بلقاسم الخماري-كوسموس ميديا
قبل أسابيع، أثار ظهور ضبع مخطط في تونس حالة من الخوف والجدل، لكن القصة لم تنته عند مجرد مشاهدة حيوان بري نادر في محيط بشري، بل تحولت إلى مشهد مؤلم انتهى بالاعتداء عليه ونفوقه.
حادثة أعادت إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز مصير حيوان واحد: لماذا ما زال الضبع المخطط يثير كل هذا الخوف؟ وماذا نعرف فعلًا عن هذا الحيوان الذي أصبح ظهوره في تونس حدثًا نادرًا؟
خلف الصورة التي صنعتها الأساطير والمخيلة الشعبية عن حيوان مخيف وشرس، توجد حقيقة بيئية مختلفة تمامًا.
فالضبع المخطط، المعروف علميًا باسم Hyaena hyaena، واحد من أكثر الحيوانات البرية إثارة للجدل في المخيال الشعبي، إذ ارتبط في كثير من الثقافات بالخوف والغموض والأساطير والصورة النمطية للحيوان المفترس المخيف.
لكن هذا الحيوان يمثل، في المقابل، عنصرًا بالغ الأهمية في المنظومة البيئية، لأنه يؤدي وظيفة طبيعية لا غنى عنها في تنظيف الوسط الطبيعي من الجيف وبقايا الحيوانات النافقة، والحد من تراكم المواد العضوية التي يمكن أن تتحول إلى بؤر لتكاثر بعض مسببات الأمراض.
وفي تونس، حيث أصبح ظهور الحيوانات البرية الكبيرة والنادرة حدثًا يلفت الانتباه، يظل الضبع المخطط واحدًا من أكثر الأنواع التي تستحق الدراسة والحماية، ليس فقط بسبب ندرته، وإنما أيضًا بسبب الدور الذي يؤديه في المحافظة على التوازن الطبيعي.
الضبع بين الأسطورة والعلم
ينتمي الضبع المخطط إلى فصيلة الضبعيات، وهو حيوان متوسط الحجم يتميز بجسم قوي وفراء يميل إلى الرمادي أو الرملي أو البني الباهت، تتخلله خطوط داكنة واضحة على الجانبين والقوائم.
أما الخطم والأذنان فهما قاتما اللون، بينما يمتلك الحيوان لبدة طويلة تمتد من مؤخرة الرأس والرقبة إلى الظهر.
وتنتصب هذه اللبدة عندما يشعر الحيوان بالخطر أو يحاول إظهار نفسه بحجم أكبر أمام منافس أو مصدر تهديد.
وهي واحدة من السمات الأكثر إثارة للانتباه في هذا الحيوان، لكنها في الوقت نفسه تكشف جانبًا من سلوكه الدفاعي، فالحيوان لا يعتمد دائمًا على الدخول في مواجهة مباشرة، بل قد يستخدم مظهره لإخافة خصمه وإبعاده.
ويُعد الضبع المخطط من أوسع أنواع الضباع انتشارًا من الناحية الجغرافية، إذ يمتد نطاقه من مناطق واسعة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية وصولًا إلى أجزاء من القوقاز وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية.
وهو النوع الوحيد من الضباع الذي يعيش طبيعيًا خارج إفريقيا.
كما أن وجوده التاريخي كان أوسع بكثير من نطاقه الحالي، إذ كانت الضباع المخططة موجودة في مناطق من أوروبا قبل أن تنقرض منها منذ زمن بعيد.
وجوده في تونس ليس مجرد حكاية
في تونس، لا يمثل وجود الضبع المخطط مجرد حكايات شعبية أو روايات متداولة.
فالمعطيات العلمية الحديثة تؤكد وجوده، إذ كشفت دراسة ميدانية اعتمدت على كاميرات المراقبة عن تسجيل الضبع المخطط في الحديقة الوطنية دغومس جنوب البلاد خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2022.
وخلال هذه الدراسة، تم تسجيل عشرين مشاهدة لما لا يقل عن فردين خلال عدة أشهر من عامي 2020 و2021، وكان آخر تسجيل في نوفمبر 2021.
وتشير هذه المعطيات إلى وجود مجموعة تبدو أكثر استقرارًا نسبيًا في المنطقة، مع التأكيد على أن النوع يظل نادرًا في تونس.
في المقابل، لم تسجل عمليات المراقبة بالكاميرات خلال الفترات المدروسة وجود الضبع المخطط في الحديقة الوطنية بجبل الجبيل بولاية قبلي أو في الحديقة الوطنية بسيدي توي بولاية مدنين.
ويعكس ذلك طبيعة انتشاره المتقطع وصعوبة رصده، خصوصًا أن الضبع المخطط حيوان ليلي شديد الحذر، يستطيع قطع مسافات واسعة بحثًا عن الغذاء والماء، ويتجنب الاحتكاك المباشر بالإنسان قدر الإمكان.
وتشير الدراسة العلمية نفسها إلى أن وجود الضبع المخطط في تونس أصبح نادرًا جدًا، وأن استمرار المراقبة ضروري لفهم حجمه السكاني وبيئته وسلوكه.
أين يعيش الضبع المخطط؟
يعيش هذا الحيوان أساسًا في البيئات الجافة وشبه الجافة، والمناطق الصخرية والسهوب والوديان والمناطق الصحراوية وشبه الصحراوية.
كما يمكن أن يستقر في الأراضي العشبية وبعض المناطق ذات الغطاء النباتي المتناثر.
وهو يحتاج إلى مناطق توفر له الغذاء والمخابئ ومصادر المياه.
وفي تونس، فإن اتساع المساحات الطبيعية في الجنوب والوسط والبيئات الجافة وشبه الصحراوية يجعل بعض المناطق مناسبة لبقائه.
إلا أن تقلص الموائل الطبيعية وتزايد الأنشطة البشرية والصيد غير القانوني والتسميم والاضطهاد، كلها عوامل جعلت وجوده أكثر هشاشة وتقطعًا.
حيوان ليلي شديد الحذر
من السهل أن تفسر طبيعة الضبع المخطط بعضًا من الصورة المخيفة التي ارتبطت به.
فهو حيوان ليلي في الغالب، يخرج بعد غروب الشمس بحثًا عن الغذاء، وقد يتحرك لمسافات طويلة خلال الليل، بينما يقضي ساعات النهار في جحر أو مخبأ آمن.
ولهذا فإن مشاهدته في وضح النهار نادرة نسبيًا.
وتعيش الضباع المخططة في الغالب منفردة أو في أزواج أو مجموعات عائلية صغيرة، ولا تشكل تجمعات ضخمة مثل بعض الحيوانات الاجتماعية الأخرى.
لكن ذلك لا يعني أنها حيوانات عديمة التنظيم الاجتماعي.
فهي تمتلك علاقات بين أفراد المجموعة، وتستخدم الجحور والمناطق المشتركة، وتضع الأنثى صغارها في جحر آمن، ثم تقوم برعايتهم وإطعامهم، بينما يمكن لأفراد الأسرة أن يشتركوا في استخدام بعض الموارد والمناطق.
ويتميز هذا الحيوان أيضًا بقدرته على التأقلم مع البيئات القاسية.
فهو يعيش في مناطق تقل فيها المياه والغذاء، ويمكنه الانتقال من مصدر ماء إلى آخر بحثًا عن الموارد، ولذلك فإن قدرته على تحمل الظروف الجافة تعد من أبرز أسرار بقائه عبر مناطق واسعة من العالم.
الحيوان الذي يقوم بدور «عامل النظافة» في الطبيعة
من أكثر الأمور التي أسهمت في تشويه صورة الضبع المخطط اعتقاد الإنسان القديم والحديث بأنه حيوان شرس لا وظيفة له سوى مهاجمة الحيوانات.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير.
فالضبع المخطط يعتمد بدرجة كبيرة على الجيف وبقايا الحيوانات النافقة، ولذلك فهو يؤدي وظيفة أشبه بعمال النظافة في الطبيعة.
إنه يزيل بقايا الحيوانات التي يمكن أن تتعفن وتتراكم في البيئة، ويساهم في إعادة المواد العضوية إلى الدورة الطبيعية.
ولا يعني ذلك أن الضبع المخطط لا يصطاد إطلاقًا.
فهو قادر على اصطياد الثدييات الصغيرة والطيور والزواحف، كما يمكنه تناول الحشرات وبعض أنواع الفاكهة والنباتات والتمور والبطيخ وغيرها من المواد الغذائية المتاحة.
لذلك فهو ليس حيوانًا متخصصًا في مصدر واحد من الغذاء، وإنما يتمتع بقدرة كبيرة على التكيف مع الظروف البيئية الصعبة.
وتسمح له هذه المرونة الغذائية بالبقاء في المناطق التي تقل فيها الفرائس الكبيرة، كما تساعده على الاستفادة من الموارد المتوفرة بالقرب من التجمعات البشرية دون أن يكون بالضرورة حيوانًا معتمدًا على الإنسان.
ماذا يفعل بالجيف؟
تكمن أهمية الضبع المخطط بدرجة كبيرة في قدرته على استغلال الجيف التي قد تتركها الحيوانات المفترسة أو الحيوانات الأهلية النافقة.
وهو بذلك يمنع بقاء كميات كبيرة من الأنسجة الحيوانية في الطبيعة لفترات طويلة، ويحد من تراكم المواد العضوية، ويشارك في إعادة تدويرها داخل النظام البيئي.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الضبع والصحة البيئية.
فوجود الحيوانات الكاسحة في النظم الطبيعية جزء من آليات التنظيف الطبيعي التي طورتها الأنظمة البيئية عبر آلاف السنين.
ولذلك فإن القضاء على هذه الحيوانات لا يعني فقط اختفاء نوع من الحياة البرية، وإنما يمكن أن يؤدي إلى اختلال في شبكة العلاقات الطبيعية التي تربط بين المفترسات والفرائس والكائنات الكاسحة والكائنات المحللة.
وعندما تتراكم الجيف وبقايا الحيوانات في بيئة ما، فإنها توفر موارد غذائية لكائنات عديدة، بعضها قد يكون ناقلًا للأمراض.
ولهذا فإن إزالة الجيف بصورة طبيعية بواسطة الحيوانات الكاسحة تمثل إحدى حلقات التوازن البيئي.
لكن من المهم علميًا عدم القول إن الضبع وحده يمنع الأوبئة أو يقضي على الأمراض، لأن الوقاية الصحية من الأمراض المعدية عملية معقدة تتداخل فيها عوامل عديدة.
غير أن دوره في إزالة الجيف وتنظيف البيئة لا يمكن إنكاره.
هل الضبع يحمي الإنسان من الأمراض؟
هنا تكمن إحدى المفارقات التي تجعل هذا الحيوان جديرًا بإعادة النظر في صورته.
فالعبارة التي تصفه بأنه «يحمي الإنسان من الأوبئة والأمراض الخطيرة» يجب فهمها في إطار بيئي، وليس باعتبارها حقيقة طبية مطلقة.
فالضبع ليس طبيبًا، ولا وسيلة مباشرة لمنع الأمراض.
لكنه يؤدي دورًا في تنظيف النظام البيئي من الجيف، وهو ما يساهم بصورة غير مباشرة في تقليل بعض المخاطر البيئية المرتبطة بتراكم الحيوانات النافقة.
ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة في المناطق الريفية والصحراوية، حيث يمكن أن تبقى جثث الحيوانات لفترات طويلة في الطبيعة.
هناك تتحول هذه الجيف إلى مصدر غذاء للحيوانات الكاسحة مثل الضباع والنسور وابن آوى وغيرها من الأنواع، قبل أن تتولى الكائنات الدقيقة إكمال عملية التحلل.
وهكذا تعمل الطبيعة في سلسلة متكاملة.
فلا يوجد حيوان بلا وظيفة، حتى تلك الحيوانات التي لا تحظى بشعبية لدى الإنسان قد تكون ضرورية لاستقرار النظام البيئي.
فك قوي… وبنية تساعده على البقاء
يتميز الضبع المخطط ببنية جسدية قوية.
فهو يمتلك فكًا قادرًا على التعامل مع أجزاء صلبة من الجيف والعظام، وإن كانت قدراته في هذا المجال تختلف عن الضبع المرقط الذي يعد أكثر تخصصًا في تحطيم العظام الكبيرة.
وتبدو قوائمه طويلة نسبيًا، بينما يكون الجسد والعنق ثخينين.
أما الذيل فهو كثيف الشعر ويمتد تقريبًا إلى مستوى القدمين.
وتساعده هذه البنية على الحركة في المساحات المفتوحة والبحث عن الطعام لمسافات طويلة.
ومن أكثر سماته إثارة للانتباه تلك اللبدة التي تمتد على رقبته وظهره.
فهي يمكن أن تنتصب عند الخوف أو التهديد، فيبدو الحيوان أكبر حجمًا مما هو عليه بالفعل.
وهي وسيلة دفاعية بصرية قد تساعده على ردع المنافسين وتجنب الدخول في مواجهة مباشرة.
فالطبيعة لا تعتمد دائمًا على القوة البدنية وحدها، بل تستخدم الحيوانات إشارات بصرية وصوتية وسلوكية لتجنب المعارك.
والضبع المخطط مثال واضح على ذلك، إذ يمكن أن يحاول تخويف خصمه بإظهار جسم أكبر بدل الدخول في قتال حقيقي قد يؤدي إلى إصابات خطيرة.
حيوان يعرف كيف يتكيف
يمتلك الضبع المخطط قدرة لافتة على التأقلم مع البيئات القاسية.
فهو يعيش في مناطق تقل فيها المياه والغذاء، ويمكنه الانتقال من مصدر ماء إلى آخر بحثًا عن الموارد.
كما أنه قادر على الاستفادة من موارد غذائية مختلفة، وهو ما يسمح له بالبقاء في بيئات قد يصعب على أنواع أخرى من الحيوانات العيش فيها.
وعندما يبحث عن الغذاء، فإنه لا يتحرك عشوائيًا.
بل يستفيد من معرفة المنطقة ومصادر المياه ومسارات الحيوانات وبقايا الفرائس، ويمكن أن يتنقل بين مناطق متعددة بحسب توفر الموارد.
كما أن حاسة الشم القوية تساعده على العثور على الجيف من مسافات بعيدة، وهي ميزة أساسية لحيوان يعتمد بدرجة كبيرة على الموارد المتناثرة وغير المنتظمة.
وعلى خلاف الحيوانات التي تعتمد على قتل فريسة يوميًا، يمكن للضبع المخطط أن يستفيد من جثة أو بقايا حيوان وجدها في طريقه، ثم ينتقل بحثًا عن مورد آخر.
وهو ما يفسر قدرته على قطع مسافات كبيرة في المناطق الجافة.
حيوان عاش طويلًا بجوار الإنسان
ارتبط الضبع المخطط تاريخيًا بالإنسان بصورة أكبر مما قد يتخيله البعض.
فقد ظهرت صوره في حضارات وثقافات متعددة، وأحيانًا تم تصويره باعتباره مخلوقًا مخيفًا.
وأحيانًا أخرى ارتبط بالسحر والشعوذة والأساطير.
كما ارتبط اسمه في بعض المجتمعات بالخوف من المقابر والليل والجيف.
وربما ساهمت عاداته الليلية وطبيعته الحذرة واعتماده على الجيف في تكوين هذه الصورة السلبية.
لكن العلم الحديث يقدم صورة مختلفة تمامًا.
فالحيوان الذي كان ينظر إليه باعتباره رمزًا للموت يمكن أن يكون في الحقيقة جزءًا من منظومة تحمي الحياة نفسها، لأن التخلص من الجيف في الطبيعة يمثل وظيفة بيئية مهمة.
من أين جاء الخوف؟
الخوف من الضبع ليس جديدًا. فطبيعته الليلية، وصوته، واعتماده على الجيف، ومظهره الجسدي المختلف عن كثير من الحيوانات، كلها عوامل ساهمت تاريخيًا في بناء صورة سلبية عنه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف إلى اضطهاد.
فالضبع المخطط ليس حيوانًا يبحث عن الإنسان لمهاجمته، بل هو في الغالب حيوان حذر يفضل النشاط الليلي والابتعاد عن المواجهة.
ويبحث عن الغذاء في مناطق واسعة، وقد يقترب أحيانًا من المناطق التي توجد فيها بقايا الطعام أو الحيوانات النافقة.
لكن ذلك لا يعني أنه تحول إلى حيوان عدواني تجاه البشر.
من الخوف إلى القتل
حادثة الضبع التي شهدتها تونس مؤخرًا أعادت طرح هذه العلاقة الصعبة بين الإنسان والحياة البرية.
فمجرد ظهور حيوان بري نادر في محيط بشري يمكن أن يحول الحيوان في لحظات من كائن يعيش حياته الطبيعية إلى «خطر» في نظر البعض.
وهنا يمكن أن يتحول الخوف إلى مطاردة، والمطاردة إلى اعتداء، والاعتداء إلى موت.
لكن التعامل مع الحيوانات البرية يقتضي دائمًا الحذر، وعدم الاقتراب منها أو محاولة إطعامها أو مطاردتها.
فالضبع المخطط يمتلك قوة بدنية وفكًا قويًا، وأي حيوان بري يمكن أن يتصرف بصورة غير متوقعة عندما يشعر بالتهديد.
لكن ذلك لا يعني أن الحل هو قتله.
بل إن التعامل مع الحيوانات البرية يقتضي تدخل المختصين وإبعاد الحيوان عن التجمعات السكنية وإعادته إلى موطنه الطبيعي متى كان ذلك ممكنًا.
الضبع المخطط… ثاني أكبر الضباع؟
يعد الضبع المخطط ثاني أكبر أنواع الضباع من حيث الحجم في بعض المقارنات التقليدية.
وهو أصغر من الضبع المرقط عمومًا، بينما يتميز عن الضبع البني بانتشاره الجغرافي الأوسع وبمجموعة من الصفات الشكلية والسلوكية الخاصة به.
ولونه الرمادي أو الرملي وخطوطه السوداء على الجسم والقوائم والرأس تجعله من الحيوانات سهلة التمييز نسبيًا.
كما أن لون الفراء وشدة الخطوط قد يتغيران حسب الموسم والعوامل البيئية، فتبدو العلامات أحيانًا أكثر وضوحًا في بعض الفترات.
وتساعد هذه الألوان على الاندماج مع البيئات الجافة والصخرية التي يعيش فيها، خاصة أثناء الليل والفترات التي يكون فيها الضوء ضعيفًا.
كيف يعيش ويتكاثر؟
تعيش الضباع المخططة في الغالب منفردة أو في أزواج أو مجموعات عائلية صغيرة.
ولا تشكل تجمعات ضخمة مثل بعض الحيوانات الاجتماعية الأخرى.
وتضع الأنثى صغارها في جحر آمن، ثم تقوم برعايتهم وإطعامهم.
ويمكن لأفراد الأسرة أن يشتركوا في استخدام بعض الموارد والمناطق.
ويظل الجحر عنصرًا مهمًا في حياة هذا النوع، لأنه يوفر الحماية من درجات الحرارة المرتفعة ومن الحيوانات المنافسة ومن الأخطار البشرية.
ويبلغ متوسط عمره في البرية نحو عشرة إلى اثني عشر عامًا، وقد يعيش لفترة أطول في الأسر والرعاية البشرية.
بينما يعتمد نجاح التكاثر في الطبيعة على توفر الغذاء والمخابئ الآمنة وغياب الاضطرابات الشديدة.
وعندما تبحث الضباع عن الغذاء، فإنها لا تتحرك عشوائيًا، بل تستفيد من معرفة المنطقة ومصادر المياه ومسارات الحيوانات وبقايا الفرائس.
ويمكن أن تتنقل بين مناطق متعددة بحسب توفر الموارد.
قادر على التعايش مع الإنسان… لكن إلى حد
من المثير للاهتمام أن الضبع المخطط يستطيع التعايش مع وجود الإنسان بدرجة معينة.
وهذا أمر يميزه عن بعض الحيوانات المفترسة التي تحتاج إلى مساحات شاسعة من البرية غير المضطربة.
لكن التعايش لا يعني غياب المخاطر.
فكلما اقتربت الأنشطة البشرية من الموائل الطبيعية، زادت فرص الاحتكاك والصراع.
وفي مناطق عديدة من العالم، يتعرض الضبع المخطط للقتل أو التسميم بسبب الخوف أو بسبب اعتقاد بعض السكان أنه يهدد المواشي.
وفي بعض الحالات، يمكن الحد من هذه المشكلات عبر إدارة النفايات والجيف، وحماية المواشي ليلًا، وتوعية السكان بأهمية الحيوان.
نوع يواجه تهديدات متعددة
يشكل تراجع الضبع المخطط في تونس جزءًا من مشكلة أوسع تتعلق بتراجع التنوع البيولوجي.
فالحيوانات البرية تواجه ضغوطًا متعددة تشمل فقدان الموائل الطبيعية، وتجزؤ المناطق البرية، والصيد غير القانوني، والقتل بدافع الخوف، والتسميم، والتوسع العمراني، وتغير استعمالات الأراضي، وتراجع بعض مصادر الغذاء.
ويضاف إلى ذلك أن بعض الحيوانات الكاسحة تتعرض للقتل بسبب الاعتقاد بأنها تشكل خطرًا مباشرًا على الإنسان أو المواشي، رغم أن سلوكها الطبيعي يقوم أساسًا على تجنب الإنسان.
وتشير المعطيات العلمية إلى أن الضبع المخطط أصبح شديد الندرة في تونس، كما أن التسميم والصيد والاضطهاد من بين أبرز التهديدات التي تواجهه.
ويشير تصنيفه عالميًا إلى أنه من الأنواع القريبة من التهديد، وهو ما يعكس الحاجة إلى مواصلة البحث والمراقبة وحماية الموائل الطبيعية.
ورغم أن هذا الحيوان يمتلك قدرة لافتة على التكيف مع البيئات التي يغيرها الإنسان، فإن القدرة على التكيف لا تعني القدرة على تحمل كل أشكال الضغط.
فكلما تراجعت المساحات الطبيعية واتصلت الموائل ببعضها بصورة أقل، أصبح من الصعب على المجموعات الصغيرة أن تتبادل الأفراد.
ويمكن أن يؤدي ذلك إلى عزل الجماعات وتراجع التنوع الوراثي وارتفاع مخاطر الاختفاء المحلي.
وتزداد أهمية هذه المسألة في تونس لأن الضبع المخطط نادر أصلًا، ولذلك فإن فقدان مجموعة محلية واحدة قد تكون له آثار أكبر من فقدان مجموعة من نوع واسع الانتشار.
الكاميرات الفخية تكشف ما لا تراه العين
من هنا تصبح الكاميرات الفخية وأعمال المسح الميداني من أهم الأدوات التي يمكن استخدامها لمعرفة أماكن وجوده، وعدد الأفراد، ومسارات تحركه، والمناطق التي يستخدمها للتكاثر والبحث عن الغذاء.
وقد أثبتت التجارب الحديثة أن الحيوانات الليلية والنادرة لا يمكن دراسة وجودها اعتمادًا على المشاهدة المباشرة فقط.
فاحتمال رؤية الباحث للحيوان في الطبيعة قد يكون ضعيفًا جدًا.
لذلك توفر الكاميرات التي تعمل بالحركة وسيلة فعالة لتسجيل الأنواع دون إزعاجها.
وقد اعتمدت الدراسة التي وثقت وجود الضبع المخطط في دغومس على شبكة من الكاميرات الفخية، وامتدت عمليات التصوير من أبريل 2018 إلى مارس 2022، باستخدام 30 كاميرا، لتجميع أكثر من 25 ألف يوم من التسجيلات.
وسجلت الكاميرات الضبع المخطط خلال شهر واحد فقط في كل من عامي 2018 و2019، قبل أن يرتفع عدد أشهر التسجيل إلى ستة أشهر في كل من 2020 و2021، مع آخر تسجيل في نوفمبر 2021، ومجموع 20 مشاهدة لما لا يقل عن فردين.
وفي المقابل، لم يتم تسجيل النوع في الحديقة الوطنية بجبل الجبيل أو الحديقة الوطنية بسيدي توي خلال فترات المراقبة التي شملت آلاف أيام الكاميرات.
وتكتسب مثل هذه الدراسات أهمية خاصة في تونس، لأنها تساعد على الانتقال من الحديث عن الضبع المخطط باعتباره حيوانًا أسطوريًا أو مخيفًا إلى التعامل معه باعتباره نوعًا بريًا له وضع بيئي محدد يحتاج إلى الحماية العلمية.
المعرفة قد تكون أول خطوة نحو الحماية
نشر الوعي حول دوره يمكن أن يساعد على الحد من قتله.
فجزء من الصراع بين الإنسان والحيوان يبدأ من الخوف والجهل.
وكلما عرف الناس طبيعة الحيوان وسلوكه الحقيقي، أصبح من الممكن التعامل معه بطريقة أكثر عقلانية.
فالضبع المخطط ليس حيوانًا يبحث عن الإنسان لمهاجمته.
بل هو في الغالب حيوان حذر يفضل النشاط الليلي والابتعاد عن المواجهة.
ومع ذلك، فإن الحذر واجب دائمًا عند التعامل مع أي حيوان بري.
ولا ينبغي الاقتراب منه أو مطاردته أو محاولة إطعامه.
لكن المطلوب في المقابل هو عدم تحويل الخوف إلى حكم بالإعدام.
ماذا نحتاج أن نعرف عنه؟
تحتاج تونس إلى مزيد من الدراسات حول هذا النوع.
ليس فقط لمعرفة عدد أفراده، وإنما أيضًا لمعرفة علاقته بالموائل الطبيعية الأخرى وبالأنواع التي تشاركه المنطقة، مثل ابن آوى والثعالب والنسور وغيرها من الحيوانات الكاسحة والمفترسة.
فوجود الضبع المخطط في منظومة بيئية معينة قد يكون مؤشرًا على وجود شبكة غذائية متكاملة وموائل قادرة على دعم الحياة البرية.
بينما يمكن أن يكون اختفاؤه إشارة إلى تغيرات أعمق في البيئة.
وتكتسب المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية التونسية أهمية كبيرة في هذا السياق، لأنها تمثل آخر الملاذات لبعض الأنواع البرية النادرة.
وهي مناطق يجب النظر إليها ليس فقط باعتبارها أراضي شاسعة غير مستغلة، وإنما باعتبارها أنظمة بيئية حية تحتوي على أنواع نباتية وحيوانية متكيفة مع ظروف قاسية.
حماية الضبع تعني حماية موطنه
لذلك فإن حماية الضبع المخطط تعني في الوقت نفسه حماية جزء من الصحراء والسهوب والوديان والمناطق الصخرية التي يعيش فيها.
وحماية هذه الموائل تعني الحفاظ على عشرات الأنواع الأخرى التي تتشارك معه المجال نفسه.
ويجب أن تكون حماية الضبع المخطط جزءًا من سياسة أوسع لحماية الحيوانات البرية، لأن الحفاظ على نوع واحد بمعزل عن النظام البيئي الذي يعيش فيه لا يكون كافيًا.
المطلوب هو حماية الموائل، والحد من الصيد غير القانوني، ومنع التسميم العشوائي، وتنظيم التخلص من الحيوانات النافقة، وتطوير برامج المراقبة بالكاميرات، وتشجيع الجامعات ومراكز البحث على دراسة الأنواع النادرة، وإشراك السكان المحليين في جهود الحماية.
هل يمكن أن يصبح الضبع جزءًا من السياحة البيئية؟
يمكن أن تكون ندرة الضبع المخطط عنصرًا في تطوير السياحة البيئية إذا تم استثمارها بطريقة مسؤولة.
فالحيوانات النادرة تجذب الباحثين ومحبي الطبيعة والمصورين.
ويمكن للمناطق التي تضمها أن تتحول إلى وجهات للمهتمين بالحياة البرية، شريطة ألا تتحول الزيارات إلى مصدر إزعاج للحيوان أو تهديد لموائله.
ومن هنا يمكن لتونس أن تجمع بين حماية التنوع البيولوجي وتشجيع السياحة البيئية والبحث العلمي، خصوصًا في المناطق الجنوبية التي تتميز بتنوع طبيعي وثقافي كبير.
الطبيعة لا تعرف «الحيوانات الضارة»
كما أن وسائل الإعلام يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تغيير الصورة النمطية المرتبطة بهذا الحيوان.
فبدل تقديمه باعتباره رمزًا للخوف أو الشر، يمكن تقديمه باعتباره أحد عمال النظافة الطبيعيين في البرية.
مع التأكيد في الوقت نفسه على أنه حيوان بري يجب احترام مساحته وعدم الاقتراب منه.
فالطبيعة لا تعرف الحيوانات «النافعة» والحيوانات «الضارة» بالمعنى الذي يصنعه الإنسان.
وإنما لكل نوع وظيفة ضمن شبكة مترابطة.
والضبع المخطط واحد من تلك الأنواع التي قد لا تكون جميلة في أعين الجميع، لكنها تؤدي دورًا لا يمكن الاستغناء عنه.
ماذا خسرنا عندما مات؟
الضبع المخطط ليس مجرد حيوان يعيش في الصحراء ويخرج ليلًا بحثًا عن الجيف.
بل هو جزء من تاريخ طبيعي طويل امتد عبر قارات وحضارات.
ونجح هذا النوع في البقاء رغم التغيرات البيئية والبشرية.
لكنه اليوم يواجه تحديات تجعل مستقبله أكثر ارتباطًا بقدرة الإنسان على فهم الطبيعة بدل محاربتها.
وفي تونس، فإن كل صورة تسجلها كاميرا فخية لضبع مخطط ليست مجرد لقطة لحيوان نادر، وإنما وثيقة علمية تؤكد استمرار وجود نوع كان يمكن أن يختفي دون أن يشعر به أحد.
ولهذا فإن ظهور الضبع المخطط في الحديقة الوطنية دغومس وغيره من المناطق الطبيعية يجب أن يُنظر إليه كفرصة للبحث والحماية، لا كسبب للخوف أو المطاردة.
إن الحيوان الذي يقتات على الجيف ليس عدوًا للإنسان، بل يؤدي وظيفة داخل شبكة طبيعية دقيقة.
وإذا كانت الطبيعة قد منحت للضبع قدرة على العثور على بقايا الحيوانات واستهلاكها، فإن الإنسان مطالب بأن يفهم هذه الوظيفة ويحافظ عليها.
الحيوان الذي ارتبط بالموت… ويحمي الحياة
قد يبدو غريبًا للبعض أن يكون حيوان ارتبط في الذاكرة الشعبية بالموت جزءًا من منظومة حماية الحياة.
لكن هذه هي إحدى المفارقات الكبرى في الطبيعة:
فالكائن الذي يأكل الجيفة يساعد على تنظيف البيئة، والكائن الذي يخشاه الإنسان قد يكون ضروريًا لاستقرار النظام الذي يعيش فيه الإنسان نفسه.
ولهذا فإن الضبع المخطط في تونس يستحق أن يتحول من حيوان مجهول ومخيف في المخيال الشعبي إلى رمز من رموز التنوع البيولوجي التونسي.
وإلى موضوع دائم للبحث العلمي والمراقبة والحماية.
لأن اختفاءه لن يعني فقط خسارة حيوان نادر، بل خسارة جزء من التوازن الطبيعي الذي لا يمكن للإنسان أن يعوضه بسهولة.
فالطبيعة لا تعرف الحيوانات «النافعة» والحيوانات «الضارة» بالمعنى الذي يصنعه الإنسان، وإنما لكل نوع وظيفة ضمن شبكة مترابطة.
والضبع المخطط واحد من تلك الأنواع التي قد لا تكون جميلة في أعين الجميع، لكنها تؤدي دورًا لا يمكن الاستغناء عنه.
ومن هنا فإن حماية هذا الحيوان ليست دفاعًا عن الضبع وحده، وإنما دفاع عن البيئة التونسية وعن التوازن البيولوجي وعن حق الأجيال القادمة في أن تجد في البرية التونسية حيوانات ما زالت تؤدي أدوارها الطبيعية.
وأن تسمع يومًا أن الضبع المخطط لم يعد شبحًا نادرًا مهددًا بالاختفاء، بل أصبح نوعًا محميًا ومراقبًا ومفهومًا ومحترمًا، يعيش في موائله الطبيعية بعيدًا عن القتل والسموم والخوف والأساطير.
فالضبع المخطط لا يحتاج منا إلى أن نحبه… يكفي أن نفهمه قبل أن نقتله.




