سليديرمقالات

حين تسكن الهزيمة في شوارع تونس قبل ملاعبها

ماذا تخبرنا أهداف السويد واليابان وهولندا عن بيئتنا؟

مبروكة خذير-كوزموس ميديا– تونس

في كل مرة يخسر فيها المنتخب الوطني التونسي مباراة جديدة، تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بالمحللين والخبراء والمدربين الافتراضيين. تتعدد التفسيرات: خطأ المدرب، ضعف اللاعبين، سوء الاختيارات التكتيكية، غياب النجوم، أو حتى سوء الحظ.

لكن، ماذا لو كانت القصة أعمق من ذلك كله؟

ماذا لو لم تكن الهزيمة التي تلقيناها أمام السويد بخمسة أهداف، وأمام اليابان بأربعة أهداف، وأمام هولندا بثلاثة أهداف، مجرد خسائر كروية، بل مؤشرات صامتة على خسارات بيئية وتنموية وحضارية أوسع؟

إنني أنظر إلى هذه النتائج من نافذة مختلفة: نافذة البيئة.

فالمنتخبات لا تُصنع فقط داخل الملاعب، وإنما تُصنع أولاً داخل المدن، وفي المدارس، وفي الحدائق، وفي جودة الهواء، وفي وسائل النقل، وفي الثقافة اليومية التي يعيشها المواطن منذ طفولته.

كرة القدم ابنة البيئة

لا يمكن أن يخرج لاعب سريع التفكير من مدرسة تعاني الاكتظاظ، ولا يمكن أن يبدع رياضي يعيش في فضاء عام قاسٍ وفقير بيئياً، كما لا يمكن أن نبني بطلاً أولمبياً في مدن تفتقد المساحات الخضراء وملاعب الأحياء ومراكز الترفيه.

فالبيئة ليست مجرد أشجار وحدائق وأنهار. البيئة هي نوعية الحياة…هي الشعور اليومي بالكرامة.

هي جودة المدرسة، ونظافة الشارع، وسهولة التنقل، ووجود فضاءات للرياضة والثقافة.

إنها الحالة النفسية التي يعيشها المواطن. والرياضة في جوهرها هي انعكاس مباشر للحالة النفسية والاجتماعية للشعوب.

عندما يخسر منتخب ما، فإننا في كثير من الأحيان نشاهد نتيجة تراكمات بدأت منذ عقود داخل منظومات التعليم والتخطيط العمراني والعدالة الاجتماعية والسياسات البيئية.

خمسة أهداف من السويد… وخمسة دروس في التنمية

عندما خسرت تونس أمام السويد بخمسة أهداف مقابل هدف، كانت تواجه دولة لم تصبح قوية لأنها غنية فقط، بل لأنها استثمرت في الإنسان والبيئة معاً.

السويد ليست مجرد منتخب كرة قدم. إنها مجتمع يعيد تدوير أكثر من 99 في المائة من نفاياته، حتى إنه أصبح يستورد النفايات لإنتاج الطاقة.

إنها دولة جعلت النقل العمومي النظيف جزءاً من الثقافة اليومية، ووفرت مساحات خضراء واسعة، واستثمرت لعقود في جودة الحياة.

والمواطن الذي يستيقظ في مدينة نظيفة، يتنفس هواءً جيداً، ويمارس الرياضة في فضاءات مجهزة، ويحصل على تعليم جيد ورعاية صحية محترمة، هو مواطن يملك طاقة نفسية وإبداعية أعلى.

واللاعب الذي يخرج من هذا المجتمع ليس مجرد لاعب كرة قدم، بل هو نتاج منظومة كاملة من التوازن النفسي والبدني.

ربما لم تسجل السويد خمسة أهداف في مرمانا فقط، بل سجلت أيضاً خمسة أهداف في مرمى تخطيطنا الحضري والبيئي.

أربعة أهداف من اليابان… وأربعة دروس في الانضباط

أما اليابان، التي هزمتنا برباعية نظيفة، فقد قدمت درساً آخر. اليابان ليست قوة رياضية فحسب، بل قوة ثقافية وبيئية أيضاً.

في هذا البلد، يتحول فرز النفايات إلى سلوك يومي، واحترام الفضاء العام إلى جزء من التربية، والنظافة إلى قيمة اجتماعية.

هناك علاقة عميقة بين الانضباط البيئي والانضباط الرياضي.

الشعب الذي يلتزم بفرز نفاياته، ويحترم الوقت، ويحافظ على الممتلكات العامة، ويعتبر النظام قيمة جماعية، يستطيع أن يبني فرقاً رياضية أكثر تنظيماً وقدرة على المنافسة.

ليس من قبيل الصدفة أن يترك المشجع الياباني المدرجات أنظف مما وجدها.

وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن تخرج اليابان جيلاً بعد جيل من الرياضيين القادرين على المنافسة في أعلى المستويات.

إن البيئة تصنع العقلية. والعقلية تصنع الأداء. والأداء يصنع الانتصارات.

ثلاثة أهداف من هولندا… وثلاثة دروس في الإبداع

أما هولندا، التي هزمتنا بثلاثة أهداف مقابل هدف، فهي دولة صغيرة المساحة لكنها عملاقة في التخطيط.

دولة تحدت البحر، وبنت واحدة من أكثر منظومات إدارة المياه تطوراً في العالم. حولت الدراجات الهوائية إلى فلسفة حياة. واستثمرت في الزراعة الذكية والطاقة النظيفة.

الهولنديون لم ينتظروا الظروف المثالية، بل صنعوا بيئتهم بأيديهم. ولذلك فإن الإبداع الذي نراه في ملاعبهم ليس سوى انعكاس للإبداع الذي نراه في مدنهم وشوارعهم ومدارسهم.

فالدول التي تعرف كيف تدير مياهها وأراضيها ومواردها، تعرف أيضاً كيف تدير مواهبها الرياضية.

البيئة والصحة النفسية… الحلقة المنسية

تشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أن جودة البيئة المحيطة تؤثر مباشرة في الصحة النفسية للمواطنين.

المدن الخضراء تقل فيها معدلات التوتر والقلق والاكتئاب.

وجود الحدائق والمساحات المفتوحة يرفع مستويات النشاط البدني ويزيد الشعور بالانتماء للمجتمع.

والمواطن الذي يعيش في بيئة صحية يكون أكثر قدرة على التركيز والإبداع والعمل.

ومن هنا تبدأ الرياضة. فالرياضة ليست أقداماً تركل الكرة فقط. إنها عقول هادئة. و أجساد سليمة. و شعور بالأمل. و إحساس بأن المستقبل يستحق الجهد.

لماذا تتقدم الشعوب بيئياً فتتقدم رياضياً؟

لأن التنمية البيئية ليست قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد والثقافة والرياضة.

إنها البنية التحتية غير المرئية لكل نجاح. فحين تستثمر دولة في الحدائق، فإنها تستثمر في صحة مواطنيها.

وحين تستثمر في النقل النظيف، فإنها تستثمر في وقت الإنسان وإنتاجيته.

وحين تستثمر في المدارس والفضاءات العامة، فإنها تستثمر في الإبداع.

وحين تستثمر في جودة الحياة، فإنها تستثمر في الرياضي والعالم والفنان ورجل الأعمال في الوقت نفسه.

إن اللاعب الذي يرفع كأس العالم هو في الحقيقة آخر حلقة في سلسلة طويلة تبدأ من شجرة مزروعة جيداً، ومدرسة نظيفة، ومدينة منظمة، وسياسة بيئية حكيمة.

الهزيمة الحقيقية

الهزيمة الحقيقية ليست أن نخسر مباراة.فكل منتخبات العالم تخسر.الهزيمة الحقيقية هي أن نعتقد أن الرياضة جزيرة معزولة عن بقية تفاصيل الحياة. أن نبحث عن مدرب جديد دون أن نبحث عن مدينة أفضل.أن نلوم حارس المرمى ولا نسأل عن جودة مدارسنا وفضاءاتنا العامة.أن نطالب بالأهداف في الملاعب بينما نعجز عن تسجيل أهداف في التنمية والبيئة.

لقد سجلت السويد خمسة أهداف في شباكنا. و سجلت اليابان أربعة. و سجلت هولندا ثلاثة.

لكن الأرقام الأعمق ربما تقول شيئاً آخر:

خمسة أهداف في مرمى سياساتنا البيئية.وأربعة أهداف في مرمى جودة حياتنا.وثلاثة أهداف في مرمى رؤيتنا التنموية.أما المباراة الحقيقية، فهي تلك التي لم تبدأ بعد…

مباراة بناء الإنسان. و مباراة استعادة علاقتنا بالبيئة.

ومباراة الإيمان بأن الشجرة والحديقة والمدرسة النظيفة والنقل الجيد ليست ترفاً، بل هي الطريق الطويل نحو مجتمع أقوى، واقتصاد أكثر تنافسية، وثقافة أكثر إشعاعاً، وربما… منتخب وطني أكثر قدرة على الانتصار.

زر الذهاب إلى الأعلى