Slidersمقالات

الانتقال الطاقي في تونس… حين يقود الإعلام الطريق

وكالة تونس إفريقيا للأنباء نموذجا

فتحية خذير –كوسموس ميديا 

في خطوة تعكس تحوّلًا نوعيًا في علاقة الإعلام بقضايا الطاقة والمناخ، احتضن مقر وكالة تونس إفريقيا للأنباء بالعاصمة لقاءً إعلاميًا خُصّص لمناقشة “دور الإعلام في دعم الانتقال الطاقي”، وذلك بالتوازي مع تدشين محطة فولطاضوئية جديدة داخل المؤسسة، في تجربة تُعدّ الأولى من نوعها في القطاع الإعلامي العمومي في تونس.

ولم يقتصر هذا الحدث على كونه مناسبة تواصلية، بل مثّل تجسيدًا عمليًا لانخراط المؤسسات الإعلامية في مسار التحول الطاقي، عبر تبنّي حلول مستدامة تُسهم في تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، والحد من التكاليف والانبعاثات. وقد أُنجز هذا المشروع بالشراكة مع الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، في إطار توجّه وطني متصاعد نحو دعم الإنتاج الذاتي للكهرباء وتعزيز النجاعة الطاقية.

وخلال مختلف المداخلات، برز توافق واسع على أن الانتقال الطاقي في تونس لم يعد خيارًا بيئيًا ثانويًا، بل أضحى ضرورة استراتيجية تمليها التحديات الاقتصادية وارتفاع كلفة الطاقة. كما تم التأكيد على أن بلوغ الأهداف الوطنية، وعلى رأسها تحقيق نسبة 35% من الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء بحلول سنة 2030، يقتضي تسريع وتيرة الإصلاحات، وتكثيف الاستثمارات، إلى جانب تعزيز دور الإعلام في مواكبة هذا التحول وتوعية الرأي العام بأبعاده المختلفة.

و في مداخلة له، لمنصة “كوسموس ميديا” قال سفيان خميدي ، مهندس مستشار بوكالة تونس إفريقيا للأنباء ورئيس مشروع الانتقال الطاقي بالوكالة، إن المؤسسة شرعت في تنفيذ مشروع نموذجي للانتقال الطاقي انطلاقًا من مقرها المركزي، حيث تم تركيز محطة فوتوضوئية على سطح المبنى في إطار رؤية شاملة تهدف إلى الاعتماد على الطاقات النظيفة. وأضاف أن هذا المشروع يندرج ضمن برنامج أوسع يقوم على محورين أساسيين: ترشيد استهلاك الطاقة وإنتاج الطاقة المتجددة.

وأكد أن الوكالة تمكنت، بفضل جملة من الإجراءات التقنية منذ سنة 2019 وبالشراكة مع الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، من تقليص كلفة استهلاك الطاقة بنسبة تقارب 30%، إلى جانب خفض الاستهلاك والانبعاثات الكربونية بنسبة 17%، وهو ما يساهم في حماية البيئة وضمان استدامتها للأجيال القادمة.

كما شدد على أهمية أن تلعب المؤسسات الإعلامية دورًا رياديًا في هذا المجال، معتبرًا أن وكالة تونس إفريقيا للأنباء، بحكم إشعاعها ومصداقيتها على المستويين المتوسطي والعربي، تسعى إلى أن تكون نموذجًا يُحتذى به، بل ومن بين أوائل المؤسسات الإعلامية في حوض البحر الأبيض المتوسط التي تعتمد الطاقة النظيفة في إنتاجها، بما يعزز دورها كقاطرة لنشر ثقافة الانتقال الطاقي.

من نقل المعلومة إلى صناعة الوعي

لم يقتصر النقاش على الجوانب التقنية للانتقال الطاقي، بل امتد إلى الدور المحوري للإعلام في هذا المسار. فقد تم التأكيد على أن وسائل الإعلام لم تعد مجرد ناقل للأخبار، بل أصبحت مطالبة بالتحول إلى منصة لصناعة وعي جماعي مستنير بقضايا الطاقة والمناخ، من خلال تقديم محتوى يفسر، يربط، ويحفّز الجمهور على الفهم والمشاركة.

وفي هذا الإطار، قدّمت الصحفية مبروكة خذير باعثة منصة كوسموس ميديا مداخلة استعرضت خلالها تجربتها في الإعلام البيئي، مشيرة إلى أن المحتوى المتخصص يمثل أداة فعالة لتقريب مفاهيم الانتقال الطاقي والاستدامة من مختلف شرائح الجمهور، بما في ذلك الشباب والباحثين عن حلول عملية في حياتهم اليومية. وأوضحت  خذير ان منصة كوسموس ميديا تعتبر مثالا عن وسائل اعلام عديدة كانت قد ساهمت في إيصال المعلومة الى المواطن البسيط بطريقة سلسة و مبسطة و هو ما يدفعه الى الانخراط في مشاريع الطاقة المتجددة و خاصة الطاقة الشمسية  و اكدت  مبروكة ان منصة كوسموس ميديا أنتجت سلسلة من التقارير والمقاطع السمعية والبصرية التي تناولت مشاريع الطاقات المتجددة في تونس، كما سلطت الضوء على مبادرات مجتمعية تسعى للتكيف مع التغيرات المناخية واعتماد حلول صديقة للبيئة، مثل إنتاج الطاقة الشمسية على مستوى البلديات والمشاريع المجتمعية لإعادة التدوير.

وشددت مبروكة خذير على أن الصحافة البيئية لم تعد مجالاً هامشياً، بل أصبحت ركيزة أساسية لمواكبة التحولات الكبرى على الصعيدين الوطني والعالمي. ودعت إلى تعزيز الاستثمار في تكوين الصحفيين وتزويدهم بالأدوات التحليلية والتقنية المتقدمة، بما في ذلك استخدام البيانات والمعلومات الجغرافية (GIS) والتصوير الاستقصائي، لتمكينهم من معالجة القضايا البيئية والطاقة بعمق ومهنية. كما شددت على أهمية التعاون بين المؤسسات الإعلامية، المجتمع المدني، والخبراء في الطاقة والمناخ لتقديم محتوى متكامل يجمع بين المعلومات العلمية، التجارب العملية، ورسائل التوعية المؤثرة، بهدف بناء مجتمع أكثر وعياً واستجابة للتحديات البيئية الراهنة والمستقبلية.

و في هذا الجانب أكد المدير العام للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة (ANME) نافع البكاري في مداخلة له، لمنصة “كوسموس ميديا” إن برنامج تكوين سفراء الانتقال الطاقي الذي تنظمه الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، يندرج ضمن مسار سنوي يستهدف الصحفيين بمختلف اختصاصاتهم، من صحافة مكتوبة ومسموعة ومرئية، بهدف تعزيز الوعي بقضايا الطاقة ونشر ثقافة الانتقال الطاقي.
وأضاف  البكاري “أن البرنامج يتضمن دورات تكوينية متواصلة حول التحكم في الطاقة، الترشيد في استهلاكها، وإنتاج الطاقات المتجددة، مشيرًا إلى أنه يُختتم سنويًا بتكريم أفضل الأعمال الصحفية في مختلف الأصناف.”
كما دعا كافة الصحفيين إلى الانخراط في هذا البرنامج، باعتبارهم “سفراء الانتقال الطاقي”، ودورهم المحوري في نشر الثقافة الطاقية والمساهمة في تحقيق الأهداف الوطنية في هذا المجال.

وات …نموذج قابل للتعميم

يشكّل تدشين المحطة الشمسية داخل وكالة تونس إفريقيا للأنباء خطوة نموذجية يمكن أن تُلهم مؤسسات إعلامية أخرى لتبني نفس النهج، حيث يمكن للإعلام أن يتحول من كونه مجرد ناقل للمعلومة إلى فاعل مباشر في تقليص البصمة الكربونية وتحقيق الاستدامة الطاقية. ويزداد هذا الأثر أهمية في ظل التطور التكنولوجي الذي جعل الطاقات المتجددة خيارًا متاحًا من الناحية التقنية وذو جدوى اقتصادية ملموسة، بما في ذلك تخفيض تكاليف الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، مع مساهمة ملموسة في حماية البيئة.

ويشير خبراء الطاقة إلى أن بعد هذه المبادرة لا يقتصر على الأبعاد العملية، بل يحمل أيضًا قيمة رمزية كبيرة، إذ يعكس التزامًا فعليًا من مؤسسة إعلامية عمومية بالانخراط في السياسات الوطنية للانتقال الطاقي، عوض الاكتفاء بتغطية هذه القضايا إعلاميًا. كما يبرز هذا المشروع كدعوة للتعاون بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني لتعزيز إنتاج الطاقة النظيفة، وتشجيع المؤسسات على اعتماد حلول مستدامة تُسهم في تحقيق أهداف تونس الوطنية، بما فيها بلوغ نسبة 35% من الطاقة المنتجة من مصادر متجددة بحلول عام 2030، وتقوية مكانة الإعلام كأداة فاعلة في دعم التحولات الاقتصادية والبيئية.

و في مداخلة لها، قالت لمنصة “كوسموس ميديا” الدكتورة مهي عامر، عضو لجنة الصناعة والتجارة والثروة الطبيعية والطاقة والبيئة بمجلس نواب الشعب، إن التوجه نحو اعتماد الطاقات المتجددة داخل المؤسسات، خاصة العمومية، لا يرتبط بالضرورة بسنّ تشريعات جديدة بقدر ما يندرج ضمن استراتيجية وطنية شاملة تتبناها الدولة. وأضافت أن هذا التوجه تُرجم فعليًا عبر عدد من المبادرات، من بينها تركيز محطات للطاقة الشمسية في المؤسسات التربوية والمساجد، في إطار شراكات بين وزارة الصناعة وعدد من الوزارات الأخرى.

وأكدت أن الأرقام الحالية لا تزال دون المأمول، ما يعكس الحاجة إلى مزيد تكثيف الجهود لتحقيق الأهداف المرسومة، مشيرة إلى أن دور مجلس نواب الشعب يظل قائمًا في حال وجود تعطيلات أو إشكاليات تشريعية تُطرح عليه، إلا أنه إلى حد الآن لم تُسجّل عوائق قانونية تُذكر في هذا المجال. وأضافت أن البرلمان يناقش حاليًا عددًا من مشاريع القوانين المتعلقة بالطاقات المتجددة، من بينها مشاريع لزمات بطاقة جملية تُقدّر بحوالي 600 ميغاواط، وذلك في إطار جلسات استماع شملت مختلف المتدخلين من وزارات وخبراء ومهنيين.

كما أكدت أن تونس، في إطار استراتيجيتها الوطنية للانتقال الطاقي، تسعى إلى بلوغ نسبة 35% من إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة في أفق سنة 2030، معتبرة أن البلاد تزخر بإمكانيات هامة خاصة في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهو ما يستوجب استغلالها بصفة أفضل، خاصة في ظل التغيرات المناخية. وختمت بالتأكيد على استعداد السلطة التشريعية لدعم كل المبادرات والمقترحات التي من شأنها دفع الانتقال الطاقي، بما يمكّن تونس من التحول من بلد مستهلك للطاقة إلى بلد منتج ومصدّر لها.

بين الطموح والواقع…قد يتعثّر الإنتقال

رغم المؤشرات الإيجابية التي سجلتها تونس في مجال الطاقات المتجددة، لا تزال البلاد تواجه تحديات كبيرة في رفع مساهمة هذه الطاقات ضمن مزيج إنتاج الكهرباء، لا سيما في ظل الحاجة إلى تسريع الإصلاحات، وتوفير بيئة استثمارية محفزة، وتكثيف برامج الدعم الفني والتقني للمشاريع المحلية. وفي هذا السياق، يبرز الدور الحيوي للإعلام، ليس فقط كناقل للمعلومة، بل كفاعل قادر على شرح الرهانات الاقتصادية والبيئية، وتحفيز المبادرات المجتمعية، وتقديم رؤية واضحة للتحديات والفرص أمام المواطنين والفاعلين.

ويخلص المشاركون في هذا اللقاء إلى أن الانتقال الطاقي يتجاوز كونه مسألة تقنية أو اقتصادية، ليصبح مشروعًا مجتمعيًا متكاملاً يتطلب تضافر جهود الدولة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، مع وجود إعلام واعٍ ومؤثر. فالصحافة البيئية، بما توفره من محتوى تحليلي واستقصائي، يمكنها بناء جسر بين المعرفة العلمية والسياسات العمليّة، وتعزيز النقاش العمومي حول الطاقة المستدامة، وإبراز التجارب الناجحة التي تشكّل نموذجًا يُحتذى به، سواء على المستوى المحلي أو الوطني، لتصبح قصة النجاح طموحًا يُلهم كل مؤسسة وكل فرد في المجتمع نحو المساهمة الفعلية في الانتقال الطاقي.

زر الذهاب إلى الأعلى