سليديرمقالات

“الحكاية موش بيدونة”: رحلة نساء القيروان في البحث عن الماء

عرض خاص في معهد الصحافة وعلوم الإخبار

أميرة قيزاني – كوسموس ميديا

عاش معهد الصحافة وعلوم الاخبار بمنوبة مساء الأربعاء 6 مارس 2024، على وقع عرض خاص، نظمه نادي “Cosmos Media/IPSI”، لفيلم وثائقي قصير بعنوان “الحكاية موش بيدونة” من إنتاج المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية فرع القيروان، وذلك في إطار جملة من التظاهرات ينظمها المنتدى إحياءََ لليوم العالمي للمياه.

وتدور أحداث “الحكاية موش بيدونة” الذي تم تصويره في سنة 2018، حول معضلة العطش بالمناطق الريفية (القيروان مثالا) مسلطة الضوء على معاناة نساء المناطق الداخلية في رحلتهن من أجل البحث عن الماء. ويتنزل هذا الفيلم ضمن فعاليات “اليوم العالمي للمياه”.

رحلة معاناة

وويوثق الفيلم طيلة 25 دقيقة كيف يواجه العديد من السكان في مناطق مثل “الذهيبات” صعوبات في الوصول إلى المياه النظيفة، مما يؤثر بشكل خاص على النساء اللاتي يتحملن عادة مسؤولية جلب المياه للاستخدام اليومي في المنزل، إذ يجب عليهن التنقل لمسافات طويلة للوصول إلى مصادر المياه، إلى جانب تخصيص يوم كامل لهذه العملية وهو ما يستنزف من طاقاتهن الكثير.

في هذا الإطار، تحدثت منسقة قسم العدالة البيئية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إيناس لبيض، لكوسموس ميديا، عن الوضع الهيكلي الذي يعمق معاناة السكان في مواجهة أزمة المياه في تونس، مشيرة الى النموذج التنموي الحالي الذي يعتمد على جذب المستثمرين الأجانب ومنحهم امتيازات، وهو ما يؤدي إلى استنزاف الموارد المائية بسرعة أكبر، وفق تقديرها، مضيفة: “هذا النهج ينم عن غياب استراتيجيات تنموية مستدامة تأخذ بعين الاعتبار حقوق المجتمعات المحلية وحماية الموارد الطبيعية”.

نقاش مفتوح

ومع نهاية عرض الوثائقي وفي حلقة دائرية بقاعة عرض الفيلم أثثها الحاضرون بنقاشاتهم، طرحت أيدت إحدى الحاضرات الطرح الذي جاء في الفيلم عن الماء المغيب في مثل هذه المناطق، مستدلة في ذلك بمسقط رأسها جندوبة والتي تحتوي على 14 بالمائة من الموارد المائية الوطنية، لكن سكانها يعانون ويلات العطش.

هو ذات الحال ايضا لمتساكني مناطق الوسط، ففي حين أن الذهيبات من معتمدية العلا من ولاية القيروان والتي بدورها تحتوي على 10 وحدات تعبئة مياه معدنية يتم استخراجها من ذات المنطقة ويقع توزيعه ويعود بأرباح كبيرة للشركة فإن 60 ألفا من سكان القيروان لا يتمتعون بالماء الصالح للشراب من أصل 200.000 متساكنا بالجهة، هي إجابة صاغتها إيناس الأبيض في ردها على تساؤلات الحاضرين.

في خضم هذه المعاناة تشد إحدى الكادحات في سبيل الظفر بالمياه لعائلتها الأنظار، بقولها إن “بلادنا مخصوصة في كل شيء موش كان الماء”، على حد تعبيرها.

ماذا عن مستقبل الأجيال القادمة؟

هي كلمات في باطنها تعبر على الواقع المعيشي الاجتماعي الهش، ولئن لا يعتبر شح المياه سببا مباشرا في الانقطاع المبكر عن الدراسة، لكنه يبقى من ضمن الأسباب الرئيسية، وهو ما يحيلنا للحديث على المدارس العمومية في القيروان ومعاناتها مع الماء إذ أن التلاميذ لم يتمكنوا من ممارسة حقهم في التعليم في ظروف لائقة.

كذلك بالنسبة الى الحق في الصحة، حيث أصبحوا مهددين بالأمراض التي تنجر عن غياب الماء. فقد بلغ عدد المدارس غير المرتبطة بالشبكة الوطنية للماء الصالح للشراب في الجهة لسنتي 2018-2019، 175 مدرسة من مجموع 313 مدرسة.

وبحسب تقرير سابق لمنتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فإن شركات تعبئة المياه المعدنية “تقوم بالضغط على مائدة المياه الجوفية مما يتسبب في تدني منسوبها واضمحلالها تدريجيبا”.

وتتعمق هذه الأزمة بالسوق السوداء التي توزع المياه ذات المصادر المجهولة، والتي لا نعلم إن كانت مطابقة ومحترمة لمعايير الصحة، وان كان في هذا استنزاف للموارد المائية أم لا.

هذا وسلطت إيناس الأبيض الضوء على الجمعيات المائية، إذ أن هذه الجمعيات تم تنصيبها كحلِّ “لكنها اليوم أصبحت كارثة لا سيما وأنها ليست هيكلا عموميا”، إذ “انهم يتمعّشون” على حساب معاناة متساكني الذهيبات، على حد تعبيرها.

الاحتجاجات مستمرة

ويترافق نشاط هذه الوحدات المكثف مع رفض السكان لحل المجامع المائية التي باءت تجربتها بالفشل وتضاعفت مشاكل تسييرها وتراكمت ديونها. ومثل هذه المشاريع تتعارض مع التزامات الدولة بأهداف التنمية المستدامة على الصعيد الدولي ومع ضمان حق الاجيال القادمة في الثروات الطبيعية وخاصة الحق في الماء الذي يكفله الفصل 44 من الدستور التونسي.

هذا الشريط الوثائقي، يعيد إلى الذاكرة  الوضع الكارثي الذي لازم القيروان، المتصدرة للتحركات الاحتجاجية لسنتين على التوالي، 2019 و2020، فهي تحتل المرتبة الأولى في عدد الاحتجاجات للمطالبة بالماء الصالح للشراب، حسب إحصائيات المرصد الاجتماعي التونسي، التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

إن توفير المياه بقدر ما هو حق مكفول بالدستور يشمل كل الفئات على حد السواء، فإنه أيضا السبيل الوحيد لضمان استمرارية الكائنات الحية، فعلى سبيل الذكر لا الحصر أضرت ندرة المياه بولاية القيروان بثروة نباتية يقتات منها الأهالي ألا وهي “التين الشوكي” أو ما يسمى باللهجة التونسية “الهندي”. ثروة تضررت جراء نقص المياه.. ضرر فاقمته التغيرات المناخية، في حين أنه يعتبر مورد رزق للمتساكنين وأعلافا لمواشيهم وحاميا لأراضيهم الفلاحية.

زر الذهاب إلى الأعلى