تحقيقاتسليدير

بين أرقام رسمية ورواية رقمية: من يحدّد ما يعرفه التونسيون عن أزمة المياه؟

نجاة فقيري-كوسموس ميديا 

مع دخول صيف 2026، عادت أزمة المياه إلى واجهة الانشغال العام في تونس، بين مخاوف المواطنين من انقطاعات الماء المتكررة وتأكيد الحكومة قدرة السدود على الصمود حيث أوضحت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، في تصريح رسمي خلال شهر جوان 2026، أن نسبة امتلاء السدود الوطنية قد بلغت نحو 60 بالمائة، وهو مستوى وصفته السلطات بـ”المطمئن جدا” لضمان تغطية حاجيات البلاد من مياه الشرب طوال فصل الصيف، خاصة إذا ما قورن بمستويات الامتلاء الأدنى التي سجّلتها البلاد في المواسم السابقة. لكن خلال الفترة ذاتها اجتاحت منشورات انقطاع الماء بعدة ولايات منصة فيسبوك، موقع التواصل الاجتماعي الأكثر استخداما في تونس وفق الإحصائية NapoleonCat هي منصة متكاملة لإدارة وسائل التواصل الاجتماعي ، فأي الصورتين الرسمية أم الرقمية هي أقرب للحقيقة؟ 

أزمة حقيقيّة وأرقام قياسيّة

ربما لا يحتاج الجفاف وأزمة المياه في تونس إلى تضخيم، فتونس تصنّف رسميا من أشد دول العالم إجهادا مائيا بموارد متجدّدة داخلية لا تتجاوز 4.2 مليار متر مكعب سنويا، ويعتبر الإجمالي أعلى قليلا من هذه النسبة الداخلية، ونصيب فرد انحدر إلى نحو 390 مترا مكعبا في السنة وفق بيانات البنك الدولي و منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة الفاو لسنة 2022 بينما أفاد المدير العام للسدود والأشغال المائية الكبرى فائز مسلم أمام البرلمان التونسي، في جانفي 2024، أن معدل نصيب الفرد من المياه بلغ 420 متر مكعب في السنة، أي دون عتبة الشح المائي المطلق المحددة بـ500 متر مكعب، مما يضع تونس رسميا في خانة الدول التي تعاني شحا مائيا مطلقا وفق تصريحه. و أمام هذه الأرقام الصادمة،  أقرّ البنك الدولي بعمق الأزمة حين وافق مجلس إدارته في 31 مارس 2026، وأعلن عنه في بيان صحفي يوم 1 أفريل، على برنامج دعم مائي بقيمة 332.5 مليون دولار، هو الأول من نوعه في إطار برنامج الأمن المائي والمرونة لتونس.

وتزيد منظمة الفاو هذه الصورة وضوحا حين تكشف أن معدل استغلال الموارد المائية المتجددة في تونس بلغ نحو 96 بالمائة، مما يعني أن البلاد تستهلك ما يقارب سقفها المائي الكامل دون هامش احتياطي يُذكر، وأن أي موجة حر أو تراجع في التساقطات تُحوّل الأزمة الهيكلية على الفور إلى أزمة معيشية مباشرة.

تم انجاز هذا الرسم باعتماد 3 أدوات ذكاء اصطناعي Piktochart للنموذج، Canva للتعديل اليدوي،Claude للتنسيق النهائي (كل البرامج نسخ مجانية).

في 23 جوان أكد المدير العام للسدود والأشغال المائية الكبرى بوزارة الفلاحة ، فائز مسلم،  في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، وكالة الأخبار الرسمية بتونس،أن نسبة امتلاء السدود في تونس بلغت 60 بالمائة من طاقتها الإجمالية وهو مخزون يكفي لتأمين مياه الشرب الوطنية خلال فصل الصيف وفق تصريحه.غير أن هذه الأرقام الوطنية الجامعة، على دقتها، تخفي تفاوتا جغرافيا صارخا لا تعكسه التصريحات الرسمية. ففي السياق ذاته أفادت  الوزارة أن توزّع نسب امتلاء السدود متباينا بين الجهات، إذ تسجّل سدود الشمال الغربي والشمال الشرقي المستويات الأعلى، فيما تعاني ولايات الوسط من شح حاد يجعل الحديث عن “وضع مطمئن” بعيدا عن الواقع اليومي لساكنيها.

 فسدود الوسط لا تتجاوز نسبة امتلائها 12 بالمائة في حين تتجاوز 90 بالمائة في الوطن القبلي، لكن هذا التفاوت الحاد نادرا ما يذكر حين يتحدث المسؤولون عن الرقم الوطني الجامع. والمنشورات الرقمية بدورها لا تفرّق بين ولاية وأخرى خاصة عندما تتحرك الاحتجاجات بالشمال التونسي “منبع المياه”، ولا بين أزمة موثّقة وصورة قديمة أو مولّدة بالذكاء الاصطناعي أُعيد توظيفها في سياق مختلف. 

في الوقت الذي كانت فيه السلطات التونسية تؤكد، عبر بياناتها الرسمية، أن مخزون السدود بلغ مستوى يسمح بتأمين التزويد بمياه الشرب خلال فصل الصيف، كانت منصة فيسبوك تشهد انتشارا واسعا لمنشورات تتحدث عن انقطاعات متكرّرة للمياه في عدد من الولايات، كما وثقت احتجاجات في مناطق تعتبر منابع أساسية للمياه بالبلاد التونسية. وبين الخطاب الرسمي الذي يستند إلى مؤشرات وطنية، والرواية الرقمية التي تنقل تجارب محلية، برز تباين في الصورة المتداولة حول واقع الأزمة، ما يطرح تساؤلات حول مدى تطابق ما يتداوله المستخدمون مع المعطيات الميدانية، وكيف تسهم المنصات الرقمية في تشكيل إدراك الرأي العام لأزمة المياه.

تم تصوير الفيديو يوم 28 جويلية مع الأستاذة الجامعية والدكتورة الباحثة باالمعهد الوطني للبحوث في الهندسة الريفية والمياه والغابات(تربطها صلة قرابة بمعدة التحقيق لكن المعطيات المذكورة محايدة تماما). 

لا تكفي بيانات السدود وحدها لرسم الصورة الكاملة لأزمة المياه في تونس، إذ يكشف الرصد الميداني المستمر الذي يوثّقه المرصد التونسي للمياه(watchwater.tn)  فجوة واسعة بين ما تعلنه الأرقام الوطنية وما يعيشه المواطن يوميا في حيّه وولايته. فقد سجّل المرصد طوال عام 2025 ما مجموعه 3064 تبليغا اعتمادا على رصد مباشر لشكاوى المواطنين، في مؤشر على تواصل أزمة التزود بالمياه وتعمّقها في مختلف ولايات تونس. وفي بداية 2026، سجّل المرصد خلال شهر جانفي وحده 187 انقطاعا غير معلن واضطرابا في توزيع المياه الصالحة للشرب على كامل تراب الجمهورية.

ومع دخول فصل الصيف تسارعت الوتيرة بشكل لافت. ففي شهر جوان 2026 وحده، سجّل المرصد 423 تبليغا في مجال خدمات التزويد بالمياه الصالحة للشرب، رصد منها 374 حالة انقطاع واضطراب غير معلن في توزيع مياه الشرب بمختلف ولايات الجمهورية، وهي الجزء الأكبر من إجمالي الإشعارات المسجلة خلال الشهر. والأهم في هذه الأرقام ليس حجمها فحسب، بل توزيعها الجغرافي الذي يعكس مرة أخرى التفاوت الجهوي الصارخ الذي تخفيه الأرقام الوطنية الجامعة. فقد تصدّرت ولاية سوسة قائمة الولايات الأكثر تسجيلا للتبليغات بـ43 تبليغا، تلتها ولاية جندوبة بـ42 تبليغا، ثم ولاية بن عروس بـ38 تبليغا. وفي شهر ماي الذي سبقه، تصدّرت بن عروس خارطة العطش بـ26 تبليغا، تلتها قفصة بـ25، ثم القصرين بـ23، فضلاعن رصد 12 تحركا احتجاجيا على خلفية انقطاع التزويد بالمياه واضطرابه. 

هذه الأرقام المتراكمة لها دلالة مزدوجة في سياق هذا التحقيق: فهي من جهة تثبت أن الأزمة حقيقية وموثّقة بتبليغات مواطنين حقيقيين لا بمنشورات افتراضية. ومن جهة أخرى، فإن الانقطاعات الفجئية واضطرابات التزويد ظلّت تمثّل المشكلة الرئيسية، إذ تجاوزت نسبتها 80 بالمائة من إجمالي الإشعارات المسجلة طوال الأشهر الستة الأولى من العام، وهو ما يفسر جزئيا لماذا يتفاعل التونسيون بهذا الحجم مع أي محتوى رقمي يتحدث عن الماء، سواء كان دقيقاً أو منتزعا من سياقه.

فعند الحديث عن أزمة المياه في تونس ربما لا نحتاج إلى افتعال أو تزييف لكي تشتعل على الشبكات الاجتماعية، فالوقود الحقيقي موجود في الواقع على الأرض. ففي الفترة الممتدة بين جوان وجويلية 2026 وحدها، أعلنت الشركة الوطنية التونسية لاستغلال وتوزيع المياه “الصوناد”  (SONEDE) عن قطع مبرمج امتد 24 إلى 48 ساعة في أحياء واسعة من تونس الكبرى وبن عروس منتصف جوان، ثم أعلنت قطعا ليليا يوميا في سوسة والمنستير والمهدية اعتبارا من 5 جويلية بسبب ارتفاع الحرارة وتأخر تشغيل محطة تحلية سوسة التي كان مقررا إطلاقها في الثالث من الشهر نفسه. كما تواصل نشر بلاغات متواصلة عن القطع الجزئي والأعطاب الفجئية التي شملت مناطق من ولايات جندوبة وباجة ونابل وزغوان. ومن 6 إلى 13 جويلية 2026، تواصل احتجاجات قطع الطريق خاصة بالكاف وجندوبة للمطالبة بماء الشرب، فيما رفع نواب في مجلس الشعب في التاسع من الشهر لافتات “الماء حق دستوري”. ومن منتصف شهر جويلية إلى غاية 23جويلية 2026، اندلعت احتجاجات في عديد الولايات وذلك تزامنا مع انقطاعات متكرّرة للكهرباء أيضا. هذا التسلسل الميداني السريع يفسر جزء كبيرا من الانتشار الرقمي للأزمة.

تم انجاز هذا الرسم البياني باعتماد Canva مع التعديل اليدوي، و Claude للتنسيق النهائي (كل البرامج نسخ مجانية).

عندما تتفوق الخوارزمية على البيان الرسمي

إن  الاعتراف بحقيقة الأزمة لا يعني أن كل ما يتداوله فيسبوك حولها صحيح أو دقيق. ففي بيئة رقمية باتت فيها المنصة مصدر أخبار أساسي لملايين التونسيين، وفي ظل سهولة غير مسبوقة في انتشار المحتوى الرقمي وتداول الصور القديمة إضافة إلى توليد الصور والمحتوى بالذكاء الاصطناعي، باتت الفجوة بين “ما يحدث فعلا” و”ما يقال إنه يحدث” أوسع وأصعب قياسا من أي وقت مضى.

اعتمد هذا التحقيق على منهجية رصد رقمي ميداني في مرحلتين متكاملتين: تمثلت الأولى في الرصد الكمي باستجدام أداة Meta ia و بتتبع المحتوى المتداول حول أزمة المياه على فيسبوك باستخدام خمس كلمات مفتاحية محورية هي “انقطاع الماء”، “العطش”، “السدود”، “تحلية المياه”، و”الجفاف”، عبر البحث المتقدم بالمنصة مع فلاتر التاريخ، ومراجعة أداة Meta Ad Library للكشف عن أي تمويل مدفوع وراء المنشورات. وقد شمل الرصد 16 صفحة  مصنفة بين مصادر رسمية وإعلام وطني ومجتمع مدني وصفحات ذات أنماط نشر عشوائية غير مدروسة، خلال فترة الذروة الممتدة بين منتصف جوان و23 جويلية 2026.

أما الثانية فكانت المرحلة الأدق وهي مرحلة التحقّق اليدوي والمباشر من المحتوى المشتبه به، وقد تمثّلت في مطابقة كل ادعاء أو منشور بأرقامه وصوره بالمصادر الرسمية مباشرة، والتثبت من تواريخ النشر وهوية الحسابات المنشِئة للمحتوى. وقد جرى في مرحلة موازية بناء خط أساس من البيانات الرسمية المستقاة من المرصد التونسي للمياه والصوناد والبنك الدولي والفاو، لمقارنة الرواية الرقمية المتداولة بما تثبته الأرقام الموثقة على أرض الواقع، وهي المقارنة التي تشكّل قلب هذا التحقيق وخلاصته.

تم الرصد للمنشورات باعتماد Meta ia و بتتبع المحتوى المتداول حول أزمة المياه على فيسبوك باستخدام خمس كلمات مفتاحية محورية عبر البحث المتقدم بالمنصة مع فلاتر التاريخ. (وضع الصورة وإدراج رابط التفاعل: صورة + ملف (html

وقد كشف الرصد المنهجي لمنشورات فيسبوك خلال الفترة ذاتها أن المشهد الرقمي أكثر تعقيدا مما تبدو عليه الحادثة الواحدة. فتحليل عينة من المنشورات باستخدام كلمات مفتاحية مثل “انقطاع الماء” و”العطش” و”السدود” و”تحلية المياه” و”الجفاف” كشف عن ثلاثة أنماط متداخلة لا نمط واحد.

النمط الأول هو المحتوى الموثوق القابل للتتبع، وهو الأغلب كمّيا، إذ تتصدره البلاغات الرسمية التي تعاد نشرها عبر وسائل إعلام تعتبر موثوقة لدى التونسيين كموزاييك أفم وجوهرة أفم وإكسبريس أفم وغيرهم، مع فيديوهات ميدانية توثق الاحتجاجات وشهادات المواطنين بأسمائهم ومناطقهم.  حيث تشير المعطيات إلى أن نحو 90 بالمائة، من منشورات الذروة بين منتصف جوان وحتى 23 جويلية،  جاءت فعليا من أربع مصادر رئيسية: الصوناد، المرصد التونسي للمياه،الإذاعات الخاصة الكبرى، والمواقع الإخبارية الرئيسية.

النمط الثاني هو المحتوى المحلي العاطفي غير المحقق، وهو الأكثر انتشارا بالتفاعل النسبي لا بالحجم المطلق. تنتجه صفحات إقليمية صغيرة تحمل أسماء المناطق وتعتمد شهادات التعليقات مصدرا وحيدا، وتخلط في أحيان كثيرة بين اختصاصات الصوناد والستاغ والبلديات، وتعمّم جغرافيا الأزمة أو تحدّها أو توجهها على أسس ”جهوية تمييزية”. وقد رصد التحليل نمطا لافتا هو تكرار منشور واحد بصيغ وسياقات مختلفة فبينما اكتفت صفحة بنشر البلاغ بصياغته شبه الرسمية، عمدت صفحة أخرى إلى تفصيله وفق أنفوغراف خاص (مولد بالذكاء الإصطناعي) وأخرى  إلى التهويل عبر عنوان “نداء استغاثة” على الرغم من تطابق مضمون البلاغ مع نص سابق في حين وظّفت نسخة ثالثة الصياغة ذاتها لاستدرار التفاعل والتعاطف المحلي بربطها بحي بعينه من دون أي إضافة معلوماتية جديدة عن البلاغ الأصلي.

النمط الثالث هو المحتوى المنتزع من سياقه، وهو الأخطر منهجيّا وإن كان الأقل حجما. يشمل فيديوهات احتجاجات قديمة يعاد نشرها بتاريخ جديد، وصورا وبيانات توضع في ” سياق التهويل”. وقد رصد متابعون في تعليقات بعض المنشورات تحديدا هذا النمط واتهموا صفحات بعينها بنشر “فيديو قديم للتحريض”، في دليل على أن جزءا من الجمهور نفسه بات يمارس تحقّقا عفويا غير منهجي.

كما  تم ضمن هذا النمط، رصد تداول منشور واحد متكرر استند أصلا إلى بلاغ رسمي صادر عن الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه الصوناد بشأن قطع مبرمج للماء بولاية بن عروس، حيث أُعيد تدوير النص والقالب البصري نفسيهما  شعار الصوناد، وكلمة “بلاغ” بخط غليظ، وصورة أنبوب أو حنفية  عبر عدة صفحات محلية، وظّفت كل واحدة منها المضمون ذاته بأسلوب مغاير يخدم غرضا مختلفا، فبينما اكتفت إحداها بنشر البلاغ بصياغته شبه الرسمية، عمدت أخرى إلى تفصيله في إنفوغراف خاص، ولجأت ثالثة إلى التهويل عبر عنوان “نداء استغاثة” وعبارة “هناك عطب” الدرامية رغم تطابق مضمون البلاغ مع نص سابق، في حين وظّفت نسخة رابعة الصياغة ذاتها لاستدرار التفاعل والتعاطف المحلي بربطها بحي بعينه، دون أي إضافة معلوماتية جديدة عن البلاغ الأصلي. 

تم انجاز هذا الرسم باعتماد 3 أدوات ذكاء اصطناعي Piktochart للنموذج، Canva للتعديل اليدوي،Claude للتنسيق النهائي (كل البرامج نسخ مجانية).

وكشف تحليل المنشورات أيضا أن خطاب التطمين الرسمي ينتج أحيانا تأثيرا عكسيا يغذي الشك لا يوقفه. فحين أعلنت الصوناد في بلاغ لها يوم 4 جويلية 2026 عن القطع الليلي في الساحل، أرجعته إلى “تأخر تجارب تشغيل محطة التحلية”، وهي محطة كان قد أكّد الرّئيس المدير العام للشركة الوطنيّة لإستغلال وتوزيع المياه، عبد الحميد منجه، دخولها حيز الإستغلال في  الثالث من الشهر نفسه. هذا التناقض بين وعد رسمي مؤرّخ وإعلان رسمي لاحق يناقضه بيوم واحد كان كافيا لتحويل غضب مشروع إلى اتهامات أوسع بـ”سوء التسيير” و”الفساد” في التعليقات، حتى إن بعضها وصف الشركة بأنها “تحكمها عصابات خواص”، وهو نوع من التضخيم لا ينتجه المضللون بل تنتجه الفجوة بين الوعد والوقائع.

وأيضا حين تحدّث الخبير في الشأن الفلاحي أنيس بن ريانة في تصريح إذاعي لديوان أفم  عن “تبخر السدود” تفسيرا علميا لتراجع مناسيبها على الرغم من الأمطار الاستثنائية، تحولت العبارة في الفضاء الرقمي إلى مادة للسخرية وإلى مدخل لنظريات تتهم الدولة بسوء إدارة الأزمة. وهو ما يفسّر أن انفصال الخطاب الرسمي والعلمي عن الواقعية وعن لغة الناس اليومية جعل الرواية الشعبية المبسطة، ولو كانت مشوّهة، تبدو أكثر مصداقية لمن يعيش الأزمة يوميا.

ما يمكن إثباته في هذه المرحلة هو أن المشهد الرقمي المتعلق بأزمة المياه في تونس يجمع في آن واحد توثيقا حقيقيا لأزمة موثقة، وتضخيما عاطفيا غير منسق تنتجه صفحات محلية صغيرة غالبا، وانتزاعا للمحتوى من سياقه يتراوح بين الإهمال والتعمّد. أما وجود حملة تضليل منظمة بتمويل خفي ومصدر واحد، فهو ما لا تكشف عنه الأدلة المتوفرة حتى الآن، إذ لم تظهر مراجعة Meta Ad Library تمويلا مدفوعا واسع النطاق، ولم يرصد تطابق نصّي ممنهج بين صفحات تبدو منفصلة يثبت تنسيقا مركزيا.

إقرء أيضا: الصمود على جبهة المناخ.. حصاد الأمطار لتعزيز الأمن المائي والغذائي في جبل الغرة بتونس

أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ التضليل؟

لقد خلصت منهجية هذا التحقيق إلى  أن وجود أزمة حقيقية لا يمنع استغلالها لإنتاج محتوى مضلل. فالمعلومة قد تكون صحيحة في أصلها، لكنها تصبح مضللة عندما تنزع من سياقها، أو تعمم على كامل البلاد، أو تدعم بصورة لا علاقة لها بالحدث خاصة  وأن الذكاء الاصطناعي زاد من صعوبة التحقّق، إذ أصبحت أدوات توليد الصور والفيديوهات قادرة على إنتاج مشاهد تبدو واقعية إلى حد كبير، كما أصبح تعديل الصور أو إعادة تركيبها لا يتطلب سوى دقائق معدودة. لذلك لم يعد السؤال مقتصرا على صحة الصورة، بل أصبح يشمل أيضا سياقها، وتاريخها، والجهة التي نشرتها، والهدف من إعادة تداولها.

فحتى مرحلة إعداد هذا التحقيق، لم تظهر الأدلة التي جمعت ما يسمح بالجزم بوجود حملة منظمة لتضخيم أزمة المياه أو التقليل منها على فيسبوك. غير أن تحليل الشبكات الرقمية قد يكشف لاحقا أنماطا تستحق مزيدا من الفحص، مثل النشر المتزامن للنصوص نفسها، أو إعادة مشاركة المحتوى عبر عدد محدود من الصفحات، أو استخدام صور متطابقة في سياقات مختلفة.وبناء على المعايير المعتمدة في التحقيقات الرقمية، فإن وجود محتوى متشابه أو واسع الانتشار لا يكفي وحده لإثبات التنسيق، ما لم يقترن بأدلة تقنية تدعم هذا الاستنتاج.

كشفت المقارنة بين البيانات الرسمية والخطاب المتداول على فيسبوك أن أزمة المياه في تونس ليست مجرد أزمة موارد طبيعية، بل هي أيضا أزمة معلومات. فالبيانات الرسمية تقدم صورة إجمالية قد تخفي تفاوتات جغرافية كبيرة، بينما تنقل المنصات الرقمية تجارب محلية حقيقية، لكنها قد تعيد تشكيلها عبر محتوى عاطفي أو مجتزأ أو خارج السياق.

وفي ظل تزايد اعتماد المواطنين على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار، يصبح التحدي الحقيقي ليس فقط في إدارة الموارد المائية، بل أيضا في إدارة المعلومات المتعلقة بها. فكلما اتسعت الفجوة بين ما تقوله البيانات وما يراه المستخدم على شاشته، ازدادت الحاجة إلى صحافة قائمة على الأدلة، قادرة على التحقق من الوقائع ووضعها في سياقها الصحيح، بعيدا عن التهويل أو التهوين. وكما قالت الدكتورة الباحثة في الهندسة الريفية المياه والغابات، سندس فقيري، فإن تقييم الوضع المائي لا يمكن أن يعتمد على “صورة لسد ولا شهادة من منطقة معينة” بل على مؤشرات محدّثة دوريّا. 


“تم إنتاج هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية.

استُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية في إعداد هذا العمل. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، وقد ساعدت إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي في لفت الانتباه إلى تضارب بين أرقام رسمية من مصادر مختلفة، واتُّخذ القرار النهائي بشأن الرقم المعتمد بعد تحقق بشري مباشر من المصدر الأصلي، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه.”

زر الذهاب إلى الأعلى