصحية للأصول. ويأتي هذا التوجه في إطار الانتقال من التقييمات المتباعدة، التي قد تُجرى مرة كل خمس سنوات، إلى متابعة مستمرة تستند إلى سجلات الصيانة وبيانات الطاقة وملاحظات الفنيين.

ويتيح هذا النهج تحديد أولويات التدخلات بصورة أكثر دقة، وتوجيه الموارد نحو الأصول التي تحتاج فعلًا إلى الصيانة أو التجديد، مع الحد من الاضطرابات التشغيلية وتحسين التخطيط للاستثمارات المستقبلية.

كما عرض كريستنسن مثالًا على استخدام نموذج للذكاء الاصطناعي، مدرّب على معيار التكلفة الإجمالية للملكية، لمقارنة جداول مواصفات أنابيب أنظمة رش الحرائق في الجامعة. وقد ساعد هذا الاستخدام على تبرير اختيار مواصفات تتجاوز الحد الأدنى الذي تفرضه الأكواد.

وتعكس هذه التجربة إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم القرارات الفنية والمالية، عندما يُدمج ضمن منهجية واضحة وتستند مخرجاته إلى معايير وبيانات موثوقة.

وفي المقابل، شدد كريستنسن على ضرورة تقييم كل تطبيق تقني وفقًا للقيمة التي يضيفها، معتبرًا أن التكنولوجيا ينبغي أن تكون عاملًا لتسريع تحقيق الأهداف، لا بديلًا عن الاستراتيجية. كما أكد أهمية ربط استخدامها برسالة المؤسسة واحتياجاتها الفعلية، مع اعتماد نهج حذر في تجربة نماذج اللغة الكبيرة والذكاء الاصطناعي الوكيل، والالتزام بالضوابط المؤسسية.

جامعة ولاية بنسلفانيا: التوأم الرقمي من أجل حرم جامعي أكثر كفاءة

من جانبه، استعرض جون ميسنر تجربة جامعة ولاية بنسلفانيا (Penn State) في تطوير توأم رقمي للحرم الجامعي، يستهدف تحسين التكامل بين البيانات التشغيلية والمكانية والبيانات المتعلقة بالمرافق.

وأوضح أن الجامعة تعمل على تطوير نموذج قابل للتوسع، يستند إلى ممارسات راسخة في تنفيذ نمذجة معلومات البناء، ويهدف إلى دمج بيانات منظمة وآمنة من أنظمة متعددة لدعم التشغيل والبحث والتجريب.

ولا تقوم هذه المقاربة على جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، بل على تحديد حالات الاستخدام أولًا، ثم دمج البيانات الضرورية لتحقيق أهداف محددة، مثل تحسين استهلاك الطاقة أو رفع كفاءة استخدام المساحات.

ويتطلب ذلك وضع متطلبات دقيقة للمعلومات، وتحديد نماذج الأمن، وضمان أن تكون البيانات المتكاملة موثوقة وقابلة للاستخدام في اتخاذ القرارات. كما يتيح هذا النهج تطوير التوأم الرقمي تدريجيًا وفقًا لأولويات المؤسسة، بدلًا من الاستثمار في نماذج شديدة التعقيد دون أهداف تشغيلية واضحة.

وتؤكد تجربة الجامعة أن نجاح التوأم الرقمي لا يقاس بحجم البيانات أو مستوى التفاصيل الهندسية وحدهما، بل بقدرته على تقديم معلومات مفيدة وموثوقة تدعم إدارة المنشآت وتحسين أدائها.

التكامل بين البيانات والمعايير والتعاون المهني

ناقشت الجلسة كذلك التحديات المرتبطة باختلاف مستويات النضج الرقمي بين المؤسسات، وممارسات تسليم المشاريع، وتطور متطلبات المعلومات خلال دورة حياة المباني.

واتفق المشاركون على أن النماذج الرقمية الفعالة يجب أن تتناسب مع حالات الاستخدام الفعلية، وأن تعتمد على بيانات آنية وموثوقة. فالتفاصيل التقنية الإضافية لا تمثل قيمة في حد ذاتها إذا لم تسهم في تحسين القرارات أو دعم العمليات التشغيلية.

كما تناول النقاش قضايا التقييم المستمر لحالة الأصول، وتكامل البيانات، والأمن المعلوماتي، وتعريف الأصول، وإمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الأشكال الهندسية. وأظهرت هذه الموضوعات أن تطبيق التقنيات الرقمية في البيئة المبنية يتطلب تنسيقًا مستمرًا بين المُلّاك والمصممين والمهندسين ومديري المرافق ومطوري الحلول التقنية.

وفي هذا الإطار، برزت أهمية تبادل الخبرات وأفضل الممارسات من خلال منظمات مهنية، مثل APPA وشبكة قيادة الأصول، إلى جانب هيئات المعايير والمبادرات المرتبطة بمجالس المباني الخضراء وأعمال الأمم المتحدة في مجال إدارة الأصول.

ويشكل هذا التعاون فرصة لتطوير ممارسات مشتركة، وتحسين جودة المعلومات، وتعزيز الثقة في الحلول الرقمية، بما يساعد على توسيع نطاق تطبيقها داخل المؤسسات.

نحو إدارة أكثر استدامة للمباني

تتجاوز أهمية هذه التحولات حدود تحسين الأداء التشغيلي، لتشمل إمكانات أوسع في مجال الاستدامة. فالإدارة القائمة على البيانات يمكن أن تساعد على تحسين استهلاك الطاقة، وتحديد احتياجات الصيانة في الوقت المناسب، وتقليل الهدر، وإطالة العمر التشغيلي للأصول.

كما أن الجمع بين نمذجة معلومات البناء والذكاء الاصطناعي والتوأم الرقمي يتيح للمؤسسات تطوير رؤية أكثر شمولًا لأداء منشآتها، ودعم القرارات المتعلقة بالصيانة والتجديد والاستثمار على أساس معلومات أكثر دقة.

ومع ذلك، فإن تحقيق هذه النتائج يظل مشروطًا بتحديد أهداف قابلة للقياس، وتوفير بيانات موثوقة، وتطوير الكفاءات اللازمة، وضمان أن تخدم التكنولوجيا الاحتياجات الفعلية للمؤسسة ومستخدمي المباني.

خاتمة: التكنولوجيا وحدها لا تصنع التحول

خلصت الجلسة إلى أن مستقبل إدارة المباني في عصر الذكاء الاصطناعي لن يتحدد بمدى سرعة تبني التقنيات الجديدة، بل بقدرة المؤسسات على توظيفها ضمن استراتيجيات واضحة وأطر فعالة للحوكمة وإدارة الأصول.

وتقدم تجربتا جامعتي برينستون وولاية بنسلفانيا مثالين على أهمية ربط الابتكار باحتياجات واقعية، سواء من خلال الصيانة الاستباقية والتقييم المستمر للأصول، أو عبر تطوير توأم رقمي يدعم إدارة الحرم الجامعي.

وفي قطاع يتجه نحو خفض الأثر البيئي وتحسين كفاءة الموارد، يمكن لهذه المقاربات أن تسهم في بناء منشآت أكثر كفاءة ومرونة واستدامة، شريطة ألا يُنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها غاية مستقلة.

فالتحول الحقيقي يبدأ من قيادة تحدد الأولويات، وبيانات يمكن الوثوق بها، وحوكمة تضمن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا؛ وعندها فقط يتحول الذكاء الاصطناعي من إمكان تقني إلى قيمة ملموسة في إدارة المباني وتحقيق الاستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى