سليديرمقالات

سلّ الزيتون في تونس..معركة تبدأ من جرح في غصن

سوسن العويني- كوسموس ميديا 

في ضيعة بمنطقة الوردانين من ولاية المنستير، يتوقف حسام عبد العزيز عن تفقد أشجار الزيتون عند غصن لم يعد يشبه بقية الأغصان. نتوءات خشنة تتجمع على سطحه، وعلامات لا يعرف إن كانت تستدعي كل هذا القلق.

يعرف حسام أشجاره واحدة واحدة. يتابع نموها، وينتظر موسمها، ويحسب ما قد تمنحه له بعد أشهر من العمل. لكنّه لا يعرف كيف يتعامل مع هذه العقد التي ظهرت على بعضها: هل يقطع الغصن المصاب؟ هل ينتظر خبيرا يعاين الشجرة؟ وهل تقتصر العلامات على الأشجار التي لاحظها، أم أنّ الإصابة قد تكون امتدت إلى غيرها من دون أن ينتبه؟

“أخشى أن أتركها فتنتشر الإصابة، وأخشى أيضا أن أتدخل بطريقة خاطئة. ومع ذلك، ارتأيت التحرك بسرعة، فما يروج من أخبار عن آفة بدأت تتفشى رويدا رويدا في غراسات الزيتون أقضّ مضجعي ودفعني إلى التصرف.

بالنسبة إلى حسام، لا يمثل الزيتون محصول موسم واحد فحسب، بل أشجارا تتطلب سنوات من الرعاية، ومصدر رزق ينتظر أن يعود إليه في موسم الجني. لذلك، فإنّ ظهور علامات غير مألوفة على الأغصان يكفي لإثارة مخاوفه، حتى قبل أن تتضح حقيقة ما قد تسببه من أضرار.

و أمام هذا القلق، لم ينتظر حسام طويلا. فقد بادر إلى اتخاذ إجراءات استند فيها إلى ما اطلع عليه من مقالات علمية وتوصيات متاحة، شملت إزالة النتوءات من الأغصان المصابة، ونقل الأجزاء التي أزالها إلى مكان بعيد وحرقها، ثم تعقيم المعدات قبل إعادة استعمالها، تفاديا لاحتمال نقل العدوى إلى بقية الأشجار.

لكن هذه الخطوات، التي اتخذها حسام باجتهاد شخصي، تطرح بدورها سؤالا بشأن مدى توفر الإرشاد الفني للفلاحين، وقدرتهم على التمييز بين الإجراءات المناسبة لكل إصابة والممارسات التي قد تتطلب إشرافا مختصا.

حسام، في هذه الحكاية، ليس وحده. فقد أثار الإعلان عن رصد إصابات بمرض سلّ الزيتون في عدد من المناطق التونسية، مخاوف بشأن صحة الغراسات وإمكان انعكاس المرض على موسم 2026–2027. 

مرض قد يسبق أعراضه.. ما الذي لا تراه العين؟

لا تعني العقد التي تظهر على أغصان الزيتون بالضرورة أنّ الشجرة محكوم عليها بالتراجع أو الموت، لكنها قد تكون علامة على مرض بكتيري يُعرف بسلّ الزيتون، تسببه بكتيريا Pseudomonas savastanoi pv. savastanoi.

تتشكّل هذه العقد تدريجيا على الأغصان والفروع، وقد تظهر على الجذوع أيضا. وفي الإصابات الشديدة، يمكن أن تضعف الفروع، وتيبس أطرافها، وتتراجع حيوية الشجرة. غير أنّ أثر المرض يختلف بحسب ظروف الإصابة وشدتها وحالة الغراسة، ولا يمكن استنتاج حجم الضرر من شكل العقد وحده.

وفي هذا الصدد، يوضح الخبير البيئي مهدي العبدلي، في تصريح لـ”كوسموس”، أن من أبرز علامات سلّ الزيتون ظهور انتفاخات وعقد خشبية على الأغصان أو الجذوع، تبدأ صغيرة ثم تتضخم تدريجيا وتصبح أكثر خشونة، وقد تترافق في الحالات الشديدة مع جفاف بعض الأغصان وضعف نموها وتراجع مردودية الشجرة.

غير أنه يشدد على أن “ليس كل انتفاخ في شجرة الزيتون دليلا على سلّ الزيتون”، موضحا أن التشخيص النهائي يستوجب فحصا من مختص، خاصة عندما تكون الأعراض غير واضحة.

ومن جانبها، توضح الباحثة إيمان المانسي، المختصة في بكتريولوجيا النباتات بالمعهد العالي للعلوم الفلاحية بشط مريم، في منشور لها على فيسبوك، أنّ المرض موجود في معظم المناطق التونسية المنتجة للزيتون منذ عقود، وأنّه لا يتسبب عادة بأضرار كبيرة في الظروف العادية، لكنه قد يكون أشد تأثيرا في الغراسات الحديثة والشتلات الصغيرة، وقد يؤدي أحيانا إلى موت الغراسات الحديثة.

و تفسّر الدراسات العلمية جانبا من هذه المفارقة: فوجود البكتيريا لا يتطابق دائما مع ظهور الأعراض التي يستطيع الفلاح ملاحظتها. وقد تابعت دراسة منشورة عام 2010، ومفهرسة في قاعدة AGRIS التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو”، انتشار البكتيريا داخل بستان زيتون على مدى أربع سنوات. وأظهرت انتقالها من أشجار مصابة إلى أشجار أخرى، مع تأخر ظهور أعراض المرض لدى بعض الأشجار التي لم تكن مصابة في بداية المتابعة.

لا تثبت هذه الدراسة أنّ الأشجار المحيطة بضيعة حسام عبد العزيز مصابة، ولا تسمح بتقدير مدى انتشار المرض في الوردانين أو ملولش. لكنها توضّح لماذا لا ينبغي أن تقتصر المعاينة على الأغصان التي ظهرت عليها العقد، ولماذا تكتسب المتابعة الفنية أهمية حتى عندما لا تبدو الأعراض واضحة على جميع الأشجار.

و بالنسبة إلى حسام، لم تكن معرفة اسم المرض كافية لطمأنته، بل دفعته المخاوف من انتقال العدوى إلى البحث بنفسه عن إجراءات يمكن تطبيقها. غير أن التعامل مع الأعراض الظاهرة لا يغني عن التشخيص الفني الذي يحدد طبيعة الإصابة وشدتها، وما إذا كانت بقية الأشجار تحتاج إلى معاينة أو تدخل وقائي.

جرح صغير.. وطريق محتمل لانتقال العدوى

في ضيعة أخرى بملولش من ولاية المهدية، يتذكر سامي أنّ الأشجار لم تكن تبدو له مختلفة في بداية الموسم. لم ينتبه إلى العقد إلا عندما صار شكل بعض الأغصان لافتا. وهو لا يجزم متى بدأت الإصابة، ولا يعرف إن كان قد لاحظها متأخرا أم أنّ الأعراض لم تكن واضحة من قبل.

“نحن نمرّ بين الأشجار كل يوم، لكننا لا نعرف دائما ما الذي ينبغي أن نبحث عنه. قد نرى غصنا مختلفا ونواصل العمل، لأننا لا نتصور أنّ الأمر يمكن أن يكون مرضا يحتاج إلى تدخل خاص”.

هذه الحيرة ليست تفصيلا ثانويا. فالبكتيريا المسببة لسلّ الزيتون يمكن أن توجد على سطح الأوراق والأفرع دون أعراض ظاهرة، ثم تدخل إلى أنسجة الشجرة عبر الجروح. وقد تساعد الأمطار والرطوبة، والجروح التي يسببها البَرَد أو التقليم أو الجني، على حدوث العدوى وانتشارها.

و هنا، يوضح مهدي العبدلي أن الأمطار والرطوبة قد تساعدان على انتشار البكتيريا على سطح النباتات، خاصة عندما تتوفر منافذ لدخولها إلى الأنسجة، غير أن العوامل المساعدة لا تقتصر على الظروف المناخية، إذ يمكن للأدوات الزراعية الملوثة أن تسهم بدورها في نقل العدوى بين الأشجار.

و يشرح أن استخدام أداة تقليم على شجرة مصابة ثم استعمالها على شجرة سليمة دون تنظيفها وتطهيرها قد يؤدي إلى انتقال البكتيريا، مشيرا إلى أن الأغصان المصابة تمثل مصدرا للعدوى التي يمكن أن تنتقل إلى أشجار أخرى.

و توضح دراسة منشورة عام 2018 في مجلة “Plant Disease” أنّ قابلية الزيتون للإصابة قد تختلف باختلاف الصنف وموضع الجرح. كما أظهرت التجارب التي أجراها الباحثون انخفاض قابلية الجروح المدروسة للإصابة بعد مرور عشرة أيام أو أكثر على حدوثها.

و لا تعني هذه النتيجة أنّ على الفلاح التونسي انتظار عشرة أيام قبل التدخل، أو أنّ المدة نفسها تنطبق على جميع أصناف الزيتون والظروف المناخية، لكنها تبرز أهمية توقيت العمليات الزراعية والحد من الجروح واتباع الإرشادات الفنية بشأن التقليم والجني والوقاية.

و يؤكد محدثنا، الخبير البيئي مهدي العبدلي، أن قابلية الإصابة تختلف أيضا بحسب أصناف الزيتون والمناخ والممارسات الزراعية المتبعة، معتبرا أن المشكلة لا تتعلق بوجود البكتيريا وحده، وإنما بالتفاعل بين العامل الممرض وحالة الشجرة والظروف المحيطة بها وطريقة إدارة الغراسة.

و لا يعني ذلك أنّ كل فلاح لم ينتبه إلى الأعراض مسؤول عن انتشار المرض، فالتشخيص ليس دائما سهلا، وقد لا تكون العلامات واضحة في بدايتها، لكنه يعني أن الوقاية تبدأ من معرفة ما يجب مراقبته، ومن توفير إرشادات عملية تصل إلى الفلاح والعامل الذي يمسك أداة التقليم أو الجني.

من بستان إلى آخر.. لماذا لا تتشابه الإصابات؟

لتقدير خطورة سلّ الزيتون، لا تكفي معرفة أنّه موجود في منطقة ما، فمدى انتشاره وشدة أعراضه قد يختلفان من بستان إلى آخر، تبعا لظروف الطقس وحالة الأشجار وممارسات التقليم والجني.

و في هذا الصدد، يشير مهدي العبدلي إلى أن قابلية أشجار الزيتون للإصابة تختلف بحسب الأصناف والظروف المحلية، وأن شدة المرض لا تتحدد بوجود البكتيريا وحده، وإنما بتفاعلها مع حالة الشجرة والمناخ وطريقة إدارة الغراسة.

و من هنا تبرز أهمية البحث في الأصناف المحلية ومدى قابليتها للإصابة،  ومقارنة شدة المرض بين المناطق، بدل الاكتفاء بتعميم النتائج المستخلصة من بساتين أو أصناف أخرى، وفق ما يراه محدثنا.

التغيرات المناخية وسلّ الزيتون.. علاقة تحتاج إلى إثبات

مع تزايد الحديث عن التقلبات المناخية في تونس، يبرز سؤال بشأن دورها المحتمل في انتشار سلّ الزيتون، خصوصا أن الأمطار والرطوبة والظروف الحرارية تؤثر في فرص انتقال البكتيريا وحدوث العدوى.

لكن الربط بين التغيرات المناخية وارتفاع الإصابات ليس بالبساطة التي قد تبدو عليها العلاقة بين الأمطار والأمراض النباتية.

و يشدد مهدي العبدلي، في تصريحه لنا، على ضرورة الالتزام بالدقة العلمية عند تناول هذه المسألة، موضحا أن الأدلة العلمية تثبت تأثير الأمطار والرطوبة والظروف الحرارية في المرض، لكنها لا تسمح باعتبار التغيرات المناخية السبب الوحيد أو المباشر لانتشاره.

و يفسر أن الفترات المعتدلة والممطرة تكون عادة أكثر ملاءمة للإصابة من الفترات الجافة والحارة، خاصة عندما تتزامن الأمطار مع وجود جروح حديثة في الأشجار.

أما ارتفاع درجات الحرارة والجفاف، فلا يعنيان بالضرورة زيادة انتشار المرض، رغم أن الإجهاد المائي قد يؤثر في حيوية الأشجار وقدرتها على تحمل الضغوط البيئية.

و يرى العبدلي أن التحدي المناخي في تونس لا يتعلق بالمعدل السنوي للأمطار فحسب، بل بتغير توقيتها وتوزيعها، وما قد يترتب على ذلك من تزامن الفترات الممطرة مع عمليات زراعية تترك جروحًا في الأشجار.

فإذا جرى تقليم أشجار الزيتون خلال فترة ممطرة أو قبلها مباشرة، قد تتوفر ظروف مناسبة لدخول البكتيريا وانتشارها، نتيجة اجتماع الجروح الحديثة والرطوبة.

و في هذا السياق، يؤكد العبدلي أنه “لا يمكننا القول إن التغيرات المناخية تسببت في زيادة المرض في تونس” دون مقارنة بيانات الإصابة عبر سنوات بمعطيات الأمطار والحرارة والرطوبة ومواعيد التقليم، مع مراعاة اختلاف الأصناف والممارسات الزراعية.

و يستحضر دراسة علمية منشورة عام 2009 تناولت التنوع الوراثي لسلالات من البكتيريا المسببة للمرض، شملت سلالات معزولة من تونس وقورنت بسلالات من بلدان أخرى.

و يشير إلى أن هذه الدراسة تؤكد أن العامل الممرض موجود في تونس وخضع للبحث العلمي، لكنها لا تثبت أن أي ارتفاع حديث في الإصابات يعود إلى المناخ وحده.

و بذلك، لا تكمن أهمية المعطيات المناخية في البحث عن تفسير وحيد لظهور المرض، وإنما في استخدامها إلى جانب البيانات الميدانية لفهم الظروف التي تساعد على العدوى وتحديد الفترات والمناطق التي تستوجب مراقبة أكبر.

أكثر من 80 ألف أصل ضمن التدخلات المعلنة.. لكن كم منها مصاب؟

في مواجهة المخاوف المتزايدة، أعلنت وزارة الفلاحة، في بلاغ لها، عن تدخلات عاجلة لمعاينة المستغلات المتضررة وتحديد حجم الإصابة وفق معايير علمية. وتشمل الإجراءات تطويق البؤر المصابة، وتقليم الأصول شديدة الإصابة، والتخلص من حطب التقليم المصاب بالحرق الآمن في المكان، إلى جانب المداواة الوقائية للأصول في المنطقة.

كما أُعلن عن إحداث فرق فنية جهوية في الولايات المنتجة للزيتون، بهدف دعم الاستكشاف والتقصي المبكر.

و في المهدية، تحدث رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري صالح شرف الدين عن تدخل يشمل مداواة أكثر من 80 ألف أصل زيتون في ملولش، مع تخصيص 250 ألف دينار للمكافحة في منطقتي العيثة وهنشير الشط.

أما عضو النقابة التونسية للزياتين عبد الله الصحراوي، فقد حذّر من إصابات في مساحات من غراسات الزيتون في المهدية وصفاقس. ووصف رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بالقيروان المولدي الرمضاني الإصابات في ملولش بغير المسبوقة، مشيرا إلى احتمال تأثيرها في نمو الأغصان وصعوبة الجني.

هذه التحذيرات والتدخلات تطرح سؤالا أساسيا: ما حجم الإصابة الذي كشفته المعاينات حتى الآن؟ فعدد الأصول التي يشملها التدخل لا يساوي بالضرورة عدد الأصول التي تأكدت إصابتها. 

والحديث عن تأثير محتمل في موسم 2026–2027 لا يكفي لتقدير الخسائر الاقتصادية، ما لم تتوفر بيانات بشأن حجم الإنتاج المتوقع في المناطق المتضررة، ومدى تأثر الأشجار المصابة وقدرتها على مواصلة النمو والإثمار.

و هنا يؤكد مهدي العبدلي أهمية هذه المؤشرات في تقييم الوضع، مشددا على ضرورة معرفة نسب الإصابة وتوزيعها الجغرافي وتطورها السنوي، وسرعة التدخل ومدى وصول الإرشاد الزراعي إلى الفلاحين. فمن دون هذه المعطيات، يصعب تحديد ما إذا كانت التدخلات قد نجحت في احتواء البؤر المصابة، أو ما إذا كانت هناك حاجة إلى توسيع عمليات المراقبة والمكافحة.

و بالنسبة إلى حسام عبد العزيز، الذي دفعه القلق إلى اتخاذ إجراءات بنفسه، تبدو الأرقام المتعلقة بنطاق التدخلات بعيدة عن الأسئلة التي يواجهها داخل ضيعته. فما يحتاج إليه ليس معرفة عدد الأشجار التي ستشملها المداواة في مناطق أخرى فحسب، بل التأكد من طبيعة الإصابة التي لاحظها، ومدى ملاءمة الخطوات التي اتخذها، وما إذا كانت أشجاره تحتاج إلى متابعة فنية إضافية.

حين تصبح الوقاية عبئا إضافيا على الفلاح

في موسم الزيتون، لا تنتهي المصاريف عند العناية المعتادة بالأشجار. فإذا تطلبت الإصابة تقليما إضافيا أو الاستعانة بمختص أو استخدام مستحضرات مرخّصة، فقد يجد الفلاح نفسه أمام نفقات جديدة، تتفاوت بحسب حجم الضيعة وشدة الإصابة والإجراءات المطلوبة.

وهنا يظهر وجه آخر للمشكلة. فالفلاح لا يحتاج إلى معرفة ما إذا كان المرض موجودًا فحسب؛ يحتاج أيضا إلى معرفة ما إذا كان التدخل ضروريا، وما الطريقة الصحيحة لتنفيذه، وما كلفته، وهل تتوفر له المساعدة الفنية اللازمة.

يتابع منصف أشجاره ويفكر في موسم الجني، لكنه لا يريد شراء مستحضرات أو إزالة أغصان قبل أن يعرف ما الذي توصي به الجهات المختصة.

“إذا طلبوا منا التدخل، سنفعل ما نستطيع. لكننا نحتاج إلى من يوضح لنا ما يجب فعله بالضبط. لا يمكن أن نشتري كل شيء أو نقصّ الأغصان من تلقاء أنفسنا، ثم نكتشف أنّنا لم نتبع الطريقة الصحيحة”.

و هنا تبرز أهمية الإرشاد الزراعي، خصوصا عندما يتطلب التعامل مع المرض إجراءات تختلف بحسب شدة الإصابة وظروف كل ضيعة، وهو ما يشاطره فيه الرأي الفلاح حسام الذي تذمر مما اعتبرها “لامبالاة” السلطات في التعاطي مع هذه الآفة، حسب تقديره.

يلفت الخبير البيئي مهدي العبدلي إلى أن الفلاحين في تونس لا يمتلكون الإمكانيات المالية والمادية نفسها، وأن صغار المنتجين ومتوسطيهم قد يواجهون صعوبات أكبر في توفير التجهيزات والخدمات الضرورية للوقاية.

و يعتبر أن الفلاح الذي تتوفر له خدمات الإرشاد والتشخيص والتجهيزات المناسبة يكون أقدر على التعامل مع الإصابة والحد من انتشارها.

و من هنا، يشدد على أهمية تنظيم دورات تدريبية مستمرة لفائدة الفلاحين والعمال الزراعيين، وتوفير إرشادات عملية تساعدهم على التعرف إلى العلامات المبكرة للمرض والتصرف بطريقة صحيحة عند الاشتباه في الإصابة.

و لا تقتصر أهمية هذه الإجراءات على حماية الأشجار، بل تمتد إلى الحد من النفقات التي قد تنجم عن التدخل المتأخر. فكلما اتسعت الإصابة، قد تصبح عمليات المكافحة أكثر تعقيدًا وكلفة، خاصة إذا استدعت إزالة أجزاء كبيرة من الأشجار أو تكرار التدخلات.

كما أنّ أثر أي تراجع محتمل في إنتاج الزيتون قد يتجاوز صاحب الضيعة. فموسم الجني يوفر عملا موسميا لعدد من العمال، ويرتبط بالنقل والمعاصر وبقية مراحل الإنتاج. وإذا انعكست الإصابة على المحصول، فقد تمتد التداعيات إلى هذه الحلقات أيضًا، بحسب حجم الضرر ومدته.

لكن ذلك يظل احتمالا يحتاج إلى التثبت، لا خسارة يمكن الجزم بوقوعها في الوقت الحالي. ولهذا يصبح قياس الأثر الفعلي للمرض مهمًا بقدر أهمية احتواء الإصابة نفسها.

هل توجد حلول أخرى؟ وما الذي تقوله الأبحاث؟

لا يعني البحث عن وسائل لمكافحة المرض أنّ العلم توصل إلى حلّ نهائي له. فقد اختبرت دراسة منشورة عام 2020 في مجلة Frontiers in Microbiology إمكانات بعض البكتيريا النافعة في الحد من البكتيريا المسببة لسلّ الزيتون.

و أظهرت نتائج لبعض العزلات في التجارب المخبرية وعلى نباتات الزيتون، لكنها لا تثبت وجود علاج بيولوجي جاهز يمكن تعميمه على الضيعات التونسية. لذلك، يظلّ التعامل مع المرض قائما على التشخيص والمتابعة والحد من فرص انتشار العدوى، إلى جانب استخدام الوسائل المرخّصة التي توصي بها الجهات الفنية.

و في هذا الإطار، يدعو مهدي العبدلي إلى تطوير البحث التطبيقي المتعلق بسلّ الزيتون، وخاصة دراسة قابلية الأصناف المحلية للإصابة، ومتابعة تطور البكتيريا، وتقييم نجاعة وسائل المكافحة في الظروف المناخية والزراعية التونسية.

كما يشدد على ضرورة تحسين جودة المشاتل ومراقبة الشتلات، باعتبارها من العناصر المهمة في الوقاية من انتقال الأمراض إلى غراسات جديدة.

هل نتحرك بعد ظهور المرض أم قبل ذلك؟

بالنسبة إلى الخبير البيئي مهدي العبدلي، لا ينبغي النظر إلى سلّ الزيتون باعتباره مشكلة صحية تصيب الأشجار فحسب، بل بوصفه ظاهرة تطرح أسئلة أوسع بشأن قدرة المنظومة الفلاحية التونسية على توقع المخاطر والتعامل معها قبل تفاقمها.

و يقول العبدلي، في تصريحه، إن المرض قد يكون “إنذارا بوجود هشاشة في منظومتنا الزراعية”، لكنه يشدد على أنه ليس دليلًا كافيًا، بمفرده، على وجود اختلال بيئي شامل.

و يميز في هذا السياق بين ثلاثة مستويات لفهم الظاهرة: المستوى البيولوجي المرتبط بوجود البكتيريا الممرضة، والمستوى المناخي المتعلق بالظروف التي قد تساعد على العدوى، ومستوى الحوكمة الفلاحية الذي يشمل جودة المراقبة الصحية والإرشاد الزراعي وسرعة التشخيص وقدرة الفلاحين على تطبيق إجراءات الوقاية.

ويرى أن هذا المستوى الأخير يكتسب أهمية خاصة، لأن التعامل مع الأمراض النباتية لا يتوقف عند معرفة أسبابها العلمية، وإنما يرتبط أيضا بقدرة المؤسسات على تحويل هذه المعرفة إلى إجراءات عملية تصل إلى الفلاحين في الوقت المناسب.

و من أبرز الإشكاليات التي يطرحها العبدلي ضعف الربط بين المعطيات المناخية ومعلومات الصحة النباتية، رغم أن الجمع بينهما يمكن أن يساعد على تحديد الفترات والمناطق الأكثر عرضة للإصابة وتوجيه حملات المراقبة قبل اتساع البؤر.

فالمعلومات المتعلقة بالأمطار والحرارة والظروف الجوية يمكن أن تصبح أكثر فائدة عندما تُربط ببيانات عن مواقع الأمراض النباتية وشدتها وتطورها، بدل أن تبقى منفصلة عن عمليات المتابعة الميدانية.

و يعتبر العبدلي أن المقاربة الوقائية لا تزال تمثل تحديا مهما، مشيرا إلى أن التدخل بعد انتشار الإصابة يكون عمومًا أصعب وأكثر كلفة من الكشف المبكر والحد من انتقال العدوى.

و في نقده لطريقة التعامل مع المخاطر البيئية والزراعية، يتساءل: “إلى متى سنظل كفرق إطفاء؟”، في إشارة إلى التدخل بعد وقوع الأزمات بدل استباقها.

و يستحضر في هذا السياق تجربة الحشرة القرمزية التي أصابت غراسات التين الشوكي في تونس، محذرا من أن يصبح وجود الأمراض والآفات الزراعية أمرا معتادا، دون تطوير آليات فعالة لرصدها ومواجهتها مبكرا.

غير أنه يرفض الحكم على المنظومة الفلاحية كلها بالفشل دون الاستناد إلى مؤشرات دقيقة، معتبرا أن تقييم أدائها يستوجب معرفة نسب الإصابة وتوزيعها الجغرافي وتطورها السنوي، وسرعة التدخل ومدى وصول خدمات الإرشاد إلى أصحاب الغراسات.

و يقترح العبدلي إنشاء شبكة مراقبة تجمع المصالح الفلاحية ومعاهد البحث والمخابر المختصة والفلاحين، مع تسجيل مواقع الإصابات وشدتها والتحقق مخبريًا من الحالات المشتبه بها.

كما يدعو إلى ربط مراقبة أمراض الزيتون بالبيانات المناخية، وإصدار تنبيهات محلية بعد الفترات الممطرة الملائمة لانتقال العدوى، إلى جانب تنظيم دورات تدريبية للفلاحين والعمال وتحسين الرقابة على المشاتل.

و يشدد أيضا على ضرورة نشر نتائج التدخلات وتقييمها بعد كل موسم، حتى لا تظل الإجراءات مقتصرة على المعاينة والتشخيص دون معرفة مدى نجاحها في الحد من انتشار المرض.

وقد دعت جمعية الإيكولوجيا والتنمية المستدامة، من جهتها، إلى المعاينة العاجلة وتوفير الإرشاد للفلاحين.

و بين الدعوات إلى تطوير منظومة الوقاية والإجراءات الرسمية المعلنة، يبقى التحدي في مدى قدرة المؤسسات المعنية على تحويل المعطيات العلمية إلى تدخلات استباقية، وعلى ضمان وصول الإرشاد والمساعدة الفنية إلى مختلف فئات الفلاحين.

ما الذي يستطيع الفلاح فعله الآن؟

لا توجد وصفة واحدة تصلح لجميع الأشجار المصابة. لكنّ الوقاية تشمل تطهير أدوات التقليم والجني، والحد من إحداث الجروح، وإجراء التقليم في الطقس الجاف، والتخلص السليم من الأجزاء المصابة، واقتناء الشتلات من مشاتل معتمدة.

و يشدد مهدي العبدلي على ضرورة توعية الفلاحين بمخاطر استخدام أدوات ملوثة بين الأشجار، وتدريبهم على التعرف إلى العلامات التي تستوجب طلب معاينة فنية.

أما المستحضرات المرخّصة، بما فيها المستحضرات النحاسية عند التوصية بها، فينبغي استخدامها وفق الإرشادات الفنية وشروط الاستعمال المعتمدة. ولا يُفترض أن تحلّ المداواة وحدها محل التشخيص أو الممارسات الوقائية.

المهم أيضا أن يعرف الفلاح أين يبلّغ عن إصابة مشتبه فيها، وكيف يحصل على معاينة فنية، وما الذي ينبغي أن يتجنبه إلى حين اتضاح الحالة. فالتوعية لا تكون فعالة بمجرد نشر قائمة من التعليمات، بل عندما تصبح هذه التعليمات واضحة وقابلة للتطبيق داخل الضيعة.

و تعيد تجربة حسام عبد العزيز طرح هذه المسألة من زاوية عملية. فقد دفعته المخاوف على أشجاره إلى البحث عن المعلومات واتخاذ إجراءات بنفسه، في حين يظل تحديد مدى ملاءمة هذه الإجراءات مرتبطًا بالتشخيص الفني والتوصيات المعتمدة.

فالمبادرة الفردية قد تعكس حرص الفلاح على حماية غراسته، لكنها لا ينبغي أن تكون بديلا عن منظومة إرشاد ومتابعة تتيح له الحصول على المعلومة الدقيقة قبل التدخل.

من احتواء الإصابة إلى استباق المخاطر

مع استمرار التدخلات المعلنة في ملولش، لا تزال أسئلة أساسية بحاجة إلى إجابات موثقة، في مقدمتها الحجم الفعلي للإصابات، ومدى انتشارها خارج البؤر التي جرى الإعلان عنها، ونتائج المعاينات والمداواة الوقائية.

و في بلد يمثل فيه الزيتون موردا اقتصاديا واجتماعيا مهما، تتجاوز أهمية هذه المعطيات حدود مرض بعينه، لتشمل قدرة المنظومة الفلاحية على حماية الغراسات من المخاطر التي قد تواجهها مستقبلًا. وهنا تبرز المسألة التي يلح عليها مهدي العبدلي: ألا تظل الاستجابة للأمراض والآفات الزراعية محصورة في التدخل بعد ظهورها، وإنما أن تصبح المراقبة والتشخيص المبكر والبحث التطبيقي والإرشاد جزءا مستمرا من السياسات الفلاحية.

فبين أشجار ظهرت عليها علامات الإصابة، وتدخلات تسعى إلى احتواء المرض، وموسم جني ينتظره الفلاحون، لن يكون الاختبار في عدد الأشجار التي شملتها المداواة وحده، بل في القدرة على قياس نتائجها، ومنع تحول البؤر المحدودة إلى خسائر أوسع.

زر الذهاب إلى الأعلى