سليديرمقالات

نابل: تكوين حول الاتصال البيئي والصحافة البيئية لتعزيز التحول نحو مدينة خضراء

مبروكة خذير –كوسموس ميديا– تونس 

نابل (جوان 2026) – تحولت مدينة نابل على امتداد يومين إلى فضاء مفتوح للنقاش والتفكير حول دور الإعلام في دعم التحولات البيئية والمناخية، وذلك من خلال لقاء تدريبي في مجال الاتصال والصحافة البيئية جمع صحفيين وإعلاميين وفاعلين محليين وخبراء في التنمية المستدامة، حيث تم التطرق إلى جملة من الإشكاليات المرتبطة بكيفية توظيف الإعلام كأداة فاعلة للمساهمة في بناء مدن أكثر قدرة على التكيف مع التحديات المناخية وتعزيز الوعي البيئي لدى المواطنين، وذلك في إطار مقاربة تشاركية تربط بين المعرفة العلمية والممارسة الإعلامية والمجتمعية.

وتندرج هذه المبادرة ضمن مشروع نابل المدينة الخضراء” (Nabeul Ville Verte – NVV)، الذي يتم تنفيذه بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومعهد التعاون الجامعي (ICU)، ويهدف إلى دعم جهود تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمدينة نابل وتعزيز قدرتها على التكيف مع آثار التغير المناخي، وذلك عبر حزمة من المشاريع والبرامج التي تجمع بين التدخلات التقنية والإجراءات التوعوية وبناء القدرات، في إطار رؤية شاملة تعتبر التحول البيئي عملية مجتمعية متكاملة تتجاوز البعد التقني إلى البعد السلوكي والتواصلي.

الاتصال البيئي كأداة لإنتاج الوعي وتغيير السلوك

وتناول المشاركون خلال هذه الورشة مفهوم الاتصال البيئي باعتباره آلية لا تقتصر على نقل المعلومات أو تبسيطها، بل تتجاوز ذلك إلى بناء وعي جماعي قادر على إحداث تغيير في السلوكيات اليومية للمواطنين وتعزيز مشاركتهم في القضايا البيئية، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المدن المعاصرة على غرار ندرة الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة وتراجع المساحات الخضراء وتزايد الضغط على البنية الطبيعية والبيئية.

وفي هذا السياق، تم التأكيد على أن الإشكال البيئي لم يعد مجرد ملف تقني محصور في دوائر الخبراء أو الإدارات الفنية، بل أصبح قضية مجتمعية شاملة تمس الصحة العامة والاقتصاد وجودة الحياة والعدالة الاجتماعية، الأمر الذي يستوجب تطوير خطاب تواصلي جديد يعتمد على تبسيط المعلومة العلمية وتحويلها إلى رسائل واضحة وقريبة من المواطن، بما يساهم في تمكينه من فهم المخاطر البيئية واتخاذ قرارات أكثر استدامة في حياته اليومية، مع تعزيز الثقة بين المؤسسات العمومية والمجتمع.

تكامل وظيفي بين الصحافة البيئية والاتصال البيئي

وأكد المشاركون أن التعاطي مع القضايا البيئية يفرض اعتماد مقاربة تكاملية بين الصحافة البيئية والاتصال البيئي باعتبارهما مجالين متكاملين في خدمة المصلحة العامة، حيث تضطلع الصحافة البيئية بدور أساسي في كشف الحقائق والتحقيق في الإشكاليات البيئية ومراقبة السياسات العمومية وتقييم مدى فعاليتها على أرض الواقع، في حين يتولى الاتصال البيئي مهمة تحويل هذه المعطيات إلى رسائل توعوية وحملات تواصلية ومبادرات مجتمعية تهدف إلى تعبئة الرأي العام وتعزيز السلوكيات الإيجابية تجاه البيئة.

وفي هذا الإطار، تم التأكيد على أن الصحفي البيئي لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يتجاوز ذلك إلى كونه مفسرا للمعلومة العلمية ومحققا في قضايا التلوث ومتابعا للسياسات العمومية ومرافقا ميدانيا لانشغالات المواطنين في مختلف الفضاءات، بينما يعمل مختص الاتصال البيئي على تحويل هذه المادة إلى محتوى تواصلي منظم وموجه يسهم في دعم التغيير السلوكي وتعزيز المشاركة المجتمعية في القضايا البيئية.

منهجية العمل الصحفي البيئي: من الميدان إلى الحلول

وشدد المشاركون خلال الورشة على أهمية اعتماد منهجية عمل صحفي بيئي تقوم على الانطلاق من إشكاليات ميدانية دقيقة وقابلة للقياس والإثبات، بدل الاكتفاء بالشعارات العامة أو الطروحات النظرية، حيث تقوم هذه المنهجية على تحديد المشكلة البيئية بدقة، ورصد انعكاساتها المباشرة على حياة السكان، وجمع المعطيات الميدانية والشهادات والوثائق ذات الصلة، إضافة إلى تحديد مختلف الأطراف المتدخلة وتحليل المسؤوليات، قبل الانتقال إلى مرحلة البحث عن حلول واقعية وقابلة للتطبيق.

كما تم التطرق إلى أهمية تحويل الأفكار الأولية إلى أعمال إعلامية متكاملة من خلال تحديد الزوايا الصحفية المناسبة، واختيار القوالب التحريرية الملائمة لكل موضوع، وإعداد خطط نشر واضحة، إلى جانب صياغة رسائل تواصلية موجهة للمناصرة والتوعية، بما يساهم في تطوير صحافة بيئية قائمة على الحلول وليس فقط على رصد المشكلات.

ملفات بيئية ذات أولوية في جهة نابل

وتم خلال أشغال اللقاء استعراض عدد من الملفات البيئية ذات الأولوية في جهة نابل، والتي تشكل في مجملها تحديات متداخلة تتطلب مقاربات متعددة الأبعاد، من بينها ملف الإجهاد المائي وندرة الموارد المائية، وملف التعرية الساحلية وتلوث الشريط البحري، إضافة إلى ملف ارتفاع درجات الحرارة داخل المجال الحضري ونقص المساحات الخضراء، إلى جانب إشكاليات إدارة النفايات وتأثيرات التغير المناخي على القطاع الفلاحي، فضلا عن قضايا المواطنة البيئية ودور الشباب والمجتمع المدني في دعم جهود التنمية المستدامة وتعزيز الوعي البيئي.

مشروع “نابل المدينة الخضراء”: تدخلات متعددة المستويات

ويعتمد مشروع “نابل المدينة الخضراء” على مقاربة شاملة ومندمجة تجمع بين التدخلات التقنية وبرامج التوعية وبناء القدرات، حيث يشمل المشروع تطوير البنية التحتية البيئية، وخاصة في ما يتعلق بتعميم الإنارة العمومية بتقنيات LED، واعتماد السخانات الشمسية، وتنفيذ مشاريع الوقاية من الفيضانات، إلى جانب برامج تكوين موجهة للبلديات والمؤسسات العمومية والطلبة ووسائل الإعلام، فضلا عن تنظيم حملات تحسيسية وتوعوية تستهدف مختلف الفئات الاجتماعية بهدف تعزيز السلوك البيئي المسؤول.

شهادات المشاركين: تنوع في الرؤى وتكامل في الفهم

وأفادت الصحافية فطيمة العميري أن مشاركتها في هذه الورشة مكنتها من التمييز بوضوح بين مجالي الصحافة والاتصال، مشيرة إلى أنها اكتسبت أدوات جديدة في معالجة القضايا البيئية، خاصة تلك التي تعتمد مقاربة الحلول، وهو ما من شأنه أن يساهم في تطوير مشاريع إعلامية أكثر ارتباطا بقضايا التنمية المحلية في جهة نابل.

من جهتها، اعتبرت المكلفة بالاتصال ببلدية نابل ألفة الغربي سلطاني أن هذه الدورة التكوينية ساعدتها على فهم أعمق لاحتياجات الصحفيين وطريقة عملهم، مؤكدة أهمية توفير المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب وبناء علاقة قائمة على الشفافية والثقة المتبادلة بين المؤسسات المحلية ووسائل الإعلام، بما يعزز جودة التغطية الإعلامية للقضايا البيئية.

وفي السياق ذاته، أكدت الناشطة في المجتمع المدني آمال غانم أن الورشة أبرزت أهمية التخطيط الاتصالي في إنجاح المشاريع البيئية، من خلال تحديد الجمهور المستهدف بدقة واختيار القنوات الأكثر ملاءمة للتواصل، بما يضمن وصول الرسائل التوعوية وتحقيق أثر فعلي لدى المواطنين.

أما المهندسة المعمارية سارة صميدة، فقد أوضحت أن هذه التجربة سمحت لها بتقريب مفاهيم العمارة المستدامة من المجال الإعلامي، مشيرة إلى أهمية دور الإعلام في تبسيط المفاهيم التقنية المرتبطة بالحلول البيئية والمناخية وجعلها في متناول الجمهور الواسع.

نحو رؤية تشاركية للتحول البيئي

وأكد المشاركون في ختام اللقاء أن التحديات البيئية والمناخية الراهنة تستوجب اعتماد مقاربة تشاركية تجمع مختلف الفاعلين من صحفيين وخبراء اتصال وبلديات ومجتمع مدني ومهندسين وباحثين، من أجل بناء رؤية موحدة وشاملة تستهدف دعم التحول نحو مدن أكثر استدامة وقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وتعزيز الوعي البيئي باعتباره شرطا أساسيا لنجاح السياسات العمومية في هذا المجال.

الإعلام كشريك استراتيجي في التحول البيئي

من جانبه، شدد مدير مشروع “نابل المدينة الخضراء” بمعهد التعاون الجامعي الإيطالي (ICU)، ريكاردو مارياتي، على أن نجاح التحول البيئي لا يمكن أن يقتصر على تنفيذ المشاريع التقنية والبنية التحتية، بل يتطلب بالأساس إشراك المواطنين وتعزيز وعيهم بالقضايا البيئية والمناخية، باعتبار أن السلوك الفردي والجماعي يمثل عنصرا محوريا في إنجاح هذه السياسات.

وأضاف أن الصحافة ووسائل الإعلام تلعب دورا أساسيا في تبسيط المعرفة البيئية وتحويلها إلى موضوع نقاش عام داخل المجتمع، مؤكدا أن الإعلاميين ليسوا مجرد ناقلين للمعلومة، بل فاعلين أساسيين في مرافقة مسار التحول البيئي وإبراز التحديات والحلول وإعطاء الكلمة لمختلف الفاعلين.

كما أبرز أن اعتماد مقاربة تشاركية تجمع بين البلديات والخبراء والجامعات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام يمثل أحد الشروط الأساسية لضمان استدامة نتائج المشروع، مشددا على أن الاستثمار في تكوين الصحفيين والاتصاليين هو في جوهره استثمار في مستقبل المدينة وقدرتها على التحول نحو نموذج أكثر استدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى