سليديرمقالات

في المسافة بين انفجارٍ وآخر، لا يُقاس الزمن بالثواني… بل بما يترسب في الهواء

في نشرات الأخبار، تبدو الحرب وكأنها خريطة: أسهم تتحرك، أهداف تُضرب، وتصريحات تُلقى. لكن خارج هذا الإطار البصري الضيق، هناك حربٌ أخرى تدور بصمت—حرب لا تُرى، ولا تُعلن نتائجها، ولا يُحتفى فيها بـ“الانتصارات”. إنها الحرب على الهواء… وعلى الماء… وعلى الأرض نفسها.

في سياق التصعيد العسكري القائم اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تُختزل المواجهة في صواريخ تُطلق، ومنشآت تُستهدف، وردودٍ متبادلة. غير أن الحقيقة الأعمق لا تكمن في مسار الصاروخ، بل فيما يخلّفه بعد أن يصل.

كل انفجار، سواء فوق منشأة عسكرية أو قرب بنية تحتية، يطلق في الجو مزيجًا معقدًا من الغازات السامة والجزيئات الدقيقة والمعادن الثقيلة. هذه المواد لا تبقى حيث سقطت، بل ترتفع وتنتشر، لتدخل في ديناميكية الغلاف الجوي، وتصبح جزءًا من هواءٍ مشترك بين الجميع. ما يحدث فوق سماءٍ بعيدة، ليس بعيدًا فعلًا.

 

في لحظةٍ ما، تتحول الحرب من حدث جغرافي إلى ظاهرة مناخية.

 

العمليات العسكرية—من تحليق الطائرات إلى إطلاق الصواريخ والحرائق الناتجة عن القصف—تُنتج كميات هائلة من الغازات الدفيئة. هذه الانبعاثات لا تُحتسب عادة ضمن الأرقام الرسمية، لكنها تتراكم وتُسرّع اختلال التوازن الحراري للكوكب. الحرب، بهذا المعنى، لا تستهلك الوقود فقط… بل تستهلك ما تبقى من استقرارنا المناخي.

لكن الهواء ليس الضحية الوحيدة.

حين تُستهدف منشآت صناعية أو مواقع طاقة أو بنى تحتية حساسة، يمتد الخطر إلى المياه. تسربات النفط والمواد الكيميائية ومخلفات الاحتراق تجد طريقها إلى الأنهار والبحار، أو تتسرب إلى المياه الجوفية. وفي منطقة مترابطة بيئيًا كحوض المتوسط، لا تبقى هذه التأثيرات محصورة في رقعة واحدة، إذ تعيد التيارات البحرية والهوائية توزيع التلوث في دورة لا تعترف بالسيادة الوطنية.

نحن هنا… جزء من هذه الدائرة.

في تونس، قد يبدو المشهد بعيدًا جغرافيًا، لكن الهواء الذي نستنشقه والبحر الذي يحد سواحلنا كلاهما مفتوح على هذا التأثير. الجزيئات الدقيقة الناتجة عن الانفجارات يمكن أن تنتقل عبر آلاف الكيلومترات، فتؤثر على جودة الهواء حتى في مناطق لم تشهد أي قصف. كما أن أي تلوث بحري واسع النطاق في شرق المتوسط قد يمتد تدريجيًا نحو الغرب، مهددًا النظم البيئية البحرية، بما في ذلك الثروات السمكية التي تعتمد عليها مجتمعات كاملة.

 

الأرض أيضًا… ستتذكر..

التربة في مناطق النزاع تمتص كميات من المواد السامة تبقى لعقود، لا تختفي بل تدخل في السلسلة الغذائية، وتنتقل من جيل إلى جيل. ما يُزرع غدًا في أرضٍ ملوثة سيحمل آثار ما حدث اليوم. الحرب، بهذا المعنى، لا تتوقف عند وقف إطلاق النار، بل تبدأ مرحلة جديدة، أكثر هدوءًا… وأكثر خطورة.

أما الخسارة التي لا تُرى في العناوين، فهي خسارة التنوع البيئي.
الانفجارات والحرائق والتلوث تدمر المواطن الطبيعية، تُهجّر الكائنات، وتُخلّ بتوازنات استغرقت آلاف السنين لتتشكل. في كل مرة يُقصف فيها موقع، لا تُفقد حياة بشرية فقط، بل يُفقد جزء من شبكة الحياة على هذا الكوكب.

ومع ذلك، هناك من يهلل.

يُختزل المشهد في “ضربة ناجحة” أو “رد قوي”، بينما الحقيقة أن كل طرف—مهما كانت شعاراته—يساهم في إنتاج الأثر ذاته: تلويث الهواء، تسميم الماء، وإضعاف قدرة الأرض على التعافي. في هذه الحرب، لا يوجد منتصر بيئي. الجميع يخسر… حتى أولئك الذين يظنون أنفسهم بعيدين.

لأن ما يتصاعد اليوم في سماء الشرق الأوسط
سيكون جزءًا من هواء العالم غدًا.

وما يتسرب اليوم إلى تربةٍ هناك
سيجد طريقه، بشكل أو بآخر، إلى دورة الحياة التي ننتمي إليها جميعًا.

ليس الصوت هو أخطر ما في الحرب، ولا اللهب الذي يلمع للحظة ثم يخبو. الخطر الحقيقي يبدأ حين يختفي كل شيء عن العين، وتبقى الجزيئات معلّقة في السماء، تبحث عن رئةٍ لتستقر فيها، أو قطرة ماءٍ لتذوب فيها، أو ذرة ترابٍ لتسكنها لسنوات طويلة.

نحن لا نرى ذلك… لكننا ندفع ثمنه ببطء.

في الحروب الحديثة، لا تنتهي القصة عند حدود الجبهة. كل صاروخ ينفجر يطلق سحابة معقدة من الغازات والمواد الكيميائية والمعادن الثقيلة—رصاص، زئبق، ومركبات سامة—ترتفع في الغلاف الجوي، ثم تبدأ رحلتها الطويلة عابرةً القارات، متجاهلةً كل الخرائط السياسية. ما يحدث “هناك” لا يبقى هناك.

العلم لا يترك مجالًا للإنكار: العمليات العسكرية مصدر ضخم لانبعاثات الغازات الدفيئة. الطائرات المقاتلة، الدبابات، حرائق الوقود، وتدمير البنية التحتية—كلها تضخ كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون. كأن الحرب لا تقتل البشر فقط، بل تسرّع أيضًا اختناق الكوكب.

الأرض… تحفظ كل شيء.

حين تُقصف، لا تتشقق فقط، بل تُصاب بذاكرة سامة. تتحول التربة إلى مخزن مفتوح للمواد الكيميائية، تمتصها وتعيد تمريرها بهدوء إلى النباتات، ثم إلى الحيوانات… ومن هناك إلينا. إنها سلسلة لا تنقطع، ولا تحتاج إلى ضجيج.

في أماكن كثيرة من العالم، ما تزال الحروب القديمة تعيش تحت الأقدام. فيتنام، على سبيل المثال، لم تنهِ حربها فعليًا؛ فالمواد الكيميائية التي استُخدمت قبل عقود لا تزال تتسلل في التربة والمياه، وتصل إلى أجساد أجيال لم تولد حينها. الحرب، في هذا المعنى، لا تنتهي… بل تتحول.

أما الماء، فهو الضحية الأكثر هشاشة..
حين تُقصف منشأة صناعية أو تتضرر شبكة صرف، تبدأ السموم رحلتها إلى الأنهار ثم إلى المياه الجوفية، حيث تستقر لسنوات وربما لعقود، قبل أن تعود في كأس ماء، أو حبة خضار، أو جسد إنسان. الماء لا يصرخ… لكنه يختزن كل شيء.

وفي السماء، تستمر المعركة بشكلٍ آخر. الجزيئات الدقيقة الناتجة عن الانفجارات تنتقل عبر الرياح لمسافات شاسعة، تؤثر على جودة الهواء وتساهم في تسريع التغير المناخي. لا أحد بمنأى.

ثم هناك الخسارة التي لا تُحصى بالأرقام: التنوع البيئي.
الغابات التي تحترق، الحيوانات التي تفر، والأنظمة البيئية التي تنهار بصمت. كل قذيفة لا تُحدث حفرة في الأرض فقط، بل تفتح فجوة في توازن الطبيعة—فجوة قد لا تُغلق أبدًا.

ومع ذلك… هناك من يهلل.
ينسون أن الهواء لا يعرف “عدوًا” و”صديقًا”، وأن الغازات السامة لا تتوقف عند الحدود. ما يتصاعد هناك… سنستنشق بعضه هنا. وما يتسرب هناك… سيجد طريقه يومًا ما إلينا.

الحرب لم تعد حدثًا محليًا… بل ظاهرة كوكبية.

الخطر الحقيقي ليس في لحظة الانفجار، بل فيما بعدها:
في التربة التي تفقد خصوبتها تدريجيًا، في المياه التي تصبح أقل أمانًا، في الهواء الذي يحمل آثارًا لا تُرى،
وفي مناخ يزداد اضطرابًا عامًا بعد عام.

هذه ليست آثارًا جانبية
إنها جوهر الحكاية.

ربما آن الأوان أن نعيد تعريف الضحية:
ليست فقط تلك التي تُحصى في نشرات الأخبار بل أيضًا الأرض التي تتلوث، والماء الذي يمرض، والهواء الذي يختنق،
والكوكب الذي يدفع، بصمتٍ ثقيل، كلفة صراعات لا يختارها.

في النهاية، لا أحد ينتصر في حربٍ تُلوّث الجميع.

ماذا لو لم تعد هذه الحرب، بكل ما تحمله من نارٍ ودخان، سوى تمهيدٍ لما هو أعظم فداحة؟ ماذا لو انزلقت البشرية—مرة أخرى—إلى حافة الجنون، حيث لا تبقى المعارك محدودة، ولا الخرائط قادرة على احتواء الكارثة؟ كيف سيكون حال الأرض إن تحولت هذه المواجهات إلى حربٍ نووية، حيث لا يُقاس الدمار بعدد الضحايا فقط، بل بانطفاء مدنٍ بأكملها، وبسماءٍ يثقلها الرماد، وبمستقبلٍ يُمحى قبل أن يُكتب؟ أيمكن للعقل الإنساني أن يستوعب لحظةً يصبح فيها الهواء نفسه خطرًا، والماء موضع شك، والأرض ذاكرةً مشبعةً بالموت؟ أم أننا، في غمرة هذا التصعيد، نسير—بصمتٍ ثقيل—نحو سؤالٍ لا نملك ترف الإجابة عنه؟

ربما آن الأوان أن لا نكتفي برصد أصداء الانفجارات… بل أن نرفع الصوت عاليًا لإيقاف نزيف الحرب، قبل أن يصبح الصمت هو ما يتبقى لنا جميعًا.

زر الذهاب إلى الأعلى