Slidersمقالات

الكثبان الرملية.. درع طبيعي يحمي السواحل والبيئة البحرية

رجاء دريدي- كوسموس ميديا 

في ظلّ التحديات البيئية المتزايدة التي تهدّد السواحل والمنظومات البحرية، تبرز الكثبان الرملية كأحد أهم الحواجز الطبيعية التي تؤدي دورًا حاسمًا في حماية الشريط الساحلي من التآكل والانجراف، والحفاظ على التوازن البيئي بين اليابسة والبحر.

ورغم بساطة مظهرها، تمثّل هذه التكوينات نظامًا بيئيًا معقّدًا وذا أهمية بالغة، إذ تساهم في تثبيت الرمال، وامتصاص طاقة الأمواج والعواصف، والحدّ من زحف المياه، فضلًا عن احتضانها لتنوع بيولوجي غنيّ يشمل نباتات وكائنات متكيّفة مع هذا الوسط الهش.

وفي هذا السياق، التأمت بدار الثقافة غار الملح  ورشة توعوية حول اهمية الكثبان الرملية الساحلية و الحلول القائمة على الطبيعة في اطار مشروع TunSea Restore و قد أكدت الباحثة في الإيكولوجيا وعضوة جمعية TunSea منى الإمام أنّ الكثبان الرملية ليست مجرد تراكمات رملية على امتداد الشواطئ، بل تمثّل خط الدفاع الطبيعي الأول عن السواحل في مواجهة التغيرات المناخية والضغوط البشرية، مشدّدة على ضرورة حمايتها وتعزيز الوعي بأهميتها ضمن مقاربة بيئية مستدامة.

الكثبان الرملية.. أكثر من مجرد مشهد طبيعي

أوضحت منى الإمام، خلال مداخلتها لمنصة “كوسموس ميديا”، أنّ الكثبان الرملية تضطلع بدور أساسي في حماية الشريط الساحلي من التآكل والانجراف، إذ تعمل كحاجز طبيعي يمتص جزءًا كبيرًا من طاقة الأمواج والرياح والعواصف البحرية، بما يحدّ من تأثيرها المباشر على اليابسة. كما تساهم هذه التكوينات في الحدّ من زحف مياه البحر نحو الداخل، وهو ما يجعلها عنصرًا محوريًا في تعزيز استقرار السواحل وقدرتها على الصمود في وجه التغيرات المناخية والظواهر القصوى. وأضافت أنّ أهمية الكثبان الرملية لا تقتصر على حماية اليابسة فحسب، بل تمتدّ أيضًا إلى حماية المنظومات البحرية بشكل غير مباشر، حيث يساهم استقرار السواحل في الحفاظ على المواطن الطبيعية للكائنات الحية والحدّ من الاضطرابات البيئية، بما يدعم التوازن الإيكولوجي في المناطق الساحلية والبحرية المجاورة.

وبيّنت متحدثتنا أن الكثبان الرملية تشكل نظاما بيئيا متكاملا يحتضن غطاءا نباتيا خاصا يساعد على تثبيت الرمال والحد من تحركها، كما توفر موطنا طبيعيا لعدد من الكائنات الحية التي تتأقلم مع هذا الوسط الحساس.

ويمثل هذا الغطاء النباتي، إلى جانب البنية الطبيعية للكثبان، عنصرا مهما في حماية التنوع البيولوجي الساحلي، وهو ما يجعل المحافظة على هذه المنظومة ضرورة بيئية تتجاوز بعدها الجمالي أو السياحي.

ورشة توعوية حول الكثبان الرملية بدار الثقافة غار الملح

الكثبان الرملية : خط دفاع طبيعي في مواجهة التغيرات المناخية

وفي سياق حديثها عن تداعيات التغيرات المناخية، شدّدت منى الإمام على أنّ الكثبان الرملية تكتسي أهمية متزايدة في ظلّ الارتفاع المتواصل في مستوى سطح البحر وتنامي وتيرة الظواهر المناخية القصوى، على غرار العواصف البحرية والرياح العاتية. وأوضحت أنّ هذه التكوينات الطبيعية تمثّل خطّ صدّ وقائيًا يخفّف من حدّة هذه التأثيرات، من خلال امتصاص الطاقة الهيدروديناميكية للأمواج وتقليص تأثيرها على السواحل، بما يمنح المناطق الساحلية قدرة أكبر على التكيّف والصمود أمام المخاطر البيئية المتفاقمة.

وأكدت في هذا الإطار أنّ حماية الكثبان الرملية لم تعد تندرج ضمن الاعتبارات الجمالية أو البيئية المحدودة فحسب، بل أضحت ركيزة أساسية ضمن استراتيجيات التكيّف مع التغيرات المناخية، لما توفّره من خدمات بيئية حيوية تسهم في حماية البنية الساحلية وضمان استدامة النظم الإيكولوجية المرتبطة بها.

الكثبان الرملية في تونس: بين الحماية القانونية وضغوط الواقع البيئي

شهدت حماية الكثبان الرملية في تونس تطوّرًا تدريجيًا على المستوى التشريعي، في سياق تنامي الوعي البيئي وتزايد المخاطر المرتبطة بالانجراف البحري والتصحر، إذ تعود أولى ملامح هذا الإطار إلى الفترة الاستعمارية مع مجلة الغابات لسنة 1885 التي شملت بشكل غير مباشر المناطق الرملية عبر تنظيم استغلال الموارد الطبيعية، قبل أن يتعزّز بعد الاستقلال بإصدار مجلة المياه سنة 1975، ثم مجلة التهيئة الترابية والتعمير سنة 1994 التي نظّمت التوسع العمراني وفرضت قيودًا على البناء في المناطق الهشة، بما فيها الكثبان الساحلية، ليأتي التحول الأبرز سنة 1995 مع إحداث وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي ومنحها صلاحيات واسعة في حماية الملك العمومي البحري الذي تندرج ضمنه هذه المنظومات البيئية، وذلك في إطار مسار تعزّز أيضًا بقانون حماية البيئة لسنة 1988 الذي أرسى مبدأ دراسة التأثير على البيئة، وفي السنوات الأخيرة تدعّمت هذه الترسانة بقرارات حكومية تمنع الأنشطة المدمّرة للكثبان، خاصة استعمال المركبات على الشواطئ، في مقابل اعتماد مقاربة حديثة قائمة على الحلول البيئية، من خلال إعادة تأهيل الكثبان عبر الغراسة النباتية وإقامة حواجز ميكانيكية لتثبيت الرمال، باعتبارها خط الدفاع الطبيعي الأول في مواجهة التغيرات المناخية، غير أنّ تحديات التطبيق والرقابة ما تزال قائمة في ظل الضغوط البشرية والتوسع العمراني، بما يستدعي مزيدًا من اليقظة لحماية هذا الحاجز البيئي الحيوي. 

في هذا السياق حذّرت منى الإمام من أن الكثبان الرملية تواجه اليوم ضغوطا متزايدة بفعل الأنشطة البشرية غير المسؤولة، من بينها التوسع العمراني العشوائي على الشريط الساحلي، ومرور السيارات رباعية الدفع والدراجات النارية فوق الكثبان، وإزالة النباتات المثبتة للرمال، إلى جانب رمي النفايات والضغط السياحي المكثف خلال المواسم الصيفي  كما هو الحال في شواطئ رفراف بولاية بنزرت . وأكدت أن هذه الممارسات تؤدي إلى إضعاف بنية الكثبان الرملية وتفككها، ما يفقدها قدرتها على أداء دورها الطبيعي في حماية السواحل، ويجعل المناطق الساحلية أكثر عرضة للتآكل والتدهور البيئي.

صدر في هذا الاطار  بتاريخ 5 افريل 2025 بلاغ مشترك عن عدد من الوزارات المعنية، من بينها وزارة الداخلية، ووزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، ووزارة البيئة، ووزارة النقل، للتنبيه إلى تنامي بعض الأنشطة الرياضية والترفيهية الميكانيكية بالشواطئ والكثبان الرملية الساحلية، على غرار استعمال السيارات رباعية الدفع والدراجات النارية.

وأكد البلاغ أن هذه الممارسات تُعدّ مخالفة للقوانين والترتيبات الجاري بها العمل، لما تسببه من تداعيات بيئية سلبية، من بينها إتلاف الكثبان الرملية الساحلية والشاطئية، والإضرار بالمنشآت المنجزة لمقاومة التصحر الساحلي وتثبيت الكثبان الرملية، إلى جانب تهديد التوازن الطبيعي للشريط الساحلي.

كما شدد البلاغ على أن كل من يخالف هذا التنبيه يعرّض نفسه للتتبعات العدلية والعقوبات المستوجبة، بما في ذلك حجز الوسائل المستعملة، مع دعوة المواطنين إلى الإبلاغ عن أي تجاوزات تمسّ بالشواطئ والكثبان الرملية الساحلية.

و أبرز هذا البلاغ أن مسألة حماية الكثبان الرملية لم تعد فقط قضية توعوية أو بيئية، بل أصبحت أيضا قضية قانونية ومجتمعية تستوجب احترام النصوص المنظمة، وتعزيز حسّ المسؤولية لدى مختلف مستعملي الفضاءات الساحلية.

التوعية البيئية.. مسؤولية جماعية

دعت الناشطة البيئية  منى الإمام  خلال حديثها مع منصة كوسموس ميديا الى أهمية نشر الوعي البيئي بين المواطنين، خاصة في المناطق الساحلية، من خلال احترام الفضاءات الطبيعية، وتجنب المشي أو السياقة فوق الكثبان الرملية، وعدم إتلاف النباتات الساحلية، والامتناع عن رمي النفايات أو القيام بأي سلوك من شأنه الإضرار بهذا النظام البيئي الهش.

كما دعت إلى تعزيز الجهود التوعوية والميدانية، وإدماج حماية الكثبان الرملية ضمن السياسات البيئية المحلية والوطنية، إلى جانب دعم المبادرات التي تهدف إلى تثبيت الرمال واستعادة المناطق المتضررة.

لم تعد الكثبان الرملية مجرد مكوّن طبيعي من مكونات المشهد الساحلي، بل إنها تمثل ركيزة أساسية في حماية البيئة البحرية والساحلية، وحاجزا طبيعيا فعالا في مواجهة التغيرات المناخية والتآكل البحري.

فبين التحذيرات العلمية التي يطلقها المختصون والفاعلون في المجتمع المدني، والتنبيهات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية، يتأكد اليوم أن الحفاظ على الكثبان الرملية لم يعد مجرد خيار بيئي، بل أصبح ضرورة قانونية وتنموية ومجتمعية تستوجب تضافر الجهود من أجل حماية السواحل وضمان استدامة التوازن البيئي للأجيال القادمة.

ورشة توعوية حول اهمية الكثبان الرملية الساحلية و الحلول القائمة على الطبيعة
زر الذهاب إلى الأعلى