فتحية خذير –كوسموس ميديا
تحدي الابتكار ، مؤتمرات وذكاء جماعي لتحويل المناطق الواحية إلى فضاءات للتجريب والابتكار وخلق تنمية مستدامة
ماذا لو أصبحت الواحات فضاءات تُبتكر فيها الحلول الكبرى لمواجهة تحديات المستقبل؟
في ظل التغيرات المناخية، وتراجع الموارد المائية، والحاجة الملحّة إلى خلق فرص عمل مستدامة، والحد من هجرة الكفاءات والشباب، باتت المناطق الواحية اليوم مطالبة بإعادة ابتكار نفسها.
فبعدما كان يُنظر للواحات طويلاً باعتبارها فضاءات ينبغي الحفاظ عليها وحمايتها، أصبح بامكانها اليوم أن تتحول إلى مختبرات حقيقية للتجريب، تُطوّر فيها نماذج جديدة للتنمية تجمع بين الصمود البيئي، وخلق القيمة الاقتصادية، وتعزيز التماسك الاجتماعي.
من هذا المنطلق، وُلدت مبادرة «مطوية 2035»، التي ستُقام أيام 7 و8 و9 أوت 2026 في واحة المطوية بولاية قابس تحت شعار: “ابتكر لأجل واحتك” و بتنطيم من النادي المَطْوي للتعارف والتعاون، وجمعية واحة العلوم، وجمعية مهرجان العين بالمَطْوِيَة.
ولا يمثل هذا الحدث مجرد موعد مخصص للابتكار، بل إنه يقترح مساراً متكاملاً ينطلق من واقع المنطقة وتحدياتها، ويعمل على تعبئة الكفاءات المحلية، وفتح الحوار مع الخبراء، وتحويل الأفكار إلى مشاريع ملموسة وقابلة للتنفيذ.
المطوية، منطقة في قلب تحديات المستقبل
لم يكن اختيار المطوية لاحتضان هذه المبادرة أمراً اعتباطياً. فهذه الواحة تختزل، في حد ذاتها، جانباً كبيراً من التّحديات التي تواجه اليوم المناطق الجافة في شمال إفريقيا.
ويشكّل تراثها الفلاحي، وما تزخر به من معارف وخبرات وطرق تقليدية في إدارة الواحات، إلى جانب إمكاناتها في مجال الطاقات المتجددة وحيوية شبابها، عناصر قوة يمكن البناء عليها لإرساء مسارات جديدة للتنمية.
لكن، في المقابل، يُذكّر الضغط المتزايد على الموارد المائية، وتأثيرات التغير المناخي، وصعوبات الإدماج المهني، ونزيف هجرة الشباب، بالحاجة الملحّة إلى ابتكار نماذج تنموية جديدة، أكثر قدرة على الصمود وأكثر ملاءمة للواقع المحلي.
وهنا تحديداً تأتي مبادرة «مطوية 2035» لاستكشاف القدرة على تحويل التحديات والقيود إلى فرص للابتكار والتنمية.
منهجية قبل أن تكون مجرد فعالية
تكمن خصوصية «مطويّة 2035» في طبيعة الصيغة التي اختارها منظموها، وفي الرغبة في الجمع بين التفكير والعمل. فلم يكن الهدف الاختيار بين الاثنين، بل وضعهما ضمن مسار واحد ومتكامل.
ويرتكز البرنامج على آليتين متكاملتين: هاكاتون يمتد على 36 ساعة ومؤتمر يُنظّم على مدى نصفَي يوم.
وتشكّل هاتان الآليتان معاً سلسلة متكاملة للابتكار الترابي، تبدأ بفهم التحديات، ثم توليد الحلول، ومناقشتها ومقارنتها بالخبرات والواقع، وصولاً إلى تحديد الشروط الضرورية لتنفيذها على أرض الواقع.
وتنطلق هذه المقاربة من قناعة بسيطة مفادها أن التحديات المعقدة التي تواجه المناطق لا يمكن أن يتصدى لها طرف واحد بمفرده، وإنما تتطلب الجمع بين المعارف الأكاديمية، وخبرات المهنيين، وإبداع الشباب، والتزام المؤسسات.
36 ساعة لابتكار حلول جديدة
سيكون الهاكاتون، الذي ينطلق يوم 6 أوت القادم، المحطة الرئيسية في هذه الديناميكية الجماعية.
وعلى مدى 36 ساعة، ستعمل فرق متعددة الاختصاصات، تضم طلبة ورواد أعمال و خرجي الجامعات و حاملي أفكار مشاريع، على أربعة تحديات رئيسية ترسم ملامح مستقبل المناطق الواحية:
- الفلاحة الواحية والتصرف المستدام في المياه؛
- الطاقات المتجددة والمهن المرتبطة بالانتقال البيئي؛
- السياحة المستدامة والاقتصاد الأزرق؛
- التشغيل والتكوين ومرافقة الشباب.
ولا يتمثل الهدف في طرح أفكار مبتكرة فحسب، بل في تصميم حلول واقعية، تتلاءم مع خصوصيات المنطقة، ويمكن اختبارها وتطبيقها على أرض الواقع.
وستستفيد الفرق، طوال فترة الهاكاتون، من مرافقة متواصلة يقدمها مرشدون وخبراء من مجالات مختلفة، من بينها الاختصاصات التقنية، وريادة الأعمال، والتمويل، وتصميم المشاريع.
وفي ختام هذا الماراطون الحقيقي للابتكار، ستعرض الفرق مقترحاتها أمام لجنة تحكيم تضم خبراء وشركاء وممثلين عن المؤسسات.
مؤتمر لربط الأفكار بالواقع
بالتوازي مع الهاكاتون، سيوفر المؤتمر العمق اللازم للنقاش، كما سيساهم في وضع الحلول المقترحة ضمن رؤية أشمل للتحول الذي تشهده المناطق الواحية.
وسيخصص النصف الأول من اليوم الأول لمناقشة أبرز تحديات التحول البيئي والاقتصادي في المناطق الواحية. وسيشارك باحثون وخبراء وفاعلون اقتصاديون ومسؤولون وممثلون عن المؤسسات في تبادل التحليلات والخبرات حول عدد من المواضيع الأساسية، من بينها الفلاحة المستدامة، والتصرف المتكامل في المياه، وتطوير الطاقات المتجددة، والاقتصاد الأخضر، وتثمين الموارد المحلية.
أما النصف الثاني من اليوم، فسيخصص للانتقال من الأفكار إلى مرحلة التجسيد والتنفيذ. وستتناول النقاشات بشكل خاص آليات التمويل، والمرافقة في مجال ريادة الأعمال، والتكوين، والشراكات الضرورية لتحويل النماذج الأولية والأفكار المبتكرة إلى مشاريع قابلة للحياة ومستدامة.
بعد ذلك، ستقدم الفرق النهائية مشاريعها وإنجازاتها، قبل أن تتولى لجنة التحكيم المداولات والإعلان عن النتائج وتسليم الجوائز.
الابتكار الترابي محرّك للتنمية
إلى جانب البرنامج والأنشطة المبرمجة، تحمل «مطوية 2035» رؤية واضحة وقوية لمفهوم الابتكار الترابي.
فالابتكار لا يقتصر على التكنولوجيا الحديثة أو إنشاء الشركات الناشئة، بل يتمثل أيضاً في ابتكار طرق جديدة لتعبئة موارد المنطقة، وإرساء أشكال جديدة من التعاون، وخلق قيمة أكبر على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
ويقوم الابتكار الترابي على ذكاء جماعي قادر على التقريب بين فاعلين ينتمون إلى عوالم مختلفة، وغالباً ما لا تتاح لهم فرص اللقاء والتعاون، مثل الجماعات المحلية، والجامعات، والمؤسسات الاقتصادية، والجمعيات، والفلاحين، ورواد الأعمال الشباب، والخبراء والمستثمرين.
وعندما يتم تنظيم هذا التعاون ضمن رؤية مشتركة، يمكن أن يتحول إلى رافعة قوية للتغيير، ويساهم في ظهور نماذج تنموية أكثر استدامة وشمولاً وارتباطاً بالواقع المحلي.
طموح يتجاوز حدود المطوية
لن تقتصر هذه المبادرة على ثلاثة أيام من النقاش والتفكير والابتكار.
فمنظموها يسعون إلى إدراجها ضمن ديناميكية مستدامة، من خلال إعداد ونشر كتاب أبيض، و تكوين شبكة من الفاعلين الملتزمين، وإطلاق دعوة لتقديم المشاريع بهدف مرافقة الحلول الواعدة التي ستنبثق عن هذه المبادرة.
والطموح واضح: جعل المطوية منطقة نموذجية قادرة على اختبار حلول جديدة وإنتاج تجارب يمكن أن تستفيد منها واحات أخرى في تونس، ثم، على المدى البعيد، مختلف المناطق الجافة في شمال إفريقيا.
فالتحديات التي تواجهها هذه المناطق متشابهة إلى حد كبير، من التصرف المستدام في المياه، والتكيف مع التغير المناخي، وتنويع الاقتصاد، وتحقيق السيادة الغذائية، إلى تشغيل الشباب والانتقال الطاقي.
ومن ثم، يمكن للحلول التي ستُطرح في المطوية أن يتجاوز صداها حدود الواحة، وأن تساهم في إثراء نقاش إقليمي أوسع حول مستقبل المناطق الجافة.
دعوة لبناء المستقبل
لطالما كانت الواحات، على مدى قرون، فضاءات للتكيف والابتكار. فهي تجسّد قدرة المجتمعات على إدارة الموارد النادرة بشكل مستدام، وتطوير أنظمة فلاحية قادرة على الصمود، وبناء توازنات اقتصادية واجتماعية في بيئات تتسم بظروفها الصعبة.
واليوم، تُدعى هذه المناطق إلى كتابة فصل جديد من تاريخها.
ولا تدّعي «مطوية 2035» أنها تملك وحدها كل الإجابات عن التحديات التي تواجه المناطق الواحية. بل تقترح، قبل كل شيء، منهجية تقوم على جمع طاقات المنطقة، وتوحيد الكفاءات، وتجريب حلول جديدة، والتعلم بشكل جماعي، وتحويل الأفكار إلى مشاريع وأفعال ملموسة.
وفي وقت أصبحت فيه التحولات البيئية والاقتصادية والاجتماعية ضرورة لا يمكن تأجيلها، تذكّر هذه المبادرة بأن المنطقة ليست محكومة بظروفها وتحدياتها، بل يمكنها أن تجعل من هذه التحديات نقطة انطلاق نحو الابتكار والتحول.
وتتواصل التسجيلات للمشاركة في الهاكاثون إلى غاية 1 أوت 2026. ويدعى الطلبة، ورواد الأعمال، والباحثون، والمبتكرون، وحاملو المشاريع إلى المشاركة في هذه الدورة الأولى، والمساهمة بأفكارهم وكفاءاتهم والتزامهم في تحويل الواحات إلى مختبرات حقيقية للانتقال الترابي.




