سليديرمقالات

حين تشتعل الحروب… تحترق الأرض أيضاً

مبروكة خذيركوسموس ميدياتونس

في زمنٍ تتسارع فيه أزمات المناخ وتزداد هشاشة الأنظمة البيئية، لا تعني الحروب فقط خسائر بشرية أو تحولات سياسية، بل تترك أيضاً جروحاً عميقة في جسد الأرض نفسها.

وإذا اندلع صراع عسكري واسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فإن آثاره لن تقتصر على الجغرافيا السياسية للمنطقة، بل ستمتد إلى الهواء والمياه والتربة، وربما إلى توازن المناخ العالمي.

الحرب حين تصيب الطبيعة

اليوم، ومع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، عاد البحر مرة أخرى ليصبح ساحةً خفية للصراع.  ففي مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، توقفت أو تباطأت حركة عشرات السفن وناقلات النفط بسبب الضربات العسكرية والتهديدات باستهداف السفن العابرة. هذا الممر الضيق يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ومع تصاعد التوترات انخفضت حركة السفن بشكل حاد وبقيت مئات الناقلات عالقة في مياه الخليج العربي، بينما ارتفعت تكاليف التأمين البحري والنقل إلى مستويات قياسية.

لكن الكلفة لا تقتصر على الاقتصاد العالمي فقط؛ فالحشد العسكري، وضرب السفن، واحتمال تسرب النفط أو استهداف البنية النفطية البحرية يهدد النظم البيئية الحساسة في الخليج. وهكذا يتحول البحر مرة أخرى إلى ضحية صامتة للحروب: تتوقف السفن، ترتفع المخاطر، وتدفع البيئة البحرية ثمن صراعٍ لا صوت لها فيه.

الحرب الحديثة ليست مجرد مواجهة عسكرية؛ إنها حدث بيئي هائل. الصواريخ، الغارات الجوية، انفجارات الوقود، وحرائق المنشآت الصناعية والنفطية تطلق كميات ضخمة من الغازات السامة والدخان في الغلاف الجوي.
في منطقة مثل الخليج والشرق الأوسط، حيث تتركز منشآت الطاقة والبنية التحتية النفطية، يمكن لأي هجوم على المصافي أو موانئ النفط أن يخلق سحباً كثيفة من التلوث، تشبه ما حدث خلال حرائق آبار النفط في حروب سابقة.

هذه السحب لا تبقى محلية فقط، بل تنتشر عبر الرياح لمسافات طويلة، حاملة معها جسيمات دقيقة وغازات ملوثة تؤثر على جودة الهواء وتزيد من انبعاثات الكربون.

النفط المحترق… قنبلة مناخية

في قلب الشرق الأوسط، حيث تختلط الجغرافيا بالنفط، يكمن أحد أخطر السيناريوهات البيئية التي قد تخلّفها الحروب: استهداف المنشآت النفطية. فحين تشتعل خزانات النفط أو آباره، لا تقتصر الكارثة على ألسنة اللهب المتصاعدة، بل تتحول السماء نفسها إلى مسرح للتلوث. يتصاعد دخان أسود كثيف محمّل بثاني أكسيد الكربون، وتختلط به غازات أخرى أكثر خطورة مثل أكاسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين وجسيمات الكربون الأسود. ومع ارتفاع هذه السحب الملوّثة في الغلاف الجوي، تبدأ آثارها تتجاوز موقع الحريق نفسه؛ فهي تسرّع من وتيرة الاحتباس الحراري وتغيّر في تشكيل السحب وأنماط المناخ الإقليمي. وفي بعض الأحيان، يصبح الدخان كثيفاً إلى درجة تحجب ضوء الشمس عن مساحات واسعة، فيغرق النهار في عتمة رمادية، وتختل دورة الطبيعة، من الحقول الزراعية إلى توازن المناخ المحلي.

توقف السفن في مضيق هرمز يهدد التجارة العالمية والطاقة

البحر أيضاً ضحية

على امتداد المياه الدافئة للخليج المحيط بـإيران، يعيش نظام بيئي دقيق يشبه توازناً هشّاً بين البحر والحياة. هذه المنطقة، التي تبدو هادئة على السطح، تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية بيئياً. لكن في زمن الحروب، قد تتحول هذه المياه في لحظة إلى مسرح كارثة بيئية.

فأي ضربة عسكرية قرب الموانئ أو ناقلات النفط يمكن أن تطلق آلاف الأطنان من النفط إلى البحر. عندها يبدأ مشهد آخر أكثر صمتاً: بقع سوداء تمتد فوق الماء، أسماك تختنق في أعماقها، وشعاب مرجانية كانت نابضة بالحياة تتحول إلى هياكل ميتة مغطاة بالزيت.

ولا يتوقف الأثر عند حدود البحر. فالسواحل قد تبقى ملوثة لسنوات طويلة، والأنظمة البحرية التي احتضنت تنوعاً بيولوجياً غنياً قد تفقد توازنها بالكامل. إنها ليست مجرد خسارة للطبيعة، بل ضربة قاسية أيضاً لملايين البشر الذين ترتبط حياتهم بهذه المياه — صيادون يقتاتون من البحر، ومجتمعات ساحلية تعتمد على السياحة والموارد البحرية للبقاء.

في مثل هذه اللحظات، يصبح البحر نفسه ضحية صامتة للحرب.

ضربة للتنوع البيولوجي

عندما تندلع الحروب، لا تهتز المدن وحدها، بل ترتجف الطبيعة أيضاً. في الغابات والجبال، حيث كانت الحيوانات تتحرك وفق إيقاع الفصول، يقتحم الضجيج العسكري هذا التوازن الهش. دويّ الانفجارات يبدد سكون البراري، فتفرّ الحيوانات مذعورة من مواطنها التي عاشت فيها لأجيال، تاركة وراءها موائل تحولت فجأة إلى ساحات قتال. الأشجار التي كانت ملاذاً للطيور، والسهول التي كانت تعج بالحياة، قد تصبح في لحظات أرضاً محروقة تتناثر فيها بقايا القذائف وآثار النار.

لكن الأثر لا يقف عند حدود الدمار الظاهر. فمع كل انفجار تتسرب مواد كيميائية من الذخائر والوقود إلى التربة والمياه الجوفية، لتنساب ببطء داخل النظام البيئي. هناك، في صمت، تبدأ رحلة تلوث قد تستمر سنوات طويلة، وربما عقوداً، تُضعف النباتات وتسمم الحياة البرية وتغيّر ملامح الطبيعة تدريجياً. وفي بعض الأماكن، تختفي كائنات كانت تعيش منذ قرون، كأنها لم تكن يوماً جزءاً من هذا المشهد الطبيعي.

وفي خلفية هذا الدمار البيئي، تتشكل كلفة أخرى أقل وضوحاً لكنها أشد خطراً: الكلفة المناخية للحروب. فقلّما تُحسب الانبعاثات الكربونية التي تولدها العمليات العسكرية ضمن الحسابات العالمية للمناخ، رغم أن الجيوش الحديثة تعد من أكبر مستهلكي الوقود الأحفوري. الطائرات المقاتلة التي تمزق السماء، والسفن الحربية التي تجوب البحار، والدبابات التي تزحف عبر الصحاري، وسلاسل الإمداد الهائلة التي ترافقها، كلها تلتهم كميات ضخمة من الطاقة.

وهكذا، بينما تُخاض المعارك على الأرض، يتراكم في السماء أثر آخر غير مرئي: المزيد من الغازات الدفيئة التي تدفع الكوكب خطوة إضافية نحو أزمة مناخية تتفاقم يوماً بعد يوم. في النهاية، لا تترك الحرب ندوبها في الخرائط السياسية فقط، بل تترك بصمتها أيضاً في توازن الأرض نفسه.

الأرض التي تدفع الثمن

حين تسكت المدافع وتخفت أصوات الطائرات، لا تعود الأرض كما كانت. يبقى الصمت ثقيلاً فوق الحقول والأنهار، لكن تحت هذا الصمت تختبئ آثار المعركة: تربة مثقلة بالسموم، مياه فقدت نقاءها، ومساحات من الطبيعة تحولت إلى جروح مفتوحة. الغابات التي كانت تعج بالحياة تصبح فراغاً صامتاً، والأنهار التي كانت تنبض بالحركة تحمل آثار التلوث لسنوات طويلة.

في عالم الطبيعة، لا تنتهي الحرب عندما تتوقف المعارك؛ بل تبدأ رحلة بطيئة من التعافي قد تمتد لعقود، إن قُدّر لها أن تلتئم أصلاً.

هكذا تكشف الحروب وجهاً آخر أقل صخباً، لكنه أكثر عمقاً: إنها ليست فقط مواجهة بين دول وجيوش، بل صراع خفي بين الإنسان والأرض التي يعيش عليها. ومع تزايد ندرة الموارد الطبيعية وتفاقم الأزمات البيئية، يصبح الحفاظ على البيئة مسؤولية مشتركة تتجاوز الحدود والسياسات.

فكل حرب جديدة لا تهدد فقط السلام بين الشعوب، بل تضع أيضاً توازن كوكبنا الهش على المحك — ذلك الكوكب الوحيد الذي نتقاسمه جميعاً.

زر الذهاب إلى الأعلى