سليديرمقالات

من قاعات التكوين إلى قلب البحر.. قرقنة تصنع جيلًا جديدًا من حماة السلاحف البحرية

 أميرة التواتي – قرقنة – كوسموس ميديا

فوق محطة عائمة قبالة سواحل قرقنة، تحوّلت المعارف التي تلقّاها المشاركون داخل قاعات التكوين إلى تطبيقات ميدانية لفحص السلاحف البحرية وعلاجها وإعادة تأهيلها.

هناك، وسط البحر، اجتمع طلبة الطب البيطري والباحثون والمختصون في علوم الأحياء والبيئة، إلى جانب مدربين ومدربات وخبراء من تونس وعدد من دول البحر الأبيض المتوسط، حول هدف واحد: فهم السلاحف البحرية بصورة أفضل، وتطوير طرق إنقاذها وحمايتها وإعادتها إلى بيئتها الطبيعية.

واحتضنت جزر قرقنة، من 7 إلى 10 جويلية 2026، أكاديمية Turtle-In، وهي دورة تدريبية خُصّصت لدراسة السلاحف البحرية والتعريف ببيولوجيتها، وأبرز المخاطر التي تواجهها، وتقنيات تتبّعها، وأساليب علاجها وإعادة تأهيلها.

ونُظمت الأكاديمية من قبل جمعية القراطن للتنمية المستدامة والثقافة والترفيه AKDDCL، بدعم من مركز الأنشطة الإقليمية للمناطق المتمتعة بحماية خاصة SPA/RAC، في إطار مشروع SEMPA الممول من الاتحاد الأوروبي، وبمساهمة برنامج CEPF Mediterranean Basin Hotspot وصندوق The MedFUND.

وجمعت الدورة طلبة في الطب البيطري، وباحثين شبانًا، ومختصين في علوم الحياة والبيئة، وممثلين عن جمعيات من مختلف مناطق تونس، إلى جانب مدربين وخبراء وطنيين ودوليين.

دورة تجمع بين المعرفة والتطبيق

يقول محمد ملاط، عضو جمعية القراطن للتنمية المستدامة والثقافة والترفيه وباحث في مجال دراسة السلاحف البحرية وحمايتها، إن أكاديمية Turtle-In تهدف إلى تكوين الطلبة والباحثين وأطباء المستقبل البيطريين، وتمكينهم من المعارف والمهارات الضرورية للتعامل مع السلاحف البحرية.

وتوزّع برنامج الأكاديمية على جانب نظري وآخر تطبيقي، بمشاركة خبراء ومدربين من تونس وبريطانيا وإسبانيا واليونان وإيطاليا.

ويضيف ملاط أن استضافة الخبرات الدولية تهدف إلى تبادل التجارب والاطلاع على التقنيات والممارسات المستخدمة في بلدان أخرى، ثم العمل على تكييفها مع الواقع التونسي وتطبيقها ميدانيًا.

فحماية التنوع البيولوجي البحري، وفق ملاط، لا تقتصر على تقديم المعلومات النظرية، بل تتطلب تكوين شباب وباحثين وأطباء بيطريين قادرين على التدخل الفعلي والتعامل مع الحالات التي تصل إليهم.

السلاحف البحرية تحت مجهر العلم

خلال اليوم الأول، تعرّف المشاركون إلى بيولوجيا السلاحف البحرية وبيئتها وأهميتها الإيكولوجية والعلمية، إلى جانب دورها داخل المنظومة البحرية.

كما تناولت الجلسات أبرز التهديدات التي تواجه هذه الكائنات، من بينها الصيد العرضي، ووقوعها داخل شباك الصيادين، والتلوث البحري، والنفايات البلاستيكية، وتدهور الموائل الطبيعية، إضافة إلى تأثيرات التغير المناخي.

ولم تقتصر أنشطة اليوم الأول على العروض العلمية، بل مثّلت أيضًا فرصة لتبادل الخبرات وبناء شبكة من الطلبة والباحثين والأطباء البيطريين وممثلي الجمعيات المهتمين بحماية البيئة البحرية.

ويوضح محمد ملاط أن اختيار السلاحف البحرية محورًا لهذه الدورة يعود إلى أهميتها باعتبارها مكوّنًا أساسيًا من مكونات التنوع البيولوجي البحري، ودورها في المحافظة على التوازن البيئي.

وتعمل الجمعية، في إطار مساهمتها في التصرف في المحمية البحرية والساحلية للجزر الشمالية لأرخبيل قرقنة، على حماية عدة أنواع وموائل، من بينها مروج البوسيدونيا والطيور والأسماك وغيرها من الكائنات البحرية.

لكن التركيز هذه المرة كان على السلاحف البحرية، بهدف تطوير قدرات المشاركين على دراستها والتعامل معها عند تعرضها للإصابة أو وقوعها داخل شباك الصيد.

من أجهزة التتبّع إلى الطائرات دون طيار

خلال اليوم الثاني، تعرّف المشاركون إلى أحدث التقنيات المستخدمة في دراسة السلاحف البحرية وتتبع تحركاتها وسلوكها داخل البحر.

وقدّم الباحث Nathan J. Robinson جلسة حول تقنيات تتبّع السلاحف البحرية، وكيفية الاستفادة من البيانات التي توفرها أجهزة التتبّع لفهم مساراتها ومناطق تنقّلها وتغذيتها والمخاطر التي قد تواجهها.

كما قدّمت المدربة Stephanie Köhnk، خلال جلسة افتراضية، تقنية التعرف إلى السلاحف عن طريق الصور، أو Photo-ID، وهي تقنية تعتمد على الخصائص والعلامات البصرية التي تميز كل سلحفاة عن غيرها.

وتسمح هذه التقنية للباحثين بمتابعة السلاحف ودراسة تجمعاتها من خلال الصور، دون الحاجة دائمًا إلى تثبيت أجهزة عليها.

وقادت المدربة Chiara Agabiti، من جامعة بيزا، المشاركين في جلسة حول استخدام الطائرات دون طيار، أو الدرون، في مراقبة السلاحف البحرية داخل بيئتها الطبيعية.

وتساعد هذه التقنية على جمع الصور والبيانات من مساحات بحرية واسعة، مع الحد من التدخل المباشر أو إزعاج الحيوانات أثناء عمليات المتابعة.

الطب البيطري في خدمة السلاحف البحرية

احتل الطب البيطري مساحة مهمة داخل برنامج الأكاديمية، باعتبار أن إنقاذ السلحفاة من شباك الصيد لا يعني بالضرورة قدرتها على العودة مباشرة إلى البحر.

فقد تصل بعض السلاحف وهي مصابة أو مريضة، أو تعاني من جروح ومشكلات صحية تتطلب الفحص والتشخيص والعلاج، قبل الدخول في مرحلة إعادة التأهيل.

وقدّمت المدربة Daniella Freggi جلسة متخصصة حول أبرز الإصابات والأمراض التي تصيب السلاحف البحرية، إلى جانب الإجراءات الطبية اللازمة لفحصها وعلاجها ومتابعة تطور حالتها الصحية.

أما المدربة Eva Maria Alexandra Panagiotou فقد تناولت تقنيات الإثراء، أو Enrichment، ودورها في متابعة الحالة الجسدية والسلوكية للسلاحف خلال فترة إعادة التأهيل.

كما قاد المدرب البيطري Aitor المشاركين في جلسة حول الطب البيطري الخاص بالسلاحف البحرية، وأساليب الفحص والتشخيص والتدخل والعلاج.

ويقول مهدي بالأبيض، المشارك في الأكاديمية في مجال الطب البيطري، إن الدورة أتاحت له اكتساب معلومات ومهارات جديدة، والتعرف إلى معدات وتقنيات وبروتوكولات مختلفة للتعامل مع السلاحف البحرية.

ويضيف أن الإنسان، مهما كانت معارفه وخبرته السابقة، يظل أمام مجال واسع للتعلم والتطور، خاصة في مجال يجمع بين الطب البيطري والبيولوجيا والعمل الميداني.

كما ساهم تنوع اختصاصات المشاركين، بين أطباء بيطريين وبيولوجيين وباحثين، في تبادل المعارف وفهم الحالات الصحية للسلاحف من زوايا مختلفة.

مختصون في البيولوجيا يقتربون من عالم البيطرة

قدمت تيسير بن حسين من بنزرت للمشاركة في الأكاديمية، وهي مختصة في علوم الحياة والبيئة والمحيط.

وتقول بن حسين إن الدورة مكنتها من التعرف إلى طرق التعامل مع السلاحف البحرية، واكتساب معلومات حول عدد من التقنيات والممارسات المتعلقة بدراستها وحمايتها.

وباعتبارها مختصة في علم الأحياء، أتاحت لها الأكاديمية أيضًا الاقتراب من الجانب البيطري، والتعرف إلى معلومات يمكن أن تحتاج إليها مستقبلًا في دراستها أو مسيرتها المهنية.

وتضيف أن حبها للسلاحف البحرية كان من أبرز الأسباب التي دفعتها إلى المشاركة، معتبرة أن التجربة جمعت بين المعرفة العلمية والتطبيق الميداني والتواصل مع مختصين من مجالات مختلفة.

من القاعة إلى محطة عائمة فوق البحر

مثّلت الخرجة البحرية إحدى أهم محطات أكاديمية Turtle-In، حيث انتقل المشاركون إلى المحطة العائمة المخصصة لعلاج السلاحف البحرية وإعادة تأهيلها.

وفوق سطح البحر، طبّق المشاركون مختلف المعارف والتقنيات التي تلقوها خلال الحصص النظرية في الأيام السابقة.

وشملت التطبيقات كيفية الإمساك بالسلحفاة بطريقة آمنة، وفحصها، وتقييم حالتها الصحية، والتعامل مع الإصابات، وتقديم الرعاية اللازمة لها وفق البروتوكولات العلمية والدولية.

كما تعرّف المشاركون إلى مختلف مراحل إعادة التأهيل، بداية من التشخيص والعلاج، وصولًا إلى التأكد من قدرة السلحفاة على السباحة والتغذية والتأقلم من جديد، قبل إعادتها إلى بيئتها الطبيعية.

ويقول محمد ملاط إن زيارة المحطة لاقت تفاعلًا إيجابيًا من المشاركين، باعتبارها تجربة جديدة وغير مألوفة في تونس.

ويصف منظمو الأكاديمية هذه المنشأة بأنها أول محطة عائمة لإعادة تأهيل السلاحف البحرية في البحر الأبيض المتوسط، وقد تم إنجازها بفضل تعاون الخبراء والمؤسسات وبحارة قرقنة والمجتمع المحلي.

وتختلف المحطة عن مراكز التأهيل التقليدية بوجودها مباشرة فوق البحر، ما يسمح بمتابعة السلاحف في ظروف أقرب إلى بيئتها الطبيعية.

البحارة.. الحلقة الأولى في عمليات الإنقاذ

قبل أن تصل السلحفاة المصابة إلى الباحث أو الطبيب البيطري، يكون البحار في أغلب الأحيان أول من يعثر عليها، خاصة عندما تعلق داخل شباك الصيد.

ويؤكد محمد ملاط أن تعاون البحارة والصيادين في قرقنة كان أساسيًا في إنقاذ عدد من السلاحف، والإبلاغ عن الحالات المصابة، والمساهمة في إيصالها إلى المختصين.

وقد يتسبب تحرير السلحفاة العالقة في خسائر مادية للصياد، خاصة عندما يضطر إلى قطع جزء من شباكه أو تتعرض معداته للتلف.

ورغم ذلك، ساهم عدد من البحارة في عمليات الإنقاذ، وهو ما جعلهم، وفق الجمعية، شركاء أساسيين في جهود حماية السلاحف البحرية.

ويقول ملاط إن الجمعية تسعى إلى إيجاد حلول مشتركة تراعي حماية السلاحف البحرية وتحافظ في الوقت نفسه على مصالح الصيادين، باعتبارهم من أكثر الفئات ارتباطًا بالبحر ومعرفة بالتغيرات التي يشهدها.

كما توجه بالشكر إلى بحارة قرقنة والمجتمع المحلي على مساهمتهم في إنجاز وتركيب المحطة العائمة لإعادة تأهيل السلاحف البحرية.

تزامنت أكاديمية Turtle-In مع إطلاق النسخة الثانية من مشروع «فكرونة»، وهو مشروع يعتمد على أجهزة تُثبت على السلاحف البحرية بهدف تتبع تحركاتها وجمع بيانات حول مساراتها داخل البحر.

ويقول باسم البوسالمي، المشرف على مشروع «فكرونة»، إن النسخة الأولى من المشروع أُطلقت خلال السنة الماضية، وتم خلالها تركيب جهاز تتبّع واحد على سلحفاة بحرية.

أما خلال هذه السنة، فقد تم إطلاق جهازين على سلحفاتين، بعد تطوير النسخة السابقة وإدخال عدد من التحسينات على أدائها.

ويوضح البوسالمي أن عملية التطوير لم تقتصر على إصلاح بعض النقائص، بل شملت تحسين الجهاز وتكييف وزنه وحجمه مع أحجام مختلفة من السلاحف.

ومن أبرز إضافات النسخة الجديدة تطوير جهاز أخف وزنًا وأصغر حجمًا، ليصبح ملائمًا للسلاحف الصغيرة، بعدما كانت الأجهزة المستخدمة في السابق موجهة أساسًا إلى السلاحف الكبيرة.

ويسمح هذا التطوير للباحثين بجمع معلومات حول السلاحف الصغيرة أيضًا، ومقارنة مساراتها وتحركاتها بسلوك السلاحف الكبيرة، بما يساهم في تكوين صورة أوسع حول حياتها داخل البحر.

خبرات تتنقل بين ضفتي المتوسط

شاركت المدربة Eva Maria Alexandra Panagiotou، من جمعية MEDASSET، في تأثيث عدد من جلسات الأكاديمية.

وتقول بانايوتو إن مشاركتها في قرقنة مكنتها من العمل مع مدربين ومشاركين من خلفيات مختلفة، والتعرف إلى الأنشطة الميدانية المتعلقة بالسلاحف البحرية وحمايتها.

كما أتاحت لها التجربة التواصل مع الطلبة والباحثين وتبادل المعارف والخبرات معهم.

وأشارت إلى وجود أنشطة مشابهة تُنجز في مصر، خاصة في مجالات البحث والتربية البيئية والعمل مع المجتمعات الساحلية لحماية السلاحف البحرية.

وترى بانايوتو أن التعاون بين البلدان والمجتمعات المحلية ضروري لفهم السلاحف بصورة أفضل، خاصة أنها تتنقل بين مناطق ودول مختلفة داخل البحر الأبيض المتوسط.

فحماية السلاحف، وفق المدربة، لا يمكن أن تظل مسؤولية بلد واحد، بل تحتاج إلى تبادل المعلومات والخبرات والتعاون بين الباحثين والجمعيات والمجتمعات الساحلية.

اتفاقيتا شراكة لدعم التكوين والبحث

شهد اختتام الأكاديمية توقيع اتفاقيتي شراكة بين جمعية القراطن للتنمية المستدامة والثقافة والترفيه وكل من جمعية MEDASSET والجمعية الدولية لطلبة الطب البيطري، فرع تونس IVSA Tunisia.

وتهدف الشراكة مع IVSA Tunisia إلى تعزيز التعاون في مجالات طب السلاحف البحرية، والتدريب وبناء القدرات، ودعم البحث العلمي، والمساهمة في تطوير خدمات محطة إعادة تأهيل السلاحف البحرية بجزر قرقنة.

كما تسعى الاتفاقية إلى تحسين رعاية السلاحف المصابة وزيادة فرص علاجها وإعادتها إلى بيئتها الطبيعية.

وتمثل الاتفاقية خطوة نحو بناء شبكة من الأطباء البيطريين والباحثين والطلبة المهتمين بالسلاحف البحرية، وتعزيز التعاون بين مختلف الفاعلين في هذا المجال.

أما الشراكة مع جمعية MEDASSET، فتهدف إلى دعم التعاون الإقليمي والدولي، وتبادل الخبرات، وتطوير مبادرات مشتركة لحماية السلاحف البحرية والتنوع البيولوجي في البحر الأبيض المتوسط.

أربعة أيام من التدريب تنتهي بعروض وشهادات

في اليوم الرابع، قدّم المشاركون عروضًا استعرضوا فيها أبرز ما اكتسبوه خلال الأكاديمية من معارف ومهارات، والدروس التي يمكن أن ترافقهم في مسيرتهم العلمية والمهنية.

واختُتمت الأكاديمية بحفل لتوزيع شهادات المشاركة، تقديرًا لالتزام المشاركين ومساهمتهم الفاعلة طوال أيام التدريب.

كما تم تكريم المدربين والمدربات والخبراء الذين ساهموا في تأثيث البرنامج، ومن بينهم حامد ملاط، وعماد الجريبي، وسامي قرعى، وNathan J. Robinson، وChiara Agabiti، وStephanie Köhnk، وAitor، وDaniella Freggi، وEva Maria Alexandra Panagiotou.

وشمل التكريم أيضًا ممثلين عن وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي APAL، من بينهم أحمد بن حميدة وأحمد صدام، تقديرًا لدور الوكالة في دعم جهود حماية السلاحف البحرية والمحافظة على التنوع البيولوجي.

قرقنة مختبر مفتوح لحماية الحياة البحرية

لم تكن أكاديمية Turtle-In مجرد برنامج تدريبي ينتهي بتوزيع الشهادات، بل مثّلت مساحة جمعت الخبراء والباحثين الشبان وطلبة الطب البيطري وممثلي الجمعيات والبحارة حول قضية مشتركة.

فبين قاعات التكوين، وأجهزة التتبّع، والطائرات دون طيار، والمحطة العائمة فوق البحر، تحاول قرقنة بناء تجربة تجمع المعرفة العلمية بالخبرة المحلية.

تجربة يكون فيها البحار أول من يكتشف السلحفاة المصابة، والباحث من يدرس حالتها، والطبيب البيطري من يعالجها، والمدرب من ينقل خبرته إلى جيل جديد من المختصين.

أما الهدف النهائي، فيظل إعادة السلحفاة إلى البحر وهي قادرة على مواصلة حياتها، والمحافظة على منظومة بحرية لا يمكن فصل صحة أي كائن داخلها عن صحة بقية الكائنات.

زر الذهاب إلى الأعلى