مبروكة خذير–كوسموس ميديا–تونس
التعداد العام للفلاحة مشروع وطني لبناء قاعدة بيانات دقيقة حول المستغلات الفلاحية، وتحديد الاحتياجات الحقيقية للقطاع، ودعم القرار في مواجهة تحديات الأمن الغذائي وشحّ المياه والتغيرات المناخية. وكان هذا المشروع محور دورة تدريبية نظمها المركز الإفريقي لتدريب الصحفيين والاتصاليين بالشراكة مع وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري يومي 12 و13 أكتوبر 2026، بمقر المركز.
كيف يمكن لتونس أن تخطط لمستقبل فلاحتها إذا لم تكن تملك صورة دقيقة ومحيّنة عن مستغلاتها الفلاحية، ومساحاتها المزروعة، ومواردها المائية، وثروتها الحيوانية، وحاجيات الفلاحين؟ وكيف يمكن توجيه الدعم والاستثمارات إلى مستحقيها دون بيانات موثوقة تساعد على فهم واقع القطاع وتفاوتاته بين الجهات؟
تضع هذه الأسئلة التعداد العام للفلاحة في قلب النقاش حول مستقبل التنمية الفلاحية في تونس، باعتباره أكثر من مجرد عملية إحصائية أو استمارات يجري ملؤها في الميدان. إنه مشروع وطني يهدف إلى بناء مرجع إحصائي شامل، يمكن الاستناد إليه في صياغة السياسات العمومية، وتحديد الأولويات، وتقييم الحاجيات، وتحسين التصرف في الموارد المتاحة.
وفي هذا السياق، جاءت الدورة التدريبية الموجهة إلى الصحفيين والاتصاليين لتقريب هذا المشروع من الإعلاميين، وتعزيز قدرتهم على تفسير أهدافه وآليات تنفيذه، وتقديم معلومات واضحة للجمهور، بعيدًا عن الخلط بين التعداد الفلاحي والتعداد العام للسكان أو الإحصاءات الدورية المتعلقة بالإنتاج والأسعار.

الإعلام شريك في بناء الثقة ونشر المعلومة الصحيحة
أكد سامي وسلاتي، مدير إدارة التكوين والبحوث والدراسات بالمركز الإفريقي لتدريب الصحفيين والاتصاليين، أن المركز يعمل اليوم على دعم العلاقة بين مؤسسات الدولة والإعلاميين والصحفيين، بما يخدم نشر المعلومة الصحيحة ويعزز التواصل بين الهياكل العمومية والجمهور.
ويكتسي هذا الدور أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بمشروع وطني واسع النطاق، مثل التعداد العام للفلاحة، الذي يحتاج إلى تضافر جهود المؤسسات المشرفة عليه، وأعوان الميدان، والإعلام، والفلاحين أنفسهم.
فنجاح التعداد لا يتوقف على الجانب الفني وحده، بل يرتبط أيضًا بمدى فهم المواطنين لأهدافه، وثقتهم في الجهات التي تنفذه، واستعدادهم لتوفير المعلومات المطلوبة. ومن هنا تبرز أهمية الإعلام في شرح طبيعة العملية، وتوضيح الفرق بين جمع البيانات لأغراض إحصائية وتنفيذ إجراءات إدارية فردية، والتصدي للمعلومات المغلوطة التي قد تؤثر في مشاركة الفلاحين.
ولا يقتصر دور الصحفي في هذا المجال على نقل البلاغات الرسمية، بل يشمل مساءلة الجهات المعنية حول تقدم المشروع، وتفسير المؤشرات، وإبراز ما تعنيه الأرقام بالنسبة إلى الفلاح الصغير، والمرأة الفلاحة، والمستثمر، والمناطق التي تعاني شحّ المياه أو ضعف البنية التحتية.
نبيل زروق: مشروع وطني لفهم واقع الفلاحة وتحديد احتياجاتها
نبيل زروق لكوسموس ميديا: «نحتاج إلى بيانات دقيقة لفهم واقع قطاع الفلاحة ورسم ملامح مستقبله»
في بلدٍ تتزايد فيه التحديات المرتبطة بشحّ المياه والتغيرات المناخية والأمن الغذائي، لم يعد فهم واقع القطاع الفلاحي ممكنًا بالاعتماد على أرقام متفرقة أو معطيات قديمة لا تعكس التحولات التي تعيشها المستغلات الفلاحية من جهة إلى أخرى. فخلف كل هكتار من الأرض، وكل منظومة ريّ، وكل قطيع من الماشية، تفاصيل تكشف واقع الإنتاج واحتياجات الفلاحين، وتساعد على تحديد الخيارات التنموية الأكثر ملاءمة.
من هذا المنطلق، يكتسب مشروع التعداد العام للفلاحة في تونس أهمية تتجاوز مجرد إحصاء المستغلات أو تحديد عدد الناشطين في القطاع، ليشكّل خطوة نحو بناء قاعدة بيانات مرجعية تساعد على فهم البنية الفلاحية في البلاد، ورصد خصائصها، وتحديد احتياجاتها وفق معطيات ميدانية أكثر دقة وشمولًا.
وخلال الدورة التدريبية حول «التعداد العام للفلاحة في تونس»، التي نظمها المركز الإفريقي لتدريب الصحفيين والاتصاليين بالشراكة مع وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري يومي 12 و13 أكتوبر 2026، قدّم نبيل زروق، المكلف بتسيير الإدارة العامة للدراسات والتنمية الفلاحية بالوزارة، عرضًا حول المشروع الوطني وأهدافه ومخرجاته المنتظرة.
وفي شهادته لمنصة كوسموس ميديا، يوضح نبيل زروق أن الرهان الأساسي من هذا المشروع يتمثل في توفير قاعدة بيانات مرجعية تتيح تكوين صورة أكثر دقة عن واقع القطاع الفلاحي، بعيدًا عن الاعتماد على معطيات متفرقة أو متفاوتة من حيث التحيين والتغطية.
يقول زروق في هذا السياق :”التعداد العام للفلاحة ليس مجرد عملية لإحصاء عدد الفلاحين، بل هو فرصة لفهم خصائص المستغلات الفلاحية وطبيعة استغلال الأراضي والموارد المتاحة، بما يساعد على تكوين صورة شاملة عن واقع القطاع واحتياجاته”

من إحصاء المستغلات إلى فهم واقع الفلاحة
ما الذي نعرفه اليوم عن خصائص المستغلات الفلاحية في تونس؟ وكيف تتوزع الأراضي والموارد وأنظمة الري بين الجهات؟ وأين تتركز الاحتياجات الأكثر إلحاحًا؟
أسئلة يسعى التعداد العام للفلاحة إلى توفير معطيات تساعد على الإجابة عنها.
ويشمل هذا المسح الإحصائي الواسع جمع معلومات تتعلق بخصائص المستغلات الفلاحية والمساحات الزراعية وأنظمة الري والموارد المتاحة وتربية الماشية، إلى جانب مؤشرات أخرى تساعد على فهم البنية الاقتصادية والاجتماعية للقطاع.
ويؤكد نبيل زروق، في هذا السياق، أن أهمية التعداد تكمن في ما يمكن أن يوفره من معطيات هيكلية حول المستغلات الفلاحية، بما يسمح بالانتقال من التقديرات العامة إلى معرفة أكثر دقة بواقع النشاط الفلاحي في مختلف مناطق البلاد.
وتبرز أهمية هذه المعطيات خصوصًا في بلد تتباين فيه الظروف الطبيعية والإمكانات الإنتاجية من منطقة إلى أخرى. فالتحديات التي تواجه الفلاحين في المناطق المتضررة من الإجهاد المائي قد تختلف عن تلك التي تعيشها مناطق أخرى، كما تتفاوت الاحتياجات المتعلقة بالتجهيزات والإرشاد الفلاحي ودعم صغار المنتجين.
ومن شأن البيانات التي سيوفرها التعداد أن تساعد على إبراز هذه الفوارق المجالية، وتحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخلات أكثر إلحاحًا، بما يجعل السياسات الفلاحية أكثر ارتباطًا بالواقع الميداني.
قاعدة بيانات لدعم القرار والتخطيط
من أبرز المخرجات المنتظرة من المشروع بناء قاعدة بيانات رقمية مرجعية تتضمن معلومات عن المستغلات الفلاحية وتوزيعها الجغرافي، بما يتيح تحليل واقع القطاع على مستويات ترابية دقيقة، وصولًا إلى العمادات أو المناطق الفلاحية، وفق نطاق البيانات التي سيشملها المشروع.
وبالنسبة إلى وزارة الفلاحة، لا تقتصر أهمية هذه القاعدة على توفير معلومات إحصائية، بل تتصل أيضًا بإمكانية توظيفها في التخطيط وتوجيه البرامج التنموية وتقييم نتائجها.
وفي هذا الإطار، يبرز زروق أهمية الانتقال إلى اتخاذ القرارات استنادًا إلى معطيات ميدانية موثوقة، بما يساعد على تحديد الأولويات بصورة أكثر دقة.
غير أن القيمة الفعلية لهذه القاعدة ستظل مرتبطة بجودة البيانات التي سيجري جمعها، ودقة التثبت منها، وقدرة المؤسسات المعنية على استثمارها وتحيينها. فالمعلومات لا تتحول تلقائيًا إلى قرارات ناجعة، بل تحتاج إلى آليات واضحة للتحليل والتوظيف والمتابعة.
حين تتحول الأرقام إلى مادة صحفية
ولا تقتصر أهمية التعداد العام للفلاحة على المؤسسات الحكومية والباحثين، بل تمتد إلى الصحفيين الذين يسعون إلى تفسير التحولات التي يشهدها القطاع، وربط المؤشرات الإحصائية بالتجارب اليومية للفلاحين.
فالأرقام المتعلقة بالمساحات الزراعية وأنظمة الري وتوزيع المستغلات يمكن أن تفتح المجال أمام تحقيقات معمقة حول إدارة الموارد المائية، والفوارق بين الجهات، وأوضاع صغار المنتجين، وتأثير التغيرات المناخية في النشاط الفلاحي.
ومن خلال المقارنة بين المعطيات المتاحة والشهادات الميدانية، يستطيع الصحفي الانتقال من نقل الأحداث إلى تحليل أسبابها، والتحقق من التصريحات، وطرح أسئلة أكثر دقة حول السياسات العمومية ونتائجها.
كما يمكن أن تمثل قاعدة البيانات موردًا مهمًا للجامعات ومراكز البحث ومؤسسات التخطيط، بما يدعم الدراسات المتعلقة بالتنمية الفلاحية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية في المناطق الريفية.
وفي المحصلة، يفتح التعداد العام للفلاحة في تونس الباب أمام بناء معرفة أكثر دقة بالقطاع، لكن التحدي الحقيقي لا ينتهي عند جمع المعطيات؛ بل يبدأ مع القدرة على تحويلها إلى قرارات عملية تستجيب لاحتياجات الفلاحين وتراعي خصوصيات الجهات.
ففي زمن تتزايد فيه الضغوط على الموارد الطبيعية وتتعمق فيه التحديات المناخية، تصبح البيانات الدقيقة أكثر من مجرد أرقام في جداول إحصائية؛ إنها إحدى الأدوات الأساسية لفهم واقع الفلاحة التونسية، واستشراف مستقبلها، وتحديد الخيارات القادرة على تعزيز قدرتها على الصمود والاستمرار.
لماذا تحتاج تونس إلى تعداد عام للفلاحة؟
لفهم أهمية التعداد، ينبغي التمييز بينه وبين الإحصاءات الفلاحية الدورية. فالإحصاء المتعلق بإنتاج الزيتون، على سبيل المثال، يجيب عن سؤال يتعلق بحجم الإنتاج أو تطوره خلال فترة معينة. أما التعداد العام فيبحث في البنية الأساسية التي يقوم عليها النشاط الفلاحي: من يستغل الأرض؟ وما مساحة المستغلة؟ وكيف تُستعمل الأراضي؟ وما الموارد والتجهيزات المتوفرة؟ وما خصائص النشاط الفلاحي الذي تمارسه؟

وتسمح هذه المعطيات بالإجابة عن أسئلة أكثر عمقًا: أين تتركز المستغلات الصغيرة؟ ما المناطق الأكثر اعتمادًا على الري؟ كيف يتوزع النشاط الزراعي وتربية الماشية؟ وأين تتراكم الحاجيات التي تتطلب استثمارات أو تدخلات تنموية؟
وفي بلد يواجه تحديات مرتبطة بتراجع الموارد المائية، وتواتر سنوات الجفاف، وارتفاع كلفة الإنتاج، والتغيرات المناخية، تصبح المعلومات الدقيقة أداة ضرورية لفهم مواطن الضعف وتحديد أولويات التدخل.
فإذا أظهرت البيانات، مثلًا، تركز مستغلات تعتمد على الموارد المائية في مناطق تعاني ضغطًا مائيًا متزايدًا، فإن هذه المؤشرات يمكن أن تساعد على توجيه سياسات أكثر ملاءمة للموارد المتاحة، وتشجيع الممارسات الزراعية المستدامة، وتحسين التخطيط للاستثمار في الري.
وبالمثل، يمكن للبيانات المتعلقة بالمساحات المستغلة، وأنواع الأنشطة، والموارد المتوفرة أن تساعد على تقييم احتياجات الفلاحين، وفهم الفوارق بين المستغلات الكبرى والصغرى، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى مزيد من الإحاطة الفنية والاقتصادية.
لكن التعداد لا يقدم حلولًا آلية لهذه المشكلات. فقيمته الحقيقية ترتبط بمدى جودة المعلومات التي يجمعها، وقدرة المؤسسات على تحليلها وتحيينها، ثم تحويل نتائجها إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ والتقييم.
من سيشمل التعداد؟ وما القطاعات المعنية به؟
يستهدف التعداد العام للفلاحة المستغلات الفلاحية بمختلف أحجامها وأنشطتها، بما في ذلك المستغلات الصغيرة التي قد لا تظهر بالقدر الكافي في بعض قواعد البيانات الإدارية أو الإحصاءات القطاعية.
والمقصود بالمستغلة الفلاحية هو الوحدة التي تمارس نشاطًا فلاحيًا تحت إدارة واحدة، سواء كانت الأرض مملوكة لصاحب النشاط أو مستغلة بموجب صيغة أخرى، وسواء كانت المستغلة صغيرة أو كبيرة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل مستغلة تمثل شخصًا واحدًا، إذ قد يدير الشخص نفسه أكثر من مستغلة، كما قد تشمل المستغلة الواحدة أكثر من قطعة أرض.
ويهدف هذا المفهوم إلى حصر الوحدات التي تمارس النشاط الفلاحي وفق التعريفات والمعايير الفنية المعتمدة في التعداد، وليس الاقتصار على أصحاب الأراضي المسجلة أو المؤسسات الفلاحية الكبرى.
وبحسب الوثيقة المنشورة بشأن التحضيرات للمشروع، قُدّر عدد المستغلات الفلاحية التي كان من المنتظر تغطيتها بنحو 831 ألف مستغلة، بما في ذلك المستغلات الصغيرة التي يجري تحديدها جغرافيًا ضمن الأعمال التحضيرية. ويظل هذا الرقم تقديرًا مرجعيًا سابقًا، لا نتيجة نهائية للتعداد الجاري.
ومن الضروري هنا توضيح نقطة أساسية: التعداد موضوع الدورة التدريبية هو تعداد عام للفلاحة، ولا يشمل قطاع الصيد البحري، رغم ورود الصيد البحري ضمن الاسم الرسمي للوزارة المشرفة عليه.
ويهدف هذا التحديد إلى منع الخلط بين المجال الإداري الذي تشرف عليه الوزارة وبين النطاق الإحصائي الخاص بالمشروع، الذي يركز على المستغلات والأنشطة الفلاحية وفق التعريفات المعتمدة.
كيف سيجري العمل الميداني؟
لا يبدأ التعداد بمجرد وصول العداد إلى المستغلة الفلاحية، بل تسبقه مراحل تحضيرية ضرورية لضمان شمول العملية ودقة المعلومات.
وتشمل هذه الأعمال إعداد الوثائق الفنية والاستمارات، وتحديد الوحدات التي ينبغي تغطيتها، وإعداد الخرائط وقواعد البيانات المكانية، وتكوين الأعوان المكلفين بجمع المعلومات، إلى جانب وضع آليات لمراقبة جودة البيانات ومعالجتها.
وفي هذا السياق، تمثل عملية الحصر القبلي وتحديد مواقع المستغلات خطوة مهمة، لأنها تساعد على بناء إطار إحصائي واضح يوجه العمل الميداني ويقلل مخاطر السهو أو التكرار.
ويحتاج العداد، خلال زيارته الميدانية، إلى تحديد المستغلة وجمع المعطيات المتعلقة بها وفق الاستمارة المعتمدة، مع التثبت من صحة الإجابات واحترام قواعد العمل الإحصائي. وبعد ذلك، تخضع البيانات للمراجعة والمعالجة والتحقق، قبل اعتمادها في إعداد النتائج والمؤشرات.
كما يتطلب نجاح هذه المرحلة تنسيقًا بين المصالح المركزية والجهوية والمحلية، وتوفير الموارد البشرية واللوجستية اللازمة، والتأكد من أن المستغلات الصغيرة والمناطق البعيدة لا تُستثنى من التغطية.
وتبقى جودة التعداد مرتبطة بقدرته على الوصول إلى مختلف الوحدات المستهدفة، وليس فقط بجمع أكبر عدد ممكن من الاستمارات. فالمعلومة الناقصة أو غير الدقيقة قد تؤثر في التحليل النهائي وفي القرارات التي ستُبنى عليه.

عبد القادر الطلحاوي: التحضير للميدان شرط أساسي لنجاح التعداد
خصصت الدورة جانبًا مهمًا للتحضير الميداني، من خلال مداخلة عبد القادر الطلحاوي، الخبير في التعدادات، الذي تناول الجوانب العملية المرتبطة بتنظيم عمليات الحصر وجمع المعطيات.
فالعمل الميداني هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع إحصائي واسع النطاق. إذ لا يكفي أن تكون الاستمارة دقيقة أو أن تكون قاعدة البيانات مصممة بطريقة جيدة؛ بل ينبغي التأكد من قدرة الفرق على الوصول إلى المستغلات المستهدفة، وتحديدها دون التباس، وجمع المعلومات وفق منهجية موحدة.
وتشمل التحديات العملية التي ينبغي الاستعداد لها اختلاف طبيعة المستغلات بين الجهات، وتشتت بعض الأراضي، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، فضلًا عن ضرورة التمييز بين الوحدات الفلاحية المتجاورة أو التي تتشارك في بعض الموارد أو التجهيزات.
كما تتطلب العملية تكوين الأعوان على استعمال أدوات الجمع الرقمية، وشرح الأسئلة للمستجوبين بوضوح، وتجنب التأثير في إجاباتهم، والتحقق من اتساق المعلومات قبل إحالتها إلى مراحل المعالجة.
ومن المسائل المهمة أيضًا توحيد فهم المفاهيم الإحصائية لدى جميع الأعوان، حتى لا تختلف طريقة تسجيل المعلومات من منطقة إلى أخرى. فالمقارنة بين الجهات لا تكون ذات قيمة إلا إذا جُمعت البيانات وفق التعريفات والقواعد نفسها.
وتبرز هنا أهمية الإشراف الميداني، من خلال متابعة سير العمل، والتثبت من احترام المنهجية، ومعالجة الإشكاليات التي تظهر أثناء التنفيذ، فضلًا عن اعتماد إجراءات واضحة للتعامل مع الأخطاء أو المعلومات الناقصة.
إن الاستعداد الجيد للميدان لا يضمن فقط دقة النتائج، بل يساهم أيضًا في ترسيخ ثقة الفلاحين في العملية، خاصة عندما يلمسون وضوح أهدافها واحترام خصوصية المعلومات التي يقدمونها.
سناء قاسم: الرقمنة من جمع البيانات إلى دعم القرار
تمثل الرقمنة أحد المحاور الأساسية في تطوير التعداد العام للفلاحة، وقد قدمت سناء قاسم، ممثلة عن الإدارة العامة للدراسات والتنمية الفلاحية، توضيحات بشأن اعتماد الأدوات الرقمية ومجالات استخدامها في المشروع.
ولا تقتصر الرقمنة هنا على استبدال الورقة بجهاز إلكتروني، بل تشمل سلسلة متكاملة من العمليات تبدأ بتحديد مواقع المستغلات، وتمتد إلى جمع البيانات والتحقق منها ومعالجتها وربطها بمعلوماتها الجغرافية.
ويمكن للأدوات الرقمية أن تتيح تسجيل المعلومات مباشرة في الميدان، والحد من بعض أخطاء النقل اليدوي، وتسهيل مراجعة البيانات واكتشاف الإجابات غير المتناسقة، فضلًا عن تسريع إحالتها إلى فرق المعالجة والتحليل.
كما تسمح نظم المعلومات الجغرافية بربط البيانات بمواقع المستغلات، ما يتيح إنتاج خرائط رقمية تساعد على فهم توزيع الأنشطة الفلاحية والموارد والاحتياجات على مستوى الجهات والمناطق.
وتبرز أهمية هذا الجانب عند دراسة قضايا مثل التفاوت في توزيع المستغلات، أو الضغط على الموارد المائية، أو توزع الأنشطة الزراعية وتربية الماشية. فربط المعلومات الإحصائية بالموقع الجغرافي يمنح صانع القرار قدرة أكبر على قراءة الفوارق المكانية وتحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخلات خاصة.
ويمكن أن تشكل قاعدة البيانات الرقمية، في مرحلة لاحقة، أساسًا لتطوير منظومة إحصائية فلاحية أكثر استدامة، تسمح بتحيين المعلومات ومقارنتها عبر الزمن، وربط نتائج التعداد بمصادر إحصائية أخرى، وفق الضوابط الفنية والقانونية المعتمدة.
لكن الرقمنة لا تلغي الحاجة إلى التثبت الميداني أو المراجعة البشرية. فجودة النظام الرقمي تظل مرتبطة بصحة المعلومات المدخلة، ووضوح التعريفات، وتأهيل الأعوان، وتوفير البنية التحتية اللازمة، وحماية البيانات من النفاذ غير المرخص به.
ويظل التحدي الأهم هو الانتقال من قاعدة بيانات تُنجز لمناسبة إحصائية واحدة إلى منظومة معلوماتية قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها القطاع الفلاحي، مع المحافظة على موثوقية المؤشرات واستمرارية تحيينها.

سرية البيانات: أساس الثقة بين الفلاح والإدارة
أكد المشاركون في الدورة أهمية احترام سرية المعلومات التي سيجري جمعها خلال التعداد، باعتبارها شرطًا أساسيًا لبناء الثقة وتشجيع الفلاحين على تقديم إجابات دقيقة.
فالمستجوب يحتاج إلى معرفة الغرض من الأسئلة، والجهة التي تشرف على جمع المعلومات، وكيفية استعمال البيانات، والضمانات التي تحميها. وكلما كانت هذه المسائل واضحة، تراجعت المخاوف التي قد تدفع بعض المشاركين إلى الامتناع عن الإجابة أو تقديم معلومات غير دقيقة.
ومن الضروري التمييز بين البيانات الفردية التي يتم جمعها عن المستغلات، وبين النتائج الإحصائية المجمعة التي تُستخدم لإظهار خصائص القطاع واتجاهاته. فالغاية من التعداد هي إنتاج معرفة موثوقة حول البنية الفلاحية، لا تحويل المعلومات المقدمة إلى وسيلة للتشهير بالأفراد أو كشف تفاصيلهم الخاصة.
وتكتسي حماية البيانات أهمية إضافية عند استعمال الوسائل الرقمية، إذ ينبغي تأمين الوصول إلى المعلومات، وتحديد صلاحيات المستخدمين، وحماية قواعد البيانات، واحترام الأطر القانونية المنظمة للسرية الإحصائية.
إن الثقة ليست عنصرًا ثانويًا في التعداد، بل جزء من شروط نجاحه. فالمعلومة الصحيحة تبدأ من مستجوب يفهم لماذا يُطلب منه تقديمها، ويطمئن إلى أن التعامل معها يتم وفق الضوابط المعتمدة.
ماهي قاعدة البيانات القديمة التي سيُبنى عليها التعداد؟
يطرح الحديث عن التعداد سؤالًا أساسيًا يتعلق بالمعلومات المتوفرة سابقًا: هل تبدأ تونس من الصفر، أم ستستفيد من قواعد البيانات والإحصاءات التي جُمعت خلال السنوات الماضية؟
تُظهر المعطيات الإحصائية المنشورة أن تونس تتوفر على بيانات هيكلية سابقة للقطاع الفلاحي، من بينها مؤشرات مرتبطة بالمساحات المستغلة وعدد المستغلات، كما توجد أعمال تحضيرية خاصة بالتعداد تشمل إعداد قواعد بيانات رقمية وتحديدًا جغرافيًا للمستغلات.
ومن المرجعيات التاريخية المهمة التعداد الفلاحي لسنة 2004-2005، الذي ترد بياناته ضمن السلاسل الإحصائية السابقة للقطاع. وتتيح هذه المعطيات، من حيث المبدأ، إجراء مقارنات تاريخية حول تطور عدد المستغلات والمساحات وغيرها من المؤشرات التي تتوفر بشأنها بيانات قابلة للمقارنة.
غير أن قاعدة البيانات التاريخية لا يمكن اعتبارها تلقائيًا القائمة النهائية التي سيُنجز التعداد الجديد انطلاقًا منها. فالمعطيات القديمة قد تحتاج إلى مراجعة وتحيين، كما أن التغيرات التي عرفها القطاع خلال السنوات الماضية، من انتقال ملكية الأراضي إلى تغير أنماط الاستغلال أو ظهور مستغلات جديدة، تجعل التثبت الميداني ضروريًا.
أما القاعدة الرقمية التي أُعدت خلال مرحلة ما قبل العد، فتؤدي وظيفة مختلفة تتمثل في توفير إطار يساعد على تحديد المستغلات ومواقعها وتوجيه عملية الحصر الفعلي.
ولذلك ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: البيانات التاريخية المستعملة للمقارنة، وقاعدة البيانات التحضيرية التي تساعد على تحديد المستغلات، والقاعدة المرجعية الجديدة التي يُفترض أن تنتج عن استكمال التعداد والتحقق من نتائجه.
أما التحديد الدقيق لاسم قاعدة البيانات القديمة التي ستُعتمد رسميًا، وسنة تحيينها، ومدى دمجها في النظام الجديد، فيحتاج إلى تأكيد من الإدارة العامة للدراسات والتنمية الفلاحية. فالمعلومات المتاحة لا تكفي للجزم بأن قاعدة بعينها هي المصدر الوحيد أو الرسمي للتعداد الجاري.
من تعداد لمرة واحدة إلى منظومة إحصائية مستدامة
تتجاوز أهمية التعداد العام للفلاحة لحظة جمع المعلومات، لتتعلق بما سيحدث لهذه البيانات بعد استكمال العملية. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في إنتاج قاعدة رقمية فحسب، بل في ضمان استمرارية الاستفادة منها وتحيينها وربطها بالقرارات والسياسات العمومية.
ومن هذا المنطلق، يبرز الهدف الأوسع للمشروع: الانتقال من التعداد إلى منظومة إحصائية رقمية مستدامة لدعم اتخاذ القرار.
وتعني هذه الرؤية تطوير قدرة المؤسسات على متابعة التحولات التي يعرفها القطاع الفلاحي، ومقارنة المؤشرات عبر الزمن، وتحديد التغيرات في استعمال الأراضي والموارد، وتحسين تقدير الاحتياجات، ورصد الفوارق بين الجهات.
كما يمكن أن تتيح قاعدة البيانات، وفق قواعد النفاذ وحماية المعلومات، تطوير مؤشرات أكثر دقة لفائدة الباحثين والصحفيين ومؤسسات التخطيط، بما يعزز الشفافية ويجعل النقاش حول السياسات الفلاحية قائمًا على أدلة قابلة للتحقق.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موارد بشرية مؤهلة، وبنية رقمية آمنة، ووضوحًا في مسؤوليات تحيين البيانات، وتنسيقًا بين المؤسسات التي تنتج المعلومات أو تستعملها، إلى جانب نشر النتائج الإحصائية في صيغ مفهومة وقابلة للاستغلال.
فالتعداد الناجح ليس الذي يجمع المعلومات فقط، بل الذي يحولها إلى معرفة عامة تساعد على فهم الواقع وتقييم السياسات وتصحيح الاختلالات.
تونس في أفق المئوية العالمية للتعداد الفلاحي
ومن المنتظر أن تنطلق عملية التعداد العام للفلاحة في تونس خلال شهر نوفمبر 2026، لتمتد على مدى ستة أشهر، في إطار مسح إحصائي شامل يهدف إلى جمع معطيات دقيقة حول واقع القطاع الفلاحي وخصائص المستغلات الفلاحية بمختلف جهات البلاد. وسيشمل التعداد معطيات تتعلق بالموسم الفلاحي السابق لإجراء المسح، بما يتيح تكوين صورة أوضح عن النشاط الفلاحي خلال تلك الفترة، من حيث استغلال الأراضي والمساحات المزروعة وأنظمة الري وتربية الماشية وغيرها من المؤشرات الأساسية. وتُقدّر الميزانية الإجمالية المخصصة لهذا المشروع بنحو خمسة ملايين دينار تونسي، في استثمار إحصائي يُنتظر أن يوفّر قاعدة بيانات مرجعية تساعد على تطوير التخطيط الفلاحي وتوجيه السياسات العمومية وفق الاحتياجات الفعلية للقطاع.
يكتسب المشروع أيضًا بعدًا دوليًا، إذ تشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن سنة 2030 تمثل الذكرى المئوية لانطلاق برنامج التعداد العالمي للفلاحة، الذي يعود إلى سنة 1926. كما تدخل تونس ضمن البلدان المدرجة في دورة التعداد العالمي للفلاحة 2026-2035.
ويمنح هذا الإطار الدولي أهمية إضافية لتطوير الإحصاءات الفلاحية في تونس، ليس فقط بهدف تحديث البيانات الوطنية، بل أيضًا لتعزيز إمكانية المقارنة مع المعايير والممارسات الدولية المعتمدة في هذا المجال.
وتساعد المشاركة في هذا المسار على تطوير المنهجيات الإحصائية، وتحسين جودة المؤشرات، وتوفير بيانات يمكن الاستناد إليها في النقاشات المتعلقة بالأمن الغذائي والتنمية الريفية والتغيرات المناخية واستدامة الموارد.
لكن الانتماء إلى مسار دولي لا يكفي في حد ذاته؛ إذ ينبغي أن تقترن المعايير المشتركة بقدرة وطنية على جمع المعلومات بدقة، وتحليلها، ونشر النتائج، وضمان استمرار تحديثها بعد انتهاء العملية.

الإعلام من نقل الأرقام إلى مساءلة السياسات
في ختام الدورة، تتأكد أهمية الشراكة بين المؤسسات العمومية والإعلام في جعل التعداد مفهومًا للمواطنين، لا مجرد مشروع تقني تتداوله الإدارات والخبراء.
فالأرقام لا تتحدث وحدها. يحتاج الجمهور إلى من يفسر ما تعنيه، ويضعها في سياقها، ويطرح الأسئلة حول كيفية توظيفها في السياسات الفلاحية. كما يحتاج الفلاحون إلى معرفة ما الذي سيستفيدونه من هذه العملية، وكيف يمكن أن تساعد نتائجها على تحديد احتياجات مناطقهم وتوجيه التدخلات العمومية.
ومن هنا، يمكن للصحافة أن تتابع مراحل التعداد، وتشرح آليات جمع البيانات وضمانات سريتها، وتسلط الضوء على التحديات الميدانية، ثم تعود إلى النتائج المنشورة لتسأل عن مدى انعكاسها على القرارات والاستثمارات والبرامج التنموية.
إن التعداد العام للفلاحة ليس غاية في حد ذاته، بل خطوة لبناء معرفة أدق بالقطاع الذي يرتبط بالأمن الغذائي، والموارد الطبيعية، وسبل عيش مئات الآلاف من المستغلين الفلاحيين.
وبين جمع المعلومة وتحويلها إلى قرار، تظل المعادلة الأساسية واضحة: بيانات دقيقة، وثقة متبادلة، ورقمنة مسؤولة، وإعلام قادر على التفسير والمساءلة. فحين تتحول الأرقام إلى أداة لفهم الحاجيات وتحديد الأولويات، يصبح التعداد بداية لمسار تنموي أكثر شفافية واستجابة لواقع الفلاحة التونسية.




