سليديرمقالات

بوسي 2050: مشروع تخرّج يُنصت لصوت البحر.. ويدقّ ناقوس الإنذار في تونس؟!

 أمل الصامت- كوسموس ميديا

في ظل التحديات البيئية المتزايدة التي تواجه البحر الأبيض المتوسط، أُعلن يوم 29 أفريل 2026 بالعاصمة تونس عن إطلاق مشروع إعلامي بيئي مبتكر بعنوان “بوسي 2050: رسائل من تحت الماء”، وذلك خلال ندوة صحفية جمعت باحثين ومهنيين في الإعلام وممثلين عن مؤسسات بيئية وناشطين في المجتمع المدني.

المشروع، الذي يأتي في إطار عمل تخرج للإعلامية عفاف الغربي من معهد الصحافة وعلوم الإخبار، يقترح مقاربة تواصلية جديدة تقوم على توظيف السرد الرقمي والشخصيات الافتراضية، باعتماد تقنيات الذكاء الإصطناعي، لتبسيط القضايا البيئية المعقدة، وعلى رأسها مسألة تدهور نبتة البوسيدونيا، إحدى أهم ركائز التوازن البيئي في المتوسط.

“بوسي” تتحدث من المستقبل

تعتمد فكرة المشروع على شخصية افتراضية تحمل اسم “بوسي”، وهي تجسيد رمزي لنبتة البوسيدونيا، تتحدث من أفق زمني مستقبلي (سنة 2050) لتحذّر من المخاطر التي قد تهدد السواحل إذا استمرت الممارسات البيئية الحالية.

وفي تصريح خصّت به كوسموس ميديا، توضح عفاف الغربي أن المشروع يسعى إلى “مخاطبة الرأي العام بلغة قريبة من المواطن، وجعل القضية البيئية مسألة تهم الجميع”، مشيرة إلى أن الفكرة تبلورت عبر مسار شخصي ارتبط بعلاقتها بالبحر ومتابعتها لتداعيات التغيرات المناخية.

كما أكدت أن اختيار سنة 2050 لم يكن اعتباطيا، بل يهدف إلى “استشراف المستقبل والتنبيه إلى ما يمكن أن يحدث إذا لم نتحرك اليوم”، خاصة في ظل تراجع مساحات البوسيدونيا التي “تنمو ببطء شديد لا يتجاوز سنتيمترا واحدا سنويا، ما يجعل فقدانها خسارة يصعب تعويضها”.

وكشفت الغربي أن المشروع حظي بتبنّ رسمي من وزارة البيئة، معتبرة أن ذلك يفتح آفاقا لتطويره وتحويله إلى منصة توعوية أوسع، داعية كل التونسيين إلى الانخراط في حملة المناصرة التي تم إطلاقها من خلال هذا المشروع 

من المخابر إلى الجمهور

من جانبها، شددت الباحثة ريم زخامة على أن الاهتمام الإعلامي المتزايد بالبوسيدونيا يمثل خطوة مهمة نحو ردم الهوّة بين البحث العلمي والجمهور.

وأوضحت في تصريح لكوسموس ميديا، أن الباحثين في تونس يشتغلون منذ أكثر من عشرين سنة على هذه النبتة، نظرا لأهميتها البيئية والاقتصادية، إلا أن نتائج الأبحاث “غالبًا ما تبقى داخل المخابر”، مضيفة: “نشعر أحيانا أن صوتنا لا يصل كما يجب إلى الرأي العام”.

واعتبرت زخامة أن مشروع “بوسي 2050” ساهم في تغيير هذا الواقع، حيث “بدأ الإعلام يمنح اهتماما أكبر للبوسيدونيا”، داعية إلى تعميم الوعي بهذه الثروة الوطنية “من الصغير إلى الكبير”.

وأكدت في هذا السياق أن “الصحافة تمثل صوت الباحثين والقناة الأساسية لنقل المعرفة العلمية إلى المواطن”، مشددة على أهمية التعاون بين الإعلاميين والعلماء لضمان توظيف نتائج الأبحاث في خدمة المجتمع.

البوسيدونيا: ثروة بيئية واقتصادية

بدوره، أبرز المدير العام لوكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي مهدي بالحاج، أن السواحل التونسية تحتضن واحدة من أكبر مروج البوسيدونيا في البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يجعلها ثروة طبيعية ذات أهمية استراتيجية.

وأوضح أن هذه النبتة تلعب دورا حيويا في إنتاج الأكسجين وامتصاص ثاني أكسيد الكربون، إلى جانب كونها موطنا رئيسيا للتنوع البيولوجي البحري، ومساهما أساسيا في الحفاظ على التوازن البيئي.

واعتبر بالحاج في تصريح لكوسموس ميديا، أن مشروع “بوسي 2050” يمثل “برنامجا اتصاليا وتوعويا رائدا”، خاصة في قدرته على استهداف فئة الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدا أن حماية البوسيدونيا “لا تقتصر على البعد البيئي، بل تشمل أبعادا اجتماعية وسياحية واقتصادية، من بينها خلق فرص عمل في إطار الاقتصاد الأزرق”.

الصحافة وسيط للمعرفة

في قراءة تحليلية للمشروع، أكدت الدكتورة حنان المليتي، الباحثة في علوم الإعلام والاتصال، والمؤطرة الأكاديمية لمشروع “بوسي 2050″، أن هذا النوع من المبادرات يعكس تحوّلا في وظيفة الإعلام، من مجرد ناقل للمعلومة إلى فاعل في إنتاج المعنى وبناء الوعي.

وأوضحت خلال محاضرة علمية ألقتها بمناسبة الاعلان عن إطلاق المشروع، أن الصحافة المختصة تلعب دور الوسيط بين المعرفة العلمية المعقدة والجمهور، وهو ما يتطلب قدرة على تبسيط الخطاب دون الإخلال بدقته، من خلال العمل المباشر مع الخبراء وتفكيك المفاهيم العلمية وإعادة تقديمها في أشكال سردية جذابة.

كما شددت على أهمية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي، سواء في تحليل المعطيات أو في إنتاج محتوى تفاعلي، معتبرة أن هذه التقنيات تمثل فرصة لتجديد السرد الإعلامي البيئي، شرط الحفاظ على المصداقية العلمية.

قد تحمل “بوسي 2050” في جوهرها رسالة مزدوجة تقوم على التحذير من مستقبل بيئي مهدد من جهة، والأمل في إمكانية التغيير عبر الوعي والعمل المشترك من الجهة الأخرى. وبين صوت الباحثين وجهود المؤسسات ودور الإعلام، يطرح المشروع سؤالا مركزيا: هل نصغي فعلا إلى رسائل البحر… قبل فوات الأوان؟

زر الذهاب إلى الأعلى