مبروكة خذير–كوسموس ميديا– تونس
أطلقت المؤسسة الفرنسية للبيئة العالمية والصندوق العالمي للطبيعة – فرنسا مشروعًا رائدًا في تونس لحماية مروج أعشاب البوسيدونيا البحرية وتطوير مفهوم الكربون الأزرق، باستثمار إجمالي يقدر بمليون يورو.
و يأتي هذا المشروع الذي يحمل اسم “بينيلوب” ضمن ميزانية إجمالية تبلغ مليوني يورو، نصفها ممول من قبل المؤسسة الفرنسية للبيئة العالمية، ويهدف إلى الحفاظ على مروج البوسيدونيا، التي تعتبر نظمًا بيئية بحرية حيوية للتنوع البيولوجي، ودعم قطاع الصيد، والمساهمة في التخفيف من آثار التغير المناخي، وفق ما أكدت سفارة فرنسا في تونس أمس الخميس.
تعد مروج البوسيدونيا نباتات بحرية مزهرة مستوطنة في البحر الأبيض المتوسط، وتشكل مروجًا واسعة تحت الماء تعمل كغابات بحرية حقيقية. ورغم أنها تغطي مساحة تقدّر بين 25 ألف و50 ألف كيلومتر مربع، أي نحو ربع قاع البحار الساحلية المتوسطية، إلا أن تأثيرها البيئي حاسم، فهي تساهم في تخزين الكربون البحري (ما يعرف بالكربون الأزرق) وتنظيم النظم البيئية، وتوفير المأوى والغذاء لعديد الأنواع البحرية، فضلاً عن تثبيت قاع البحر والحد من تآكل السواحل.
مروج البوسيدونيا في تونس: التوزيع والأهمية ووضعيتها الحالية
تمتد مروج البوسيدونيا البحرية في تونس على طول الشريط الساحلي، خاصة في مناطق مثل خليج قابس، جربة، سوسة، وصفاقس، وتشكل مناطق حيوية للتنوع البيولوجي البحري. وتعمل هذه المروج كـ مستودعات طبيعية للكربون، إذ تمتص وتخزن كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، ما يساهم في التخفيف من تأثيرات التغير المناخي على المستوى المحلي والعالمي. كما توفر مروج البوسيدونيا مأوىً وغذاءً لمئات الأنواع البحرية، بما في ذلك الأسماك، والمحار، والقشريات، وتدعم استدامة مصايد الأسماك التقليدية في تونس، ما يجعلها مكونًا أساسيًا للاقتصاد البحري المحلي.
إضافة إلى ذلك، تلعب هذه المروج دورًا مهمًا في تثبيت قاع البحر وتقليل تآكل السواحل، مما يحمي المناطق الساحلية من الظواهر الطبيعية القاسية مثل العواصف البحرية وارتفاع مستوى سطح البحر. ورغم هذه الفوائد، فإن مروج البوسيدونيا في تونس تواجه ضغوطًا متزايدة تهدد بقاءها، أهمها الصيد غير القانوني باستخدام الجر بالشباك، والتلوث الكيميائي، وانتشار الأنواع البحرية الدخيلة، والتأثيرات الناجمة عن تربية الأحياء المائية الساحلية.
ويُشير الخبراء إلى أن هذه المروج، التي تُعرف محليًا باسم “الذريع”، قد شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال العقد الأخير، خاصة في مناطق مثل خليج قابس، حيث تزداد ضغوط النشاط البشري. ومن اللافت أن تونس لم تمنح هذه النظم البيئية حتى الآن إطارًا قانونيًا خاصًا للحماية، خلافًا لعدد من الدول المتوسطية مثل فرنسا وإيطاليا، التي تعتبر مروج البوسيدونيا جزءًا من التراث الطبيعي الساحلي وتضع لها حماية قانونية واضحة.
مبادرات حماية واستعادة مروج البوسيدونيا
و خلال شهر فيفري الماضي، نظّم مكتب الصندوق العالمي للطبيعة في شمال إفريقيا أيامًا دراسية بالعاصمة تونس، بحضور ممثلين عن وزارتي البيئة والفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، لبحث سبل حماية مروج البوسيدونيا ووضع استراتيجيات لاستعادتها. ومن أبرز التوصيات التي صدرت عن هذه الفعالية إعداد خارطة طريق وطنية، تهدف إلى تعزيز الحفاظ على هذه النظم البيئية البحرية الاستراتيجية، ودعم جهود الكربون الأزرق كأداة طبيعية لمكافحة تغير المناخ.
كما يركز المشروع على رفع الوعي البيئي لدى الصيادين والمجتمعات الساحلية حول أهمية مروج البوسيدونيا، وتطوير أدوات علمية لرصد حالة المروج البحرية ودراسة إمكانات استرجاعها في المناطق المتدهورة. ومن المتوقع أن يسهم المشروع في تعزيز التعاون الدولي لحماية النظم البيئية البحرية الحساسة في البحر الأبيض المتوسط، ودعم السياسات الوطنية للتنوع البيولوجي والصمود البيئي.




