
مبروكة خذير –الرئيسة المديرة التنفيذية لكوسموس ميديا،متخصصة في البيئة و الاتصال البيئي/ درنة، ليبيا
ثلاث سنوات فقط فصلت درنة عن ليلةٍ انقلبت فيها المدينة على نفسها: فاض الوادي، وانهار السدان، واندفعت المياه من الجبل إلى البحر، حاملةً معها بيوتاً وطرقات ووجوهاً وأحياءً كاملة. وثلاث سنوات كانت كافية، حين عدتُ إليها، لأرى مدينةً أخرى تنبض في قلب المدينة التي عرفها الفقد؛ مدينةً لا تكفّ عن البناء، ولا تمنح معداتها هدنة، كأنها تسابق الزمن لتستعيد بريقها وتقول إن الحياة، مهما تأخرت، تجد طريقها.
لكن الإعجاب بسرعة الإعمار لا يعني أن أكون راضيةً عن صورته السائدة. فما رأيته يبعث على الدهشة، وما يثيره من أسئلة لا يقل أهمية: هل يكفي أن ترتفع المباني وتُفتح الطرق لنقول إن درنة تعافت؟ وهل يكون النجاح في إعادة ما تهدّم فحسب، أم في استثمار هذه اللحظة النادرة لصناعة مدينة أكثر أماناً، وأوفى لخصوصيتها، وأقدر على الصمود؟ درنة لا تحتاج إلى استعادة مبانيها فقط؛ بل إلى استعادة حقها في مستقبل لا يكرّر أسباب الكارثة.
في جولتي، تنقّلت بين مشاهد متجاورة يكاد يصعب تصديق اجتماعها: قناطر ومحولات، وأسواق تستعيد حركتها، ومبانٍ جاهزة للسكن، وأخرى تواصل الصعود. في مواقع العمل، بدت المعدات كأنها لا تتوقف على مدار الساعة؛ أزيز الآلات يملأ المكان، والشاحنات تدخل وتخرج، والعمال ينتشرون بين الهياكل الخرسانية.
في إيقاع المدينة شيء من العناد، ومن رغبة أهلها في أن يسبقوا آثار الكارثة، ويردّوا إلى الشوارع ملمح الحياة اليومية.وتشير تقارير منشورة في الذكرى الثالثة للكارثة إلى أن أعمال الإعمار شملت مساكن وطرقاً وجسوراً ومرافق عامة. كما نقلت وسائل إعلام عن مسؤول محلي أن نسبة الإنجاز المعلنة للمشروعات في درنة بلغت نحو 80 في المئة. وتحدثت تقارير أيضاً عن توزيع 2,500 وحدة سكنية مجهزة على متضررين، وعن مشروع «عمارات الجبل» الذي يضم 552 وحدة موزعة على 51 عمارة، فوق مساحة تبلغ 18 هكتاراً، مع شبكات للمياه والصرف الصحي وتصريف الأمطار والكهرباء وطرق داخلية.
هذه الأرقام تعبّر عن حجم الحركة، لكنها لا تكفي وحدها لقياس التعافي. فالمعيار الأهم هو جودة التنفيذ، وعدالة الوصول إلى السكن والخدمات، واطمئنان الناس إلى أن ما يُبنى اليوم سيحميهم غداً.
ذاكرة لا تُبنى بالإسمنت
لأن ذاكرة المدن لا تُقاس بالإسمنت وحده، توقفت عند مكتبة الملك إدريس الأول في «قصر الزهور»؛ مبنى يحمل طبقات من تاريخ درنة وليبيا، ويستحق أن يُقرأ بوصفه معلماً ثقافياً، لا مشروع ترميم فحسب.
شُيّد القصر في عشرينيات القرن الماضي مقراً للحاكم الإيطالي، ثم ارتبط بالعهد الملكي، قبل أن يُخصّص للتعليم، ويصبح لاحقاً مشروعاً لمكتبة عامة تحمل اسم الملك إدريس. وكان التصور أن تتجاوز المكتبة الكتب الورقية، فتضم مكتبة رقمية وقاعات للمحاضرات والعروض والوثائق؛ لتكون بيتاً للمعرفة وفضاءً عاماً لأهل المدينة.
وقفت أمام لوحة الفسيفساء، وتخيّلت كم من التفاصيل تستطيع قطعة فنية صغيرة أن تحفظ، حتى حين تتعرض مدينة كاملة للمحو. إن ترميم المكتبة لا يعني استعادة جدرانها فحسب؛ إنه محاولة لصون خيط يصل الأجيال بتاريخ المكان.
و قد أظهرت الكارثة هشاشة التراث أيضاً، إذ جرفت السيول صناديق تضم كتباً ومراجع كانت تنتظر التصنيف.
لذلك ينبغي أن يكون إنقاذ المكتبة واستكمال تجهيزها وصيانة مقتنياتها جزءاً من خطة ثقافية متكاملة: أرشفة رقمية، ومخازن آمنة، وبرامج للقراءة، وورش للأطفال والشباب، ومسارات للزيارة تروي تاريخ درنة. فالمكتبة التي تُفتح للناس تعيد إلى المدينة شيئاً لا تعوّضه أي عمارة سكنية: ذاكرتها الحية.
إحياء قطاع السياحة
ومن محطات درنة التي تبيّن كيف يمكن للمكان أن يجمع بين الوظيفة والرمز، فندق «لؤلؤة درنة». أُعيد تأهيل الفندق وتجهيزه، وافتُتح في أكتوبر 2024 ضمن مشروعات إعادة الإعمار. وهو مرفق يحمل إمكانات سياحية واضحة، لا لأنه مكان للإقامة فحسب، بل لأنه يقع في مدينة تمتزج فيها الواجهة البحرية بالجبل والوادي، وتحيط بها مشاهد طبيعية تمنحها شخصية مختلفة عن مدن الساحل المعتادة.
تنبع قوّة درنة السياحية من هذا التداخل بين البحر والجبال ومجرى الوادي، ومن قدرتها على تحويل المشهد الطبيعي إلى تجربة متكاملة: إقامة وثقافة وطعام محلي وزيارات مسؤولة للمواقع التاريخية.
و على شاطئ المدينة، بدت مدينة الألعاب مساحةً للعائلات، ومحاولةً بسيطة، لكنها ذات معنى، لإعادة شيء من البهجة إلى حياة يومية أثقلها الحزن.
لا تمحو الألعاب ما حدث، ولا تختصر ضحكات الأطفال معنى التعافي، لكنها تفتح فسحةً للقاء والراحة والسلوى؛ مكاناً تستطيع الأسر أن تستعيد فيه بعض إيقاعها الطبيعي. وبعد كارثة خلّفت فقداً عميقاً وصدمة اجتماعية، يصبح توفير الفضاءات العامة الآمنة جزءاً من إعادة بناء المدينة، مثلما تصبح الرعاية النفسية والاجتماعية جزءاً من إعادة بناء الإنسان.
سرعة البناء وحدودها
غير أن سرعة المشهد لا ينبغي أن تحجب حجم الخسارة. فقد قدّر التقييم المشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أضرار الفيضانات وخسائرها في ليبيا بنحو 1.65 مليار دولار، واحتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 1.8 مليار دولار.
وشمل التقييم 20 بلدية، مع تركّز 85 في المئة من الأضرار والخسائر في خمس مدن، كانت درنة أشدها تضرراً.
أما في درنة، فقد ظلت الأرقام الإنسانية موضع اختلاف بين الجهات والتقارير. لكن ما لا خلاف عليه أن آلافاً فقدوا حياتهم أو ما زالوا في عداد المفقودين، وأن عشرات الآلاف اضطروا إلى النزوح من بيوتهم. خلف كل نسبة إنجاز أسرة تنتظر الاستقرار، وحيّ يحمل فراغاً لا تملؤه الخرسانة.
من هنا يأتي اعتراضي: أخشى أن يتحول الإعمار إلى سباق في عدد المباني وسرعة افتتاحها، بينما تُهمَل الأسئلة التي تحدد ما إذا كانت درنة الجديدة أكثر أماناً بالفعل.
السرعة فضيلة حين تنقذ الناس وتعيد الخدمات، لكنها تصبح خطراً إذا سبقت التخطيط والرقابة، أو اكتفت بنسخ أنماط عمرانية لا تراعي طبيعة المكان ومخاطره. ولا ينبغي أن تحلّ نسبة الإنجاز محلّ فحص مستقل لجودة الأعمال، وشفافية العقود، ورضا السكان، وكفاءة البنية التحتية، وقدرة المدينة على مواجهة أمطار أشد أو سيول مفاجئة.
درنة مدينة ساحلية يلتقي فيها البحر بالجبل والوادي. وهذه الجغرافيا ليست خلفية جميلة للصور، بل عامل ينبغي أن يوجّه التخطيط من أساسه. ارتبطت كارثة 2023 بأمطار غزيرة وانهيار سدي درنة وأبو منصور، ثم اندفاع المياه عبر مجرى الوادي نحو الأحياء. ويؤكد التقييم الدولي أهمية الجمع بين البنية الهندسية وإجراءات حماية الطبيعة، بما في ذلك إدارة مخاطر الفيضانات واستعادة الأنظمة البيئية وتبنّي حلول قائمة على الطبيعة في الأحواض والمناطق المعرضة للخطر.
هنا تبرز العمارة المستدامة، لا بوصفها زينةً خضراء أو واجهات جميلة، بل طريقةً للتفكير في المبنى والشارع والحيّ على امتداد عمرها. إنها عمارة تخفف استهلاك الطاقة والمياه، وتستخدم الموارد بكفاءة، وتراعي المناخ المحلي، وتقلل أثر البناء على البيئة، و تمنح الناس مساحات صحية قابلة للعيش.
في درنة تحديداً، لا بد أن تقترن الاستدامة بالقدرة على الصمود: أن يلائم المبنى موقعه، وأن يُصمّم وفق دراسة للمخاطر، وأن تكون المرافق والبنية التحتية قادرة على الاستمرار في الطوارئ.
ولا يعني ذلك أن مبنىً واحداً يستطيع أن «يصدّ» كارثة طبيعية بمفرده. فالحماية الحقيقية منظومة تبدأ بمعرفة مسارات المياه ومناطق الخطر، ولا تنتهي عند جودة الخرسانة.
و تشمل تحديث الدراسات الهيدرولوجية والخرائط الجيولوجية، ومنع البناء في مجاري الأودية ومناطق الخطر، وصيانة السدود وفحصها بانتظام ونشر نتائج الفحوص، ووضع أنظمة إنذار مبكر وخطط إخلاء واضحة للسكان. وتشمل أيضاً شبكات لتصريف مياه الأمطار لا تختنق عند العواصف، وجسوراً وطرقاً تراعي احتمالات الجريان والحطام، ومراكز إيواء ونقاط تجمع على أرض مرتفعة، وخدمات طوارئ تستطيع العمل عند انقطاع الكهرباء أو الاتصالات.
وعلى مستوى المباني، يمكن اعتماد مراجعات مستقلة للتصميم والتنفيذ، واختيار مواد ملائمة للمناخ والملوحة والرطوبة، وتأمين تمديدات الكهرباء والمياه والمرافق الحيوية، ورفع الخدمات الحساسة عن مستويات الغمر المحتملة. وعلى مستوى الأحياء، ينبغي أن تتصل المساحات الخضراء وممرات المياه وشبكات الصرف في منظومة واحدة، بدلاً من التعامل مع كل مشروع باعتباره جزيرة منفصلة.
أما على مستوى الحوكمة، فشفافية العقود والجداول الزمنية ونتائج فحوص السلامة ليست تفصيلاً إدارياً؛ إنها جزء من حق السكان في الأمان والمعرفة.
درنة والتجارب العالمية
تقدم تجارب مدن العالم شواهد على أن الاستدامة ليست ترفاً معمارياً، بل استثمار في سلامة الناس واقتصاد المدينة وجودة الحياة. ففي كوبنهاغن، تحولت خطط التعامل مع الأمطار الغزيرة إلى فرصة لإعادة تصميم الشوارع والساحات، بحيث تصرّف مياه العواصف وتغدو في الوقت نفسه حدائق ومساحات للراحة واللقاء.
و تفيد دراسة لخطة إدارة الأمطار بأن الحلول المتكاملة تحقق منفعة اجتماعية اقتصادية تُقدّر بنحو 5 مليارات كرونة دنماركية مقارنةً بعدم اتخاذ إجراء، وبنحو 9 مليارات كرونة مقارنةً بالاكتفاء بحلول الصرف التقليدية.
وفي حيّ فوبان بمدينة فرايبورغ الألمانية، يجمع التخطيط بين السكن والعمل والخدمات، ويمنح أولوية للترام والدراجات والمشي، إلى جانب مبانٍ منخفضة الاستهلاك للطاقة. ووفق معلومات مدينة فرايبورغ، يبلغ معيار المباني منخفضة الطاقة 65 كيلوواط ساعة للمتر المربع سنوياً، فيما لا يتجاوز الاستهلاك في كثير من المنازل السلبية 15 كيلوواط ساعة.
أما سنغافورة، فتتعامل مع الاستدامة بوصفها خطة مترابطة تشمل الطبيعة والحياة المستدامة والطاقة والاقتصاد الأخضر والقدرة على الصمود؛ أي إنها تربط حماية البيئة بفرص العمل والنمو والاستثمار، لا باعتبارها بنداً إضافياً في كلفة التطوير.
ليس المطلوب أن تنسخ درنة أشكال هذه المدن، بل أن تستلهم مبادئها: تحويل تصريف المياه إلى شبكة خضراء آمنة، وربط الأحياء بالخدمات والنقل، وفرض كفاءة الطاقة والمياه في البناء، وتوجيه الاستثمار نحو مشروعات تخلق فرص عمل محلية وتزيد جاذبية المدينة. بهذه المقاربة يصبح الإعمار أداةً لتقليل الخطر، وخلق الفرص الاقتصادية، وتحسين الحياة اليومية؛ لا مجرد سباق لإضافة المباني إلى أفق المدينة.
تملك درنة إمكانات تؤهلها لتجاوز مرحلة إصلاح الضرر. فلديها موقع ساحلي وجبلي استثنائي، وذاكرة ثقافية غنية، ومرافق عامة يمكن أن تستعيد دورها، وأعمال إعمار قادرة على تحريك سوق العمل والمهن المحلية.
كما يوضح مشروع «عمارات الجبل»، بما يتضمنه من مساكن وبنية تحتية، حجم الفرصة المتاحة لتحويل المشروعات السكنية إلى أحياء متكاملة، تشمل الخدمات والمساحات العامة والنقل وتصريف الأمطار.
و تفيد وكالة الأنباء الليبية بأن أعمال الإعمار أعادت إلى الواجهة مشروعات الطرق والجسور والمرافق، فيما تحاول المدينة استعادة نشاطها الثقافي والرياضي والاجتماعي بالتوازي مع البناء.
لكن الفرصة الأثمن هي أن تختار درنة صورتها المقبلة بنفسها. كان يمكن، وما يزال ممكناً، أن تصبح المدينة وهي تعيد بناء نفسها منارةً سياحية ومعمارية، لا بتقليد مدن أخرى، بل بتطوير لغة معمارية تليق بخصوصيتها، وتستلهم تضاريسها وذاكرتها وموادها المحلية، وتحترم البحر والوادي، وتوازن بين حاجات السكان ومقومات السياحة.
عمارة إبداعية ومستدامة؛ مبانٍ لا تطغى على المشهد الطبيعي، وشوارع تيسّر حركة الناس، وواجهات عامة تعيد وصل المدينة بشاطئها، ومسارات ثقافية تربط المكتبة بالمدينة القديمة والأسواق والمعالم.
عرف العالم درنة عبر الدمار الذي خلّفته العاصفة دانيال، واتجهت إليها الأنظار في لحظة مأساوية. أما التحدي الآن فهو أن يعرفها العالم أيضاً بما تختاره بعد الكارثة: مدينةً تعلّمت من الدرس، وصانت حق أهلها في الأمان، وحوّلت التعافي إلى نموذج يُحتذى. لا أريد لدرنة أن تكون مجرد مدينة أُعيد بناؤها بسرعة؛ أريدها أن تكون مدينة أعادت التفكير في معنى البناء نفسه.
عدتُ من جولتي بانطباعين لا يتناقضان: إعجابٌ بنبض مدينة لم تنتظر طويلاً كي تنهض، وقلقٌ من أن يسبق البناءُ السؤالَ عن المستقبل.
رأيت القناطر والأسواق والعمارات والآلات التي تعمل بلا توقف، ورأيت في المقابل أن أمام درنة فرصة لا ينبغي أن تضيع بين الإسمنت والاستعجال.
أن تعود المدينة إلى بريقها أمرٌ جميل؛ والأجمل أن يعود بريقها في صورة أكثر أماناً وابتكاراً واستدامة. عندها فقط لن تكون درنة قد استعادت ما فقدته فحسب، بل ستكون قد بنت لنفسها مكانةً جديدة: منارةً سياحية ومعمارية، ومدينةً تعرف أن أقوى أثرٍ يمكن أن تتركه الكارثة هو أن نتعلم منها، ثم نبني على هذا التعلّم حياةً أصلب وأجمل.




